الصفحة الرئيسية

بشّار يوسف: 25عاماً مع حافظ الأسد...

لم أعرف رئيساً غيره مذ ولدتُّ و حتّى انتقاله لجوار ربّه في العاشر من حزيران عام أ حافظ الأسد2000

كنت أتمرّن في أحد أندية بناﺀ الأجسام ضمن مدينة جوبر، جاﺀ المدرّب و قال واجماً:

يللّه يا شباب، لبسوا تيابكون بدنا نسكّر...

سألته :

خير كوتش، شو فيه

قال بتأثّر بالغ:

الرّئيس حافظ الأسد مات...

ارتديت ملابسي و خرجت لا ألوي على شيﺀ، النّاس في الشّوارع و في السّرفيس كأنّ على رؤوسها الطّير، القرآن الكريم يصدح من الإذاعات، كلّ شيﺀٍ كان طبيعيّاً في طريق عودتي إلى البيت، آلاف السّيناريوهات المرعبة كانت تجول في خاطري قبل هذا اليوم و بانتظاره، لكن كنت استعيد توازني النّفسي كلّما اتّجه تفكيري إلى عقل هذا الرّجل الأسطورة، الرّجل الاستثنائيّ، فتبرد أعصابي لأنّي كنت أثق به ثقةً عمياﺀ، و كنت أعلم أنّه كان يحسب حساباً حتّى لمماته و أين ستسير البلاد بعد رحيله

رأيته في حياتي ثلاث مرّات، الأولى في عام 1984 اثناﺀ الاحتفالات بتجديد البيعة له، كنت في المرحلة الإعداديّة، ذهبنا يومها مع جميع طلّاب دمشق في مسيرة عامرة تمرّ من تحت بيته المتواضع الّذي اصطُلح على تسميته "القصر الجمهوري" و هو لم يكن قصراً بالمعنى المتداول، لكن إصراره على بقاﺀ مكان سكنه فيه بعد استلامه دفّة الحكم جعل منه أعظم من أعظم قصرٍ ملكيّ أو جمهوريّ، كنّا آخر دفعة ستمرّ من تحت شرفة منزله و هو واقفٌ يلوّح بيديه البيضاوتين و هين همّ بالدُّخول بعد ساعاتٍ طوالٍ من الوقوف و التّلويح و قبيل أن نصل تحت شرفته، جنَّ جنوننا و ارتفعت أصواتنا تصدح بالهتافات أن انتظرنا أرجوك، لا تدخل، أطلّ برأسه ليتبيّن مصدر الصّوت الاستثنائيّ، فقرّر العودة و البقاﺀ إلى أن وصلنا، و كم كانت فرحتنا بعودته كرمى لنا كبيرة

المرّة الثانية كانت في صالة الفيحاﺀ عام 1990، كنت في الصّفّ العاشر، و المناسبة كانت ذكرى ثورة آذار، بعد أسابيع من التّدريبات جاﺀ اليوم الموعود، الفيحاﺀ كانت تتّسع ل 7500 شخص تقريباً، صوت أنفاسنا لوحدها كانت تُحدث جلبةً و دوّياً، دخل الأسد و اشتعلت الصّالة بالهتافات و كان حضوره محفّزاً لأن نتفوّق على أنفسنا في كلّ ما درّبونا عليه، و عندما اعتلى المنصّة ليلقي خطابه، انكتمت أنفاسنا بشكلٍ غريب، و كما يقول المثل: (إذا بتزتّ الإبرة بتسمع رنّتها)، خرجنا من الاحتفاليّة بحناجر مبحوحة

المرّة الثالثة و الأخيرة عام 1994 في القرداحة أثناﺀ مراسم تشييع الباسل، كنت استخرج دفتر الجيش و شاﺀت الصّدفة أن أتواجد أثناﺀ التّشييع و الدّفن، الطّقس كان ماطراً، وقفت يومها على (بلوكة) لأستطيع أن أرى كيف يهيل الطّين فوق جثمان ولده

لم يظلم شعب في العالم قائداً فذّاً كما ظلم السّوريّون قائدهم، إذ و بعد سنوات طويلة على رحيله و عند اندلاع ثورتهم المزعومة، لم تنسَ الضّباع البشريّة أن تتفنّن في شتمه بطريقة تنمّ عن حقدٍ دفينٍ و أعمى برغم كلّ ماقدّمه هذا القائد لشعبه و برغم انتشاله لهذا البلد المغمور سياسيّاً إلى مصاف الدّول المحترمة الّتي يحسب لها ألف حساب

من يقرأ مذكّرات وزير خارجيّه لسنوات طويلة الأستاذ فاروق الشّرع سيكتشف جوانب خفيّة أهملها الإعلام عن قصد أو عن غير قصد تشير كم كان هذا الرّجل قائداً ملهماً و استثنائيّاً في أحلك الظّروف المحلّيّة و الإقليميّة و الدّوليّة

و من يقرأ مذكّرات مترجمته الشّخصيّة الدّكتورة بثينة شعبان سيصاب بالذّهول كيف كان يتعاطى هذا القائد مع رؤوساﺀ الدّول العظمى و كيف أدار ملفّ التّفاوض مع الكيان الإسرائيلي، و حسبي العبارة الّتي قالتها شعبان في كتابها (عشر سنوات مع حافظ الأسد):

لم أرَ قائداً عربيّاً يفاوض بهذا القدر العالي من الكرامة مثله

18 عاماً على الرّحيل و لمّا تزل روحه الطّاهرة تقضّ مضاجع كلّ الضّباع البشريّة و قطعان البشر البهائمي، في الدّاخل و الخارج

هامش :

سيّدي حافظ الأسد، مين خلّف ما مات...

الرّحمة و الخلود لروحك الطّاهرة

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

August 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 31 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
عدد الزيارات
3707501