الصفحة الرئيسية

التدخل الأمريكي المباشر تمديد خطير للأحداث السورية

عدنان بدر حلوأ عدنان بدر حلو

لقد مرت الأحداث السورية في عدة مراحل منذ انطلاقها في مطلع عام 2011، أبرزها التحول من انتفاضة شعبية إلى ثورة مسلحة سرعان ما سيطرت عليها التنظيمات الإسلامية التي تلقت دعما بشريا وماديا خارجيا لا حدود له من قبل العديد من الجهات العربية والإقليمية والدولية.
وبغض النظر عما يمكن أن تتضمنه قراءة تلك التطورات من اختلافات في التقييم ووجهات النظر، يبقى أن البلاد تعرضت ما بين منتصف 2014 ومنتصف 2015 إلى خطر انهيار الدولة السورية:
- فقد سيطرت التنظيمات المسلحة التي اتحدت تحت مسمى "جيش الفتح" بزعامة "جبهة النصرة" على محافظة إدلب بأكملها، وانتقلت إلى تهديد محافظات حلب (المدينة الساقطة بمعظمها والمحاصرة من جميع جهاتها تقريبا) وحماه واللاذقية امتدادا إلى الساحل كله.
- بينما اجتاحت "الدولة الإسلامية- داعش" معظم المحافظات الشرقية (شرق الفرات وغربه) بما في ذلك معظم البادية وصولا إلى مدينة تدمر الأثرية لتدق الأبواب الشرقية لمدينة حمص. في الوقت الذي تمددت فيه شرقا مجتاحة ثلاثة أرباع العراق تحت سمع وبصر الأقمار الصناعية والطائرات الأمريكية التي تراقب الأراضي العراقية والسورية على مدار الساعة.
- في هذه الأثناء كانت العاصمة دمشق تشعر بلهيب النيران المشتعلة في معظم أرجاء الغوطتين الغربية والشرقية، إضافة لجبال القلمون بقسميها الغربي الممتد إلى داخل الأراضي اللبنانية والشرقي المفتوح على البادية وصولا إلى حدود العراق شرقا والحدود الأردنية جنوبا.
- يضاف إلى كل ما تقدم سيطرة المسلحين على معظم المناطق المحاذية لخط وقف إطلاق النار في الجولان وامتدادها شرقا بمحاذاة الحدود مع الأردن.
- كما يضاف إلى ذلك أيضا سيطرتها على جميع المنافذ الحدودية الخارجية باستثناء بعض المعابر مع لبنان.
لقد سادت في تلك الأثناء وأمام هذه التطورات الدموية فكرة أن سورية كدولة موحدة قد انتهت بكل ما يعنيه ذلك من تغيير جذري في معطيات الصراع العربي- الإسرائيلي:
- بعد ما لحق بالعراق من تدمير نتيجة الغزو الأمريكي وحل الجيش العراقي وتبديد ما كان يشكله من قوة عسكرية هامة، يأتي تفكيك الجيش السوري ليستكمل تبديد آخر قوة عسكرية نظامية يمكن أن يحسب لها حساب في احتمالات الحرب مع إسرائيل.
- إن تفكيك سورية بالشكل الذي بدا أنه بات ممكنا لن يقف عند حدود القضاء على الدولة السورية فقط بل سيعزل أيضا "حزب الله" في لبنان عن مصدر دعمه الإيراني ويقطع شريانه الحيوي الذي كان يمده بكل ما يحتاج إليه من دعم وإسناد. مما يتيح لإسرائيل أن تصفي حسابها معه وتتخلص من هذه القوة التي شكلت، منذ عام 2006 على الأقل، قوة ردع هامة على هذه الجبهة الحيوية جدا بالنسبة للكيان الإسرائيلي ومطامعه في الأرض والماء والطاقة (برا وبحرا) في المنطقة الشمالية.
- إن هذا التفكيك يعيد إيران التي باتت قوة فاعلة في خريطة المنطقة إلى خريطتها الحقيقية على مبعدة آلاف الكيلومترات من حدود فلسطين، ويعيد طرح مستقبل العراق بكامله كساحة للنفوذ الأمريكي والإسرائيلي والتركي (هذا إذا بقي هناك عراق موحد أصلا!).
على أنقاض هذا الحطام السوري العراقي بدا أن "دولة إسلامية" متطرفة قد نشأت بالفعل (مخترقة حدود سايكس-بيكو) وأعلنت "خلافتها" من الجامع العمري في الموصل بعد أن كانت قد أعلنت عاصمتها في مدينة الرقة السورية.
لقد وجدت موسكو نفسها، أمام هذه التطورات بالقرب من خاصرتها الجنوبية، في مواجهة أخطار مصيرية تهدد بأكثر من "شيشان" واحدة داخل أراضي الاتحاد الروسي وفي دول الجوار الإسلامية السوفيتية السابقة.
من هنا كان قرار الكرملين بإرسال قوات للتدخل في الثلاثين من أيلول \ سبتمبر 2015 خطوة استراتيجية بالغة الأهمية أدت إلى تغييرات حاسمة في هذا الصراع الخطير المتفاقم على أبواب الخاصرة الجنوبية للدولة الروسية. (خاصة وإن هذا التهديد كان يتوافق من حيث التوقيت مع خطوات تهديدية أخرى تشكلها التحركات المتتالية لحلف الأطلسي على مقربة من البوابتين الجنوبية والشرقية للاتحاد الروسي!).
نتيجة لهذا التدخل الحاسم من قبل الكرملين، وما ترافق معه من تعاون سوري- روسي- إيراني، أخذت الأوضاع تتغير بشكل صارخ على امتداد الخريطة السورية، وبدأ انقلاب موازين القوى يعيد إحياء الدولة السورية من جديد:
- استعادت الدولة السورية حضورها الآمن تكتيكيا واستراتيجيا.
- أعيد تنظيم الجيش السوري في أتون معمودية النار، مكتسبا خبرات قتالية جديدة وبالغة الأهمية على امتداد هذه السنوات السبع من المعارك (النظامية وغير النظامية) ومزودا بأنظمة تسلح متطورة، حتى ليمكن القول إن الجيش الجديد-وإن كان أقل عددا مما كان عليه قبل الأحداث- قد اختلف كثيرا عن الحالة التي كان فيها سابقا وكان يسيطر عليها مناخ من الترهل والتسيب والفساد وضمور الفاعلية القتالية إلى درجة شديدة الخطورة!
- انخرط "حزب الله" في أتون هذا القتال السوري انخراطا شاملا بكل ما يشكله ذلك من تجارب في مسارح عمليات حقيقية، ومن تداخل أعاد دمج الجبهتين السورية واللبنانية مع بعضهما البعض في مواجهة العدو الإسرائيلي، كما أسهم في زج قوات شعبية عراقية كبيرة في هذه المعارك، وأعاد بذلك فتح خط الإمداد الاستراتيجي من طهران إلى المتوسط.
- ترسخ الحضور الروسي (العسكري وغير العسكري) في سورية بشكل لم يسبق له مثيل، لا في الحقبة السوفييتية ولا حتى في الزمن القيصري!
الانقلاب الاستراتيجي:
وهكذا بدلا من أن تتحول منطقة بلاد الشام (ومن ورائها الوضع العربي كله) إلى مساحة مفتوحة أمام الأطماع الإسرائيلية والأمريكية، انقلب الأمر رأسا على عقب. ومتى؟
في الوقت الذي تضاعفت فيه أهمية المنطقة بشكل لا سابق له، مع الاكتشافات الغازية فائقة الأهمية في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ومع تضارب المصالح الدولية الكبرى بشأن حقوق استثمار هذا الغاز وتمديد خطوط نقله ونقل غيره (من المصادر الأخرى في المنطقة) إلى الجهات المستهلكة لاسيما الأوروبية في الوقت الذي يحتل فيه الغاز الأهمية القصوى كمصدر للطاقة في هذا القرن.
ما من شك في أن إسرائيل هي أول من شعر بخطورة هذا الانقلاب الاستراتيجي. وكان هذا الموضوع محور زيارات رئيس الوزراء نتنياهو المتكررة إلى العاصمتين (واشنطن وموسكو) بعد أن اتضح للقيادة الإسرائيلية أنه تغيير أكبر من قدرتها على التصرف تجاهه بمفردها.
وكان تقدير واشنطن أيضا أن التعامل مع هذا الوضع الجديد أكبر من قدرات الحليف الإسرائيلي. ولذلك كان القرار الأمريكي بالدخول المباشر في الأزمة السورية، وتم اختيار المدخلين العراقي والكردي المتاحين في شرق سورية وشمالها تحت ذريعة "محاربة الإرهاب" أو "محاربة داعش"!
فعلى صعيد العراق تم استغلال الحاجة للمساعدات العسكرية التدريبية والتسليحية في مواجهة "الدولة الإسلامية" من أجل العودة إلى تجديد الحضور العسكري الأمريكي في ذلك البلد الذي سبق أن كلف غزوه عشرات مليارات الدولارات وعدة آلاف من أرواح الجنود الأمريكيين. كما استخدم الدعم "الفني" والتسليحي للقوات الكردية السورية من أجل وضع اليد على منطقة شرق الفرات (الجزيرة السورية بكاملها تقريبا).
وهكذا عاد الحضور الأمريكي إلى تهديد خط التواصل الاستراتيجي ما بين سورية والعراق (من وادي الفرات شمالا ومنطقة التنف جنوبا)، كما بات يحاول أن يفرض حضورا أمريكيا فاعلا في المسألة السورية برمتها، سواء بتطوراتها العسكرية المحتملة في الشهور القادمة أو بالحلول السلمية التي يمكن أن يتجدد طرحها على موائد المفاوضات والمنصات الدولية!
ومن أجل تبرير استمرارية هذا الحضور العسكري عمدت واشنطن إلى اقتطاع منطقة من الجزيرة السورية (شمال مدينة البوكمال) تزيد مساحتها عن أربعة آلاف كيلومتر مربع طوقتها بحماية أمنية من جهاتها الثلاث الشمالية والغربية والجنوبية، فيما أبقت الجهة الشرقية مطلة على الحدود العراقية. وقد جعلت من هذه المحمية منطقة تجمع لقيادات وعناصر "داعش" الذين فروا من معارك الموصل والرقة ودير الزور والميادين وغيرها، لتقوم بتدوير الكثيرين منهم وإعادة تجنيدهم كمرتزقة في صفوف القوات التابعة لها في منطقة شرق الفرات.. في الوقت نفسه الذي تتخذ فيه من هذا الوجود المحمي أمريكيا ذريعة تهديد للعراق في حال إقدام حكومته على طلب خروج القوات الأمريكية من أراضيها.. بل أكثر من ذلك تحاول استخدام هذه القوات المرتزقة (من بقايا "داعش" وبعض المجندين من أبناء العشائر) لفرض سيطرة معينة على توجهات "قوات سورية الديمقراطية" وضمان التزامها بالقرار الأمريكي وقطع أي طريق على احتمال الحوار بين هذه القوات وبين الدولة السورية.
لقد أعاد هذا الحضور الأمريكي المباشر وضع مسألة تقسيم سورية مجددا على الطاولة. فأمام خطر الصدام العسكري بين الدولتين العظميين، أو مخاطر التصدي السوري العسكري للحضور الأمريكي بكل ما يمكن أن ينشأ عنه من اشتراكات ومخاطر، بات هذا الحضور رقما صعبا في المعادلة السورية. بل أكثر من ذلك أعادها إلى المربع الأول! بكل ما يتضمنه هذا الأمر من مخاطر دموية أعنف وأكثر خطورة ودموية من كل ما مر خلال السنوات السبع الماضية!!
مع ذلك يبقى ثمة احتمال بأن يفرض هذا الواقع نوعا جديدا من المفاوضات بين الدولتين العظميين، يربط بين حل الأزمة السورية وحل أزمة المنطقة!
أي بمعنى آخر أن تتفق موسكو وواشنطن على أن الصراع العربي - الإسرائيلي هو مصدر كل التوترات والنزاعات في المنطقة، وأن حلاً، لا يخضع المنطقة للمطامع الإسرائيلية (كما كانت توحي التطورات السابقة في الأزمة السورية)، ولا يعيد بالمقابل تشكيل خطر مصيري على الدولة العبرية بالشكل الذي أوحى به الانقلاب الاستراتيجي الذي طرأ على موازين القوى في تلك الأزمة بعد التدخل الروسي! (وفي الوقت الذي تتصاعد فيه المواجهة مع الشعب الفلسطيني نتيجة انهيار مساعي التسوية السلمية وتلاشي مشروع حل الدولتين).
فمثل هذا الحل الذي لا يمكن أن ينجم إلا عن توافق بين الدولتين العظميين هو وحده المخرج من هذا الاستعصاء الذي وضعهما، لأول مرة بعد أزمتي برلين والصواريخ الكوبية في الستينات، أمام خطر الصدام المسلح في هذه المنطقة الأشد خطورة في الوضع الدولي كله، وبكل ما يشكله ذلك من تهديد للأمن والسلام العالميين.
ولن يكون مثل هذا الحل ممكنا ولا قادرا على تحقيق الأهداف المتوخاة منه ما لم يكن شاملا لجميع الأطراف ذات العلاقة بما فيها إيران التي يمنحها انخراطها فيه مرورا سلميا آمنا إلى المتوسط وحضورا سياسيا واقتصاديا طبيعيا في معادلات جديدة مع الجوارين العربي والإسلامي.
وفي مناخ حل بهذه الشمولية يمكن أن يبنى توافق دولي واسع لتحويل الشرق الأوسط كله، بكل ما فيه من طاقات اقتصادية غير محدودة وما يحتاجه في الوقت نفسه من مشاريع واستثمارات هائلة، إلى ورشة إعمار وإنتاج وتطوير عالمية يمكن أن تكون، بدون مبالغة، ورشة القرن الواحد والعشرين.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

June 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
عدد الزيارات
3221926