الصفحة الرئيسية

يحيى زيدو: مجلس مركزي لإعاقة بناء الدولة الوطنية

(التيار الديني) في سورية مبتهج هذه الايام، و هادئ، و سعيد، فهو يعمل براحةٍ تامة، لا مضايقات، و لا مساءلات، بل تشجيع و رعاية و احتضان. أ يحيى زيدو
التيار الديني دأب منذ بداية الأزمة على تنظيم نفسه بطريقةٍ منهجيةٍ تجعله قادراً على الوصول إلى أي بيت في سورية.
فبعد إلغاء منظمة (الاتحاد النسائي) تم تظهير تنظيم (القبيسيات) كتنظيم ديني دعوي نسوي- و هو تنظيم طائفي مهما اجتهد رعاته في نفي هذه الصفة عنه-
هذا التنظيم النسوي الذي يعمل من خلال داعياته، و الكادر التدريسي فيه للسيطرة على المجتمع من خلال السيطرة على المرأة و الطفل، ليكون المجتمع بعد عدة سنوات شبيهاً بالمجتمع السعودي الحالي، بحيث أنه عندما يكبر الأطفال سيجدون حواضن هي عبارة عن تنظيمات إرهابية بأسماء جديدة بانتظارهم لاستكمال المشروع الاسلاموي في المنطقة الذي يتكامل مع المشروع الصهيوني في القضاء على مفهوم الدولة الوطنية، و تكريس الانتماء للمذهب و الطائفة بدلاً من الوطن.
ترافق تظهير تنظيم (القبيسيات) مع تغول وزارة الأوقاف على وزارات أخرى، في مقدمتها وزارتي التربية و الإعلام.
قد يقال: إن مناهج التربية الدينية في المدارس معتدلة، و قد يكون ذلك صحيحاً، و لكن هذا الكلام يغفل حقيقة الغاية التي تقف وراء تدريس مادة التربية الدينية منذ الصف الأول الابتدائي، و هي التأسيس لبناء الانسان المتدين بدلاً من المواطن الانسان.
انتبهوا إلى ظاهرة الحجاب التي تغزو وسائل الإعلام السورية، من المذيعات إلى فتيات الإعلان إلى المسلسلات إلى البرامج الدينية..
انا لست ضد الحجاب كقناعة تقبلها النساء، لكن الحجاب اليوم أصبح يكتسب رمزية سياسية حجبت عنه دلالاته الدينية و الاجتماعية ليكتسب شكلاً من أشكال الهوية السياسية على حساب الهوية السياسية الوطنية الجامعة.
وزير الأوقاف يقول في مجلس الشعب: «إن النقل لا يتعارض مع العقل إلا إذا كان هناك نقص في العقل».
هل يسخر وزير الأوقاف من عقول السوريين؟ لماذا لا يكون النقص في النقل؟ و إذا كان النقص في العقل هو سبب المشكلة فليتفضل و يقول لنا أي عقل في القرن الحادي والعشرين يقبل أن تكون مدة حمل المرأة أربع سنوات و نصف، بحسب فتاوي ابن تبمية؟
و لن أسترسل في هذه النقطة التي تحتاج إلى مناقشة عميقة و واسعة ليس هنا مكانها.
بالأمس تم انتخاب القيادات لما يسمى المجلس المركزي للفريق الديني الشبابي« التطوعي». هذا المجلس الذي يدير مجالس فرعية، و مناطقية في كل المدن و البلدات السورية، أي أنه يصل إلى معظم بيوت السوريين بالتزامن مع أنشطة القبيسيات، و وزارة الأوقاف، في الوقت الذي تعجز فيه الدولة عن الوصول إلى المواطن الذي يئن تحت وطأة متطلبات الحياة اليومية، فضلاً عن آثار الأزمة الحالية التي استهدفت حياته، و حياة أبنائه، و مصادر عيشه، بل و حتى أحلامه.
عندما يكفر المواطن بالدولة لن يجد سوى الجامع ملجأ له.
فهل تقصير مؤسسات الدولة هو جزء من مشروع أو مخطط لتكفير المواطن بالدولة؟ و بالتالي دفعه إلى الارتماء في أحضان التيار الديني؟
نحن نفهم أن الوطن هو لكل أبنائه، متدينين و غير متدينين. لكن ما نحتاجه اليوم ليس الجوامع، و ليس ثقافة الجوامع. ما نحتاجه اليوم هو دولة المواطنة، دولة المؤسسات التي تكرس الانتماء الوطني العميق. الوطن يحتاج إلى مؤسسات ثقافية، و تربوية، و إعلامية، و اقتصادية، و سياسية.. لا جوامع و رجال دين.
ففي البلد جوامع تكفي عشرة أمثال عدد سكان سورية، و فيها رجال دين أكثر من خريجي الجامعات، و فيها صار لقب (شيخ) أهم من كل الالقاب العلمية.
إن الوطن لا يحتاج مؤسسات تعمل وفق توجيهات التيار الديني الذي يقوم بتزييف وعي الانسان بما يدفعه ليكون أداة في أيدي التنظيمات الإرهابية.
علينا أن نعترف كسوريين، و من خلال تجربة السنوات السبع الماضية، أن كل القتلة خرجوا من الجوامع، و أن هؤلاء قد أنتجوا آخرين مقابلين لهم حتى داخل التيار العلماني. و أن كثيرين من (المثقفين) التنويريين خانوا مبادئهم، و اكتشفوا طوائفهم، و مراجعهم الطائفية و هم في أرزل العمر.
إن تجديد دماء ما يسمى المجلس المركزي للفريق الديني الشبابي هو إعلان ولادة لمجلس إعاقة بناء الدولة الوطنية، و إعاقة بناء (عقد اجتماعي) منبثق من رحم الأزمة، يكون الأساس فيه هو الانتماء للوطن و ليس للمذهب أو الطائفة أو الحزب. عقد اجتماعي يقوم على احترام القانون، و عدم التمييز بين أبناء المجتمع على أساس ديني، أو عرقي أو جنسي، و حماية حق الاختلاف، و صيانة حقوق الضعفاء اجتماعياً و سياسياً، مع كامل الاحترام لحرية المعتقدات الدينية و اللادينية على السواء.
إن آباء التيار الديني لا يأبهون بالانتقادات التي توجه لهم، و هم يعلمون بها، لأنها انتقادات فردية و صرخات غير مؤثرة في عالم افتراضي.
و هذا يستدعي من العلمانيين و التنويريين في المجتمع تحمل مسؤولياتهم، و الخروج من انتماءاتهم الضيقة، الحزبية، و العشائرية، و العائلية، و الطائفية، لتوحيد جهودهم من أجل أن يكونوا مؤثرين، و فاعلين في صياغة العقد الاجتماعي الجديد.
فما يحصل اليوم هو أن التيار الديني يتسع و يتمدد فيما ما بقي من العلمانية و التنوير يتلاشى و يتبدد.
فلتتوحد الجهود. و لتكن البداية من المطالبة بإلغاء مادتي التربية الدينية و الثقافة القومية في المدارس والجامعات.. و استبدالها بكتابين جديدين، التربية الوطنية الجديدة و الأخلاق العامة،
و إلغاء وزارة الأوقاف مع الإبقاء على هيئة تقوم بإدارة الأوقاف الإسلامية و المسيحية على السواء بحيث يكون للدولة إشراف مباشر عليها، و نسبة تتجاوز 50% على الأقل من عائداتها السنوية.
إن دماء الشهداء، و آلام الجرحى، ووجع عائلات المخطوفين، و الشهداء، و الجرحى قد تذهب هدراً إن تاخرت مواجهة هذا التمدد الإسلاموي الذي يعمل على أسلمة كل شيء كمقدمة للسيطرة على كل مؤسسات الوطن..
و قد يأتي يوم يقتل فيه الجيل الذي تربِّيه القبيسيات أبناء الشهداء الذين من المفترض أنهم رجال المستقبل.
فلنبادر.. قبل أن نندم حين لا ينفع الندم.
*الرجاء الابتعاد عن التعليقات ذات الطابع الطائفي، أو الشتائم.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

August 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 31 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
عدد الزيارات
3685782