الصفحة الرئيسية
n.png

هل يقاتل (بشار الأسد) من أجل الكرسي؟!

محمد الوزيري*أ محمد الوزيري

لست أدري إن كان السؤال يبدو بسيطا ساذجا و سطحيا في بنيته التركيبية، و لكنني أعلم يقينا أن تقديم الإجابة العلمية و الموضوعية عليه هو الأصعب. لأن الجواب عند الموالي هو "لا" و الجواب عند المعارض هو "نعم" والجواب عند اللاأدري هو "الله أعلم"، و الجواب عند المحايد هو "ليس شأني"، و الجواب عند الإنتهازي هو "نعم و لكن".. و هذه كلها أجوبة نمطية جاهزة لا تقدم أي معرفة للآخر البعيد الذي يريد الجواب فقط لا غير..

أنا لن أدعي أنني أملك الجواب أو سأقدمه لكم، و لكنني سأضعكم أمام معطيات واقعية و نماذج حية يمكنكم أن تصنعوا بها مفتاحا ذو وجهين، و قرروا حينها ما شئتم حسب ما يتوصل إليه فهمكم الخاص..

أولا: كيف نعرف المدافع عن الكرسي؟

عندما أحس إخوة نبي الله يوسف أن الزعامة بعد أبيهم ستكون لأخيهم الأصغر، قاموا بحبك قصة الذئب و تغييبه في الجب، ثم فيما بعد بيعه و إبعاده عن منطقة نفوذهم. و كانت تلك أسهل الطرق لتخلو الساحة من أجل الزعامة دون نغص. و كان الذي يقف في هذا الطريق شخص معروف هو يوسف فلا بد من إبعاده بأسهل الطرق لتحقيق الهدف المنشود و المعروف. و من تم الإنزواء لتحقيق رغد العيش دون هذا الصبي المنكد..

ولما شارف هارون الرشيد العباسي على الموت، أوصى لابنه الأمين بحكم العرش من بعده، و أوصى للمأمون بولاية العهد، و لكن الأمين استأثر بالحكم لنفسه و ولاية العهد لابنه. و هنا برز الصراع غير خفي من أجل الكرسي. فعمد المأمون إلى محاصرة أخيه في بغداد بعد أن حكم أربع سنوات، فقتله و استفرد بالكرسي 15 سنة، ثم مضى في التهام كل شيء في طريقه بصرف النظر عن ما حققه في الجانب العلمي..

عندما توفي الأمير نجم الدين أيوب، تولت شجر الدر كرسي القيادة فتزوجت بعز الدين أيبك، فآلت إليه بالريادة فحكم باسمها. لكن شجر الدر أحست بأن مكانها فوق العرش بدأ ينفلت و تزحف عليه سطوة عز الدين أيبك، فعمدت إلى تصفيته و أزالت ذلك العنصر الذي تحول من مساعد إلى منافس على "الكرسي" فقتلته..

ثانيا: ما هو الدرس المستفاد من ذلك؟

إن الدرس الأول الذي يجب أن نستوعبه هنا هو أن الصراع على الكرسي لا يمكن أن يختلف حول طبيعته اثنان، و إن الظفر به يؤتى من أقصر أبوابه لا عبر الحروب الطويلة، و إن كانت هذه الحروب قد شنت من أجله فإن لها أفقا محدودا جدا، بل إن أغلبها يحل بطرق وفاقية، وذلك واضح من خلال صراع أبناء صلاح الدين حول النفوذ و الإمارة (أنظر تاريخ ابن الأثير)..

و إن أقصر هذه الطرق هو تصفية المنافس العقبة إذا كان فردا بارزا و ينتهي الأمر، لأن الغاية و المقصد واضحة و هي الكرسي.. و التاريخ أمامكم اقرؤوه فستجدون أن كل الصراعات التي خيضت حول الكرسي كانت قصيرة جدا و غير مكلفة، فإما تنتهي باتفاق مصلحي أو بتصفية العقبة الموضوع و ينتهي الحال للكفة الراجحة دون إصدار أي ضجيج..

و الصراع إذا انحصرت مقصديته على الكرسي فلا يمكن أن تكون من نتائجه التقدم و الإزدهار و محاربة العدو و تحقيق الأمن و زرع الرعب في نفوس المتربصين و الغزاة، و إنما تكون تكون نتائجه ظاهرة في كنز الذهب و تكديس المال و تفقير الفقير، و نزع الأمن عن الرعية و الهيبة عن الدولة، و الخضوع للعدو و الإرتهان للإقتراض، و زرع الإنحلال و التحلل و التغريب و مراعاة المصلحة الفردية دون سواها. و ذلك بأقصر الطرق و أسهلها . لأن شهوة الكرسي إذا لم تتحقق ظن ورائها هذه المنافع الذاتية فما الغرض منها؟!

ثالثا: لنتساءل عن موضع الأسد من كل ما سبق:

إذا كان بشار الأسد يقاتل من أجل الكرسي فمن هو منافسه قبل الحرب؟! ألم يكن الأسد يعرف أن كرسيه مهدد؟ فلماذا لم يساوم عليه و يتنازل عن بعض الأمور التافهة ثم يبقى له هذا الكرسي؟
لماذا لم يفعل كما يفعل رجالات التاريخ الماضي و المعاصر، مثلما فعل الأيوبيون بعد صلاح الدين عندما تفاوضوا وساوموا على عروشهم، بل ذهب بعضهم إلى التحالف مع الصليبيين من أجل إبقاء عرشه قائما؟!

و لماذا لم يسلك الأسد نفس طريق جميع الحكام العرب المعاصرين، الذين ساوموا و وقعوا اتفاقيات تحفظ لهم عروشهم دون إراقة الدم أو تدمير العمران؟ و إذا كانت الغاية من هذه الحرب هي الكرسي فهل في نظركم لا توجد طرق أخرى أسهل و أقصر للوصول إلى المراد؟!

ثم إننا قد قلنا سابقا إن الحاكم الإنتهازي لا يقاتل على الكرسي من أجل الكرسي، بل من أجل الغنائم التي يحصل عليها من ورائه، و كلما ضؤلت هذه المنافع كلما ضؤل الإهتمام بهذا الكرسي و التعلق به. فما هي هذه المنافع الكونية التي عرض الأسد نفسه للخطر من أجلها؟!.. لكي نعرف الجواب على هذه الأسئلة لا بد ان نجيب على السؤال الأهم و هو:

رابعا: ما هي الطريقة الأسهل للحفاظ على الكرسي إذا كانت من ورائه مغانم كبيرة؟

سئل الملك المغربي السابق الحسن الثاني: ماذا كنت ستفعل لو نجح الإنقلاب ضدك؟!
قال: بكل بساطة سأحمل أولادي و أذهب إلى فرنسا..
و هذا جواب صريح و موضوعي، لأن الرجل يعرف و يعترف بأن آخر همه هو القتال من أجل بلده، لأنه لا يحكم إلا من أجل مصلحة العائلة الملكية. و إذا هددت حياة هذه العائلة فلا نفع من هذا الكرسي أصلا. لأن دور الكرسي هو تأمين الخضوع التام للجماهير من أجل استلاب الثروة.. و إذا تحققت هذه الثروة دون مشقة ،فلا حاجة للكرسي إذن..

في حرب رمضان تشرين 73، و عندما علم حافظ الأسد أنه ظل وحيدا في الجبهة ضد أعتى الأسلحة العالمية و القوى المتوحشة، كان أمامه خياران أحلاها مر.. إما أن يسلك نقس طريق السادات بتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل على شرط أمريكا. أو أن ينفذ عملية انتحارية تودي بسوريا و ما فيها إلى تحقيق الحلم الصهيوني..

لكن حافظ الأسد سلك أوسطهما، فلا وقع اتفاقية سلام و لا استمر بالمواجهة الشاملة، لأن ميزان القوى تغير و تلزمه معجزة من الله ليتعدل. و لكن لجأ إلى خيار دعم المقاومة الشعبية و حرب العصابات (فلسطين و لبنان).
و عندما صار على فراش الموت جاء إليه بيل كلنتون ليغتنم الفرصة، فخيره بين أمور لو عرض نصف الربع منها على أشرف ملك من ملوك الرجعية العربية لقبل بها..

و لكن حافظ الأسد قال قولته الشهيرة "أن أورث أولادي (شعبي) قضية يناضلون من أجلها، خير من أورثهم سلاما مذلا". هو يعتبر كل تلك الإمتيازات التي يمكنها أن تجعله ملكا على العرب "ذلا"، فمات حافظ و لم يقبل بأي منها.. (انظر مذكرات بيل كلنتون)..

خامسا: أمريكا تخير بشار الأسد ترغيبا و ترهيبا!

ما أعظم النشوة التي شعر بها الأمريكيون و الناتو عندما اجتاحوا العراق عام 2003 بالتعاون مع الرجعية العربية و الخيانة الداخلية العراقية، هذه النشوة كانت كبيرة، لأن بشار الأسد الشاب الذي لم يمض على حكمه سوى ثلاث سنوات، ظل وحيدا دون الجناح الثاني للبعث العربي رغم الخلاف الكبير الذي كان قائما بينهما.
و لكن الغزاة إذا أرادوا المرور إلى قلب العروبة النابض فلا بد من المرور عبر الظهر، و هذا الظهر تم طيه في فجر مارس عام 2003.. و قد بدا الطريق معبدا ممهدا نحو القلب..

لكن الغربيين يجيدون اللعب على حبال الموت، فهم يعرفون أن ثمن غزو العراق لن يكون بسيطا، فكان لا بد أن يكون الفزاعة التي سيستخدمونها لتركيع آخر معقل للممانعة العربية أي سوريا، و ذلك بالترغيب و الترهيب.. كيف؟!

ذات صباح حمل "كولن باول" أوراقه المسودة داخل أقبية المخابرات العالمية فاتجه صوب دمشق يعرض "خياراته" بين الرفعة و الذلة. يخاطب الأسد إما أن تكون شخصا طيعا فتصبح ملكا على العرب و حارسا للغرب على الشرق الأوسط، أو إن قواعدنا الاي حطت رحالها في بغداد، لن تغادر قبل أن تبحر إلى طرطوس لإتمام مهمتها الكونية و إخضاع سوريا و إغلاق ملف الممانعة.. و هذه بعض الشروط:

- على سوريا أن تطرد حركات المقاومة من دمشق و البالغ عددها عشرة فصائل، و على رأسها حماس.
- على سوريا أن توقف دعمها الفوري لحزب الله اللبناني.
- على سوريا أن تحدد موقفها من الحرب على العراق و أن تصطف إلى جانب القوات الدولية أو تلزم الحياد أقله.
- على سوريا أن تفك ارتهانها إلى محور الشر الإيراني.
على سوريا أن تخوض مفاوضات سلام تمهيدية مع إسرائيل، لأن القوة اليوم بيد حلفاء إسرائيل..

و في المقابل، ستقوم أمريكا برفع الحصار الذي دام على سوريا أكثر من سبعة و ثلاثين سنة..
و ستأمن سوريا من الخطة التالية للناتو و هي غزوها و تغيير النظام فيها..
و في حال توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل فإن الإمتيازات التي طرحت عام 1999 ستكون مضاعفة. بما فيها إعادة الجولان العربي السوري المحتل..
ستكون سوريا هي مركز الثقل في الشرق الأوسط و شرطي المنطقى كما كان شاه إيران و أكثر..

أما جواب الأسد فكان "إنتهت الجلسة"! لأنها تجاوزت الثوابت، و هي المصلحة العربية العامة و السورية الخاصة و المقاومة الفلسطينية. (انظر شروط كولن باول للأسد).. فبماذا ردت أمريكا؟!

جاءت بمخطط الشرق الأوسط الجديد الذي أحبط عام 2006، و تم حبك البديل الدوري و هو خطة السقوط من الداخل، و هي التي توجت بما سمي ب"الربيع العربي" الذي ضرب كل الموانع التي كانت لتخفف الضربة على سوريا خاصة ليبيا القذافي، و النتيجة أنتم ترونها..

هنا نتساءل مع الإخوة.. باعتبار قولنا السالف بأن القتال من أجل الكرسي يؤتى من طرق قصيرة و محصورة، فلماذا لم يسلك بشار الأسد أي منها و هي التي جاءت إليه لا هو الذي ذهب إليها؟!..
إذا كان الكرسي يخول له حكم سوريا البالغ عدد سكانها آنذاك 15 مليونا، فإن أمريكا عرضت عليه أن يحكم القواعد العربية البالغ عددها أكثر من 300 مليون، فلماذا لم يقبل بكل ذلك؟!

و في خضم الحرب و قبيل معركة حلب، عرضت إسرائيل كما ورد على لسان "بدر الدين حسون" في لقاء مع "كمال خلف" على قناة الميادين -عرضت- على الأسد أن يوقع معاهدة سلام معها في مقابل أن تتوقف الحرب خلال 48 ساعة في سوريا... فلم يتم الرد على هذه الرسالة و هو نفس الجواب الذي تحول إلى مسلمة بديهية منذ عام 73!.. فهل يقاتل بشار الأسد من أجل الكرسي؟!

*كاتب مغربي

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

July 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
3429787