الصفحة الرئيسية

عدنان بدر حلو: الأزمة السورية في هزيعها الأخير!

ما من شك في أن استعادة الدولة السورية للسيطرة على عموم المناطق الداخلية من التنظيمات المسلحة التي انكفأت إلى مناطق حدودية تحظي بحمايات دولية (تركيا في الشمال وأمريكا في الشرق والنفوذ الأمريكي الأردني الإسرائيلي في الجنوب)، تشكل انتقالا إلى مرحلة جديدة ومختلفة في الأزمة السورية لا يمكن أن يتم التعامل معها بالوسائل والأساليب التي استخدمت في المناطق الداخلية! (التفاوض بضغط الحصار والضغط العسكري المباشر)!أ عدنان بدر حلو
غير أنه لا يمكن القول بإمكانية الوصول إلى حل سياسي للأزمة بدون توفر صيغ ما للتعامل مع هذا الواقع الجديد، بشكل يؤدي إلى "تحرير" تلك المناطق وإعادة دمجها في الخارطة الوطنية السورية. وهو أمر لا يمكن توقع حصوله بدون الدخول في مفاوضات دولية جدية تشارك فيها هذه الدول الأجنبية الراعية لوجود المسلحين على الأراضي السورية!
فعلى أي أساس (أو مجموعة أسس) يمكن أن تنطلق مثل هذه المفاوضات؟
لا يمكن الدخول في مضمون الإجابة على هذا السؤال بدون وضع اليد على مساحة استراتيجية يمكن أن تشكل منطقة تقاطع لمصالح هذه القوى الدولية (أو الأساسية منها على الأقل)!
في البدء كان الصدام:
عندما وضعت الولايات المتحدة (وضمنا إسرائيل) يدها على "الثورة السورية" كان هدفهما الاستراتيجي هو تدمير سورية (بعد تدمير العراق) ومحاصرة "حزب الله" في لبنان ودفع إيران ومحاصرتها إلى مبعدة آلاف الكيلومترات عن المنطقة، وفتح أبواب المشرق العربي والخليج أمام هيمنة مطلقة للنفوذ الأمريكي – الصهيوني. كما يتم في هذا السياق نشر حالة إسلامية وهابية عاصفة على امتداد الشرق الإسلامي وصولا إلى الدول السوفييتية السابقة في جنوب روسيا وغرب الصين بما يهدد الأوضاع الداخلية للدولتين اللتين تعتبران مصدر التحدي المباشر للهيمنة الأمريكية على العالم!
وعندما تدخلت القوى الحليفة للنظام (حزب الله وإيران ثم روسيا) كان الهدف الاستراتيجي لهذه القوى معاكسا تماما لما سبق. أي منع الولايات المتحدة، ومن يلوذ بها من دول وقوى، من تحقيق أهدافها المذكورة فيما تقدم. أي منع سقوط النظام وانهيار الدولة السورية. وهذا ما تم تحقيقه فعلا خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
غير أن تحقيق هذا الهدف (للمحور السوري –الإيراني – الروسي) لم يؤد فقط إلى منع المحور الأول من تحقيق أهدافه، بل أكثر من ذلك خلق واقعا استراتيجيا جديدا ومختلفا جذريا عما كانت عليه الأمور قبل العام 2011:
1- فالجيش السوري الذين كان يعاني من أوضاع رثة (بكل معنى الكلمة) في ظروف ما قبل 2011 وما كان يطغى عليها من استبداد وفساد وتفلت، خرج من الأحداث الحالية بصورة مختلفة كليا وجذريا.
صحيح أنه خسر كثيرا من عدته وعديده بالانشقاقات الواسعة التي حدثت في صفوفه وعمليات النهب التي تعرضت لها مخازنه.
وخسر كثيرا أيضا بما قدمه من تضحيات بشرية كبيرة جدا في ميادين القتال. (يتحدث البعض عن أرقام تتجاوز المائة وخمسن ألفا).
لكنه اكتسب بالمقابل مهارات فنية وعملية وتنظيمية وقتالية ما كان يمكن لها أن تتحقق خارج ظروف المعارك الكبيرة التي خاضها على امتداد هذه السنوات وعلى اتساع الأراضي السورية.
كما حظي بعملية تحديث وإعادة تسليح وتدريب وتنظيم بإشراف خبرات روسية متقدمة لم يكن بالإمكان حصولها خارج نطاق هذه المعركة.
وهكذا تحول، بهذه المواصفات، إلى قوة عسكرية مؤهلة يحسب لها ألف حساب بالمقارنة مع أوضاعه قبل الأزمة. بل أكثر من ذلك بات يشكل، بهيكليته الجديدة ومواصفاته المذكورة، أساسا صالحا لبنية وطنية جديدة في الدولة السورية.
2- انتقل "حزب الله" الذي كان يراد له أن يتقوقع محاصرا في الجنوب اللبناني معزولا عن عمقه في سورية وشريانه الحيوي مع إيران، إلى قوة عسكرية فاعلة على المستوى الإقليمي وقد تطورت لديه مهارات تجاوزت بما لا يقاس حالته قبل الأحداث لاسيما على صعيد المواءمة قتاليا وفنيا بين حرب العصابات والحرب النظامية، كما تحقق له انتشار متواصل جغرافيا يمتد من جنوب لبنان إلى العمق العراقي شرقا والحدود السورية مع فلسطين المحتلة والأردن جنوبا.
3- وبدلا من أن تنتهي الأحداث بإيران مرتدة إلى مبعدة آلاف الأميال عن بلاد الشام انتهت الأمور بوجود سياسي وعسكري واقتصادي متواصل من طهران إلى مياه البحر الأبيض المتوسط!
4- أما روسيا التي كانت مهددة بحصار شواطئها الرئيسة على البحر الأسود (مع أحداث أوكرانيا) وبعاصفة إسلاموية وهابية في جوارها، بل وفي عقر دارها (ثمة ما يزيد عن العشرين مليون مسلم في روسيا الاتحادية نفسه)، فقد حققت إنجازات لا حدود لها من خلال انخراطها في الحرب السورية: 
- لأول مرة في تاريخ روسيا (القيصرية والسوفييتية والبوتينية) يتوفر لها هذا الحضور العسكري الجوي والبحري والبري امتدادا من إيران إلى المياه الدافئة في المتوسط.
- تحولت من شاهد زور في مساعي تسوية أزمات المنطقة إلى فاعل رئيس فيها بدور معترف به من قبل جميع الأطراف.
- فرضت تغييرا سياسيا على المستوى الدولي لم يسبق أن تحقق منذ أن انفردت الولايات المتحدة بموقع القوة الأعظم إثر انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع تسعينات القرن الماضي.
وهكذا تحولت الأحداث السورية من فرصة لإنجاز الهيمنة الأمريكية- الصهيونية على المنطقة والعالم، إلى انقلاب كببر على هذه الهيمنة.. 
فهل يمكن لقوى هذا المحور أن تتقبل انقلاب مخططها إلى نقيضه؟
هذه هي النقطة الاستراتيجية المفصلية التي تقف الأزمة السورية أمامها الآن:
قد تسلم أمريكا وإسرائيل (على مضض طبعا) بعدم تحقيق الآمال الكبيرة التي كانتا تعلقانها على مسار الأحداث السورية، لكن أن ينقلب الأمر إلى نقيضه تماما ويتحول إلى هزيمة لهما وتغييرا جذريا في موازين القوى لا يهدد مصالح أمريكا وإسرائيل فحسب بل يشكل أيضا تهديدا وجوديا للكيان الصهيوني نفسه! فهذا أمر لا يمكن التسليم به ولا بد من السعي لاحتوائه بشكل من أشكال!
البدائل الأمريكية – الصهيونية:
من الواضح أن العودة إلى الخيار الأول (تدمير سورية والسيطرة على المنطقة) لم يعد متاحا. فما هو الممكن؟
العمل بكل الوسائل والسبل على تقزيم انتصارات الطرف الآخر واحتوائها ضمن أدنى الحدود الممكنة.. 
بين الضغوط والإغراءات:
1- الضغط على دمشق من خلال المناطق الحدودية المسيطر عليها واستثمار تلك السيطرة لفرض شروط وتنازلات سياسية وأمنية وبنيوية قبل السماح بعودة تلك المناطق إلى حضن الدولة السورية.
2- استثمار الحاجة لإعادة الإعمار من أجل التسلل عبر الكثير من الأطراف (لاسيما المقاولون ورجال الأعمال والقطاع الخاص والمصارف الإقليمية والدولية وكذلك الدول الخليجية التي لا تتحرك إلا بأوامر من واشنطن).
3- تصعيد الضغوط الدولية والإقليمية والداخلية على حزب الله في لبنان (العقوبات المصرفية ولوائح الإرهاب، والدعم المالي والسياسي للقوى المعادية للحزب وغير ذلك).. وصولا حتى إلى التلويح بالحرب المباشرة على لبنان!
4- رفع مستوى الضغط الأمريكي على إيران إلى أعلى مستوى ممكن كالانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات جديدة على طهران وعلى الشركات الأوروبية التي تتعامل معها.
5- تجديد الضغوط على روسيا والسعي لاستثمار النفوذ الصهيوني من أجل التأثير على قرارات موسكو سواء بالمساعي المباشرة المتكررة لنتنياهو ووزير دفاعه الروسي أفيدور ليبرمان، أم بالتهديدات غير المباشرة من قبل اللوبي الصهيوني في الكونغرس والإدارة الأمريكية.
ما من شك في أن هذه الضغوط مؤثرة بالفعل (وإن كان تأثيرها متفاوتا هنا وهناك)! لكنها في جميع الأحوال لا ترقى إلى مستوى إحداث تغيير استراتيجي لما وصلت إليه موازين القوى على الساحة السورية وامتداداتها الإقليمية والدولية. 
إن أقصى ما يمكن الأمل بتحقيقه هو الاحتواء، وبشكل شديد الخصوصية، فيما يتعلق بالخطر الوجودي على الكيان الصهيوني. وهو أمر لم يعد بالإمكان تحقيقه إلا من خلال التلويح بتسوية دولية إقليمية تربط ما بين الأزمة السورية والأزمة في المنطقة. بشكل يمكن أن تتقاطع فيه مصالح لجميع الأطراف:
- مقابل السماح بعودة المناطق الحدودية إلى كنف الدولة السورية ودمج أعداد كبيرة من المقاتلين السوريين في صفوف القوات المسلحة السورية بأطرها التنظيمية الجديدة وعلى قواعد وطنية صارمة، يجري استئناف المفاوضات السورية - الإسرائيلية من أجل التسوية انطلاقا من النقطة التي كانت قد توقفت عندها في المراحل الماضية.
- يجري البحث في توفير حل للمشاكل الحدودية البرية والبحرية بين لبنان وإسرائيل تسحب ذريعة احتفاظ "حزب الله" بسلاحه، ما يوفر مناخا ملائما للتوصل إلى استراتيجية دفاعية جديدة في لبنان تتضمن احتواء الدولة لذلك السلاح بشكل من الأشكال. (يلاحظ هنا ما كشفه الرئيس نبيه بري قبل أيام حول الرسالة الأمريكية المفاجئة بشأن استعداد إسرائيل للتفاوض حول الحدود البحرية والبرية، بما في ذلك موضوع مزارع شبعا!).
- الوصول بالتصعيد الأمريكي مع إيران إلى تسوية تسمح بالربط الجغرافي والاقتصادي بين طهران والمتوسط مقابل اندماج إيران بعملية السلام مع إسرائيل، خاصة في الوقت الذي تدخل فيه الدول العربية أفواجا في تلك التسوية. (علما بأن التهديدات بالحرب مع إيران لا معنى لها بسبب هشاشة المصالح الأمريكية في المنطقة تجاه مخاطر مثل تلك الحرب، كمضيق هرمز والمنشآت النفطية الحساسة في الخليج والمنطقة الشرقية من السعودية التي تقع جميعها تحت مرمى حجر من الأراضي الإيرانية)!
- الدخول الجدي في عملية تسوية للأزمة الأوكرانية، تحرر روسيا من أعبائها ومن العقوبات الدولية التي ترتبت عليها. (ويلاحظ في هذا المجال أن مجلس الأمن الدولي قد توصل في الخامس من حزيران الجاري، لأول مرة منذ وقت طويل، إلى بيان تبناه بالإجماع يطالب الحكومة الأوكرانية بسحب الأسلحة الثقيلة من المناطق الشرقية وتجديد الحوار بناء على اتفاقات مينسك (شباط 2015) التي كان الغرب قد انقلب عليها بعد يوم واحد من إنجازها، ورفض مذذاك العودة إلى ما تحتويه من تفاهمات!).
في هذه المساحة من التهديدات والضغوط والإغراءات تقف حاليا مآلات الأزمة السورية وربما أزمة المنطقة بكاملها!
فهل تصل هذه المآلات إلى نهاياتها؟ متى؟ وكيف؟

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4307630