الصفحة الرئيسية
n.png

د. جورج نادر سوريانا: على هامش عيد الفصح.. حديث في السياسة

في مثل هذا اليوم- السّابق لأحد الفصح عام 2011، وفي إحدى القرى الاسبانيّة المنسيّة، كان القرويّون يحيون، عبر موكبٍ دينيٍّ تمثيليٍّ، حادثة محاكمة يسوع المسيح واقتياده للصّلب على وقع ضربات السّياط الّتي تنهال عليه. وبطبيعة الحال، كان أحد "المؤمنين" قد تطوّع لتمثيل دور المسيح في المشهد. فجأةً خرق الصمت المطبق على الحضور صوتٌ يقول بغيظٍ، لم يفلح صاحبه في كبته: «دافع عن نفسك... دافع عن نفسك».. أعادها مرّتين... أ جورج نادر سوريانا
كان ذلك الصوت يعود لطفلٍ اسمه "ماركو راباسكو" يبلغ من العمر سنتين وأربعة شهور وثلاثة أسابيع، وكان محمولاً على كتفيّ والده...
منذ قرأت هذه الحادثة في كتاب الأديب الأوروغوايانيّ المدهش "إدواردو غاليانو" «أبناء الأيّام»، ترجمة الصّديق العزيز الأستاذ "صالح علماني"، دأبت على استحضارها في ذاكرتي كلّ عامٍ في أسبوع الفصح...
هذه هي رسالة الفصح كما أحبّها أن تكون...
المقاومة...
أتمنّى من كلّ قلبي أن تُستبدل عظة الفصح في كلّ الكنائس بهذه العظة القصيرة والمعبّرة، بدلاً من اجترار نفس الكلام الاستهلاكيّ حول المحبّة والسّلام...
سأعود لهذه الفكرة في الختام، لكنّني الآن سأتحدّث بكثيرٍ من الإيجاز حول الموضوع الّذي لا يزال حتّى الآن موضوع السّاعة، وأقصد موضوع العدوان الأمريكيّ على بلادي...
قلت في أوّل تعليقٍ لي عن العدوان أنّني أتّفق في قرارة نفسي مع معظم المحلّلين حول أنّ العدوان سيكون لمرّةٍ واحدة ولن يتكرّر، لكنّني في الوقت عينه أشعر بالغضب بسبب الإهانة الّتي شكّلتها أهداف ذلك العدوان على كلا المستويين الإنساني والوطني، وأتت الأحداث اللّاحقة لتعزّز قناعتي بصحّة هذه الافتراضات.
الأمر لا علاقة له لا بكيميائيّ، ولا بتوجيه رسائل حازمة للنّظام، ولا بتغيير قواعد اللّعبة، ولا بأيّ شيءٍ من هذا على الإطلاق. الأمر باختصار هو أنّ راعي البقر الأمريكي قد أراد اختبار التّكنولوجيا المتقدّمة المدمّرة الجديدة، وكانت بلادي هي حقل هذا الاختبار. يمكن لأيٍّ كان أن يتحقّق من صحّة هذه الفرضيّة من خلال مراجعة شريط الفيديو الخاصّ بالمقابلة التلفزيونيّة لترامب بعد العدوان، وتوجيه الانتباه لكمّ النّشوة الّتي طغت على قسمات وجهه ونبرات صوته وهو يسهب بالحديث عن هذه التّكنولوجيا المدمّرة الّتي يمتلكها الآن دون سواه في العالم. حتّى أنّ ترامب، في غمرة نشوته، نسي اسم الدّولة الّتي أطلق صواريخه عليها، فقال أنّها العراق، قبل أن تصحّح له محاورته بأنّها سوريا، ولهذا الأمر دلالته الّتي تعزّز صحّة نفس الفرضيّة، فليس مهمّاً اسم حقل التّجارب، الأهمّ هو نجاح التّجربة.
وربّما كان من ألطاف القدر (الأمريكي) أنّ ترامب اختار أرضاً بديلةً لتجربة القنبلة الجديدة، والّتي أُطلق عليها لقب "أمّ القنابل"، هي أفغانستان وليست سوريا (قيل أنّ من قضوا بنتيجة القصف بهذه القنبلة هم من عناصر القاعدة. لكن لو كانوا مدنيّين، وهذا احتمالٌ وارد، لتوجّب عليّ الاعتذار عن تعليقي الأخير هذا) ...
أمّا تزامن إعطاء إشارة البدء بالعدوان الصّاروخي مع الاجتماع الودّي لترامب مع الرّئيس الصّيني (استغرق حديث ترامب خلال المقابلة عن كعكة الشوكولا المقدّمة كتحلية بعد الغداء أكثر من نصف الوقت المخصّص للحديث عن الموضوع برمّته)، وامتناع الصّين لاحقاً عن استخدام حقّ الفيتو خلال اجتماع مجلس الأمن الأخير، فهو ليس مؤشّراً عن ابتعاد الصّين عن روسيا بشأن مقاربتها للحرب السوريّة (لا أستسيغ عبارة "الملفّ السّوري") كما ذهب إليه حكواتيّة آل سعود في "الحياة" و"الشّرق الأوسط"، فالصّين لم توافق على مشروع القرار بل امتنعت عن التّصويت، وهذه ليست المرّة الأولى بل لربّما المرّة الثّالثة، إذا لم أكن مخطئاً. يندرج الأمر في سياق توزيع الأدوار بين الصّين وروسيا في هذه المرحلة. لا لزوم لتصويتها طالما أنّ فيتو واحداً يفي بالغرض. امتناع الصّين عن التّصويت يعادل موضوعيّاً رفضها لمشروع القرار، وأجزم يقيناً أنّ مقاربتها للحرب السوريّة لم تختلف قيد أنملة.
السّبب الحقيقي، أو الرّسالة الحقيقيّة الّتي أراد ترامب إيصالها، تتّصل بالمناوشات مع كوريا الشماليّة حصراً. تجربة العدوان الصّاروخي على سوريا و"أمّ القنابل" على أفغانستان تأتي في هذا السّياق تحديداً.
أمّا فيما يخصّ الدّموع الغزيرة الّتي ذرفها الإعلام الغربي والمسؤولون الغربيّون حول الضّحايا المفترضين لغاز السّارين في خان شيخون، سأذكّر فقط بهذين التّصريحين الّذين اقتبستهما من نفس الكتاب المذكور أعلاه لغاليانو...
«لا أستطيع أن أفهم كلّ هذا التمنّع عن استخدام الغازات. إنّني مؤيّدٌ جداً لاستعمال الغاز السّام ضدّ القبائل غير المتحضّرة. سيكون لهذا العمل أثرٌ أخلاقيٌّ جيّدٌ، وسينشر رعباً دائماً»...
(وينستون تشرشل عندما كان رئيس المجلس الجوّي البريطاني عام 1919)
«أنا لا أوافق على أنّه قد اقتُرف شيءٌ سيّئٌ مع ذوي الجلود الحمراء في أمريكا، ولا الزّنوج في أستراليا. حين جاء عرقٌ أقوى، عرقٌ من نوعيّةٍ أفضل، احتلّ أمكنتهم. هكذا فقط»...
(وينستون تشرشل أمام اللّجنة الملكيّة الخاصّة بفلسطين الواقعة تحت الاستعمار البريطاني عام 1937)
يذكر أنّ وينستون تشرشل قد حاز لاحقاً على جائزة نوبل عام 1953.
هكذا ينظرون إلينا.
فكيف يريدوننا أن نصدّق دموعهم؟!
عودةٌ إلى مناسبة ذكرى الصّلب وفصح القيامة، وكذلك إلى العظة الّتي أوردتّها في البداية وأملت أن تحلّ محلّ العظات الاستهلاكيّة...
قلت سابقاً، وعبر هذه الفسحة بالذّات، إنّني أرى بأنّ مقولة السيّد المسيح الشّهيرة: «من ضربك على خدّك الايمن، أدر له الأيسر» يُساء فهمها لكونها منزوعةً من سياقها.. المقولة الأصليّة هي كالآتي: «قد سمعتم أنّه قيل للأوّلين أنّ العين بالعين، والسنّ بالسنّ. وأمّا أنا فأقول لكم: من ضربك على خدّك الأيمن، أدر له الأيسر»، وهذه ليست دعوةً للتّسامح بقدر ما هي دعوةٌ للإعراض عن اللّجوء لقانون الغاب، الّذي إذا ما ساد سيحوّل كلّاً من المتخاصمين إلى أعمى أو إلى أدرد (من سقطت أسنانه)، واللّجوء بدلاً من ذلك إلى القانون المدني العادل الّذي يعيد الحقوق لأصحابها..
هذا عندما يكون هنالك قانونٌ...
أمّا عندما لا يكون هنالك قانون، لا مدنيٌّ ولا دوليٌّ ولا حتّى إلهيٌّ، ويكون قانون الغاب هو القانون الوحيد المعمول به..تصبح المقولة الذهبيّة هي الآتية:
من ضربك على خدّك الأيمن... انتزع يده من مكانها، واضربه بها على كلا خدّيه..
«قاوم فيداك الإعصارُ... وتقدّم فالنّصر قرارُ... إنّ حياتك وقفة عزٍّ تتغيّر فيها الأقدارُ»...
هامش: «عندما حاكم الكهنة اليهود يسوع، حكموا عليه بالصّلب بتهمة التّجديف والشّعوذة والحضّ على عبادة الأوثان. بعد قرونٍ من ذلك، تمّ الحكم على هنود أمريكا بنفس هذه التّهم بالضبّط، وباسم يسوع»...
(إدواردو غاليانو في نفس كتابه المذكور أعلاه).
هامشٌ آخر: العلم السّوري... والخريطة السوريّة... والسّيف الدّمشقي مذيّلاً بعبارة «from Damascus… with love»... يزيّنون مكتبي...
وعبارةٌ شعريّةٌ مخطوطةٌ على إطارٍ خشبيٍّ، اقتبستها من الشّاعرة السوريّة الجميلة عبير سليمان: «العين... هي تلك الرّحمة الّتي أبصرت الشرّ... فكسرته، وزرعت رؤيتها بين حروفه... فكان الشّعر»...
وجريدة "الأخبار"... تتصدّر صفحتها الأولى صورة الوزير، الّذي أكنّ له إعجاباً وحبّاً بالغين، وليد المعلّم مع الوزير لافروف...
وأنا... ذاك المتيّم في عشق سوريا...
أحبّها... أشتاقها... وأكثر...

تنويه: هذا المقال مكتوب في مثل هذا اليوم من العام الماضي

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

July 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
3444067