الصفحة الرئيسية
n.png

محمد سعيد حمادة: بين بطّال آغا وسيبان حمو

قصفت أمس قوات الاحتلال التركيّ منزل بطّال آغا كنج في قرية جلمة التابعة لجنديرس وخرّبته. ليس لأنه موقع أثريّ عمره ما يقارب المئتي عام، فالهمجية العثمانية الجديدة انتقمت من آثار عين دارة وغيرها قبله، بل لأنه رمز للتمرّد على السلطنة العثمانية؛ إذ تحوّل بطّّال من والٍ على ولاية كلس إلى متمرّد على الدولة العثمانية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، فامتنع عن دفع الضرائب وحضّ الناس على التمرّد ونصب كمائن لبغال الخَراج والضرائب الذاهبة من الشام إلى إسطنبول، متحصّنًا بقلعة الباسوطة. وعندما ضيّقت عليه قوّات السلطنة وحاصرته هرب لاجئًا إلى العشائر العربية في ريف حلب الشرقيّ التي تهيّبت حمايته لأن السلطة العثمانية كانت تمتلك في ذلك الوقت المدافع "الكَُلّة والطوب".أ محمد سعيد حمادة
تقول الرواية الشعبية إن بطّال لجأ إلى شخص معروف حينها اسمه "فحل الخليل" الذي كان ينزل في نواحي شرقي حلب بين الخفسة ومسكنة في قرية يقال لها اليوم "غدّيني"، لكنّ "فحل" تهيّب قبول "الدخيل" خوفًا من القوّة العصملية الباطشة. ولمّا كانت زوجته من عشيرة غير عشيرته، إذ كانت من عشيرة "العفادلة" التي تنزل الرقّة ومحيطها، واسمها "بيضا"، على عادة العرب في تسمية النساء، بيضا وشقرة وسمرة إلخ، انتفضت "بيضا" على زوجها وخيّرته بين تطليقها وقبوله حماية بطّال. إذ تقول المرويّات المتداولة أنه بينما امتنع "فحل" عن قبول حماية "بطّال"، متذرّعًا بأن من سيعاديه يملك "الكَُلّة والطوب"، خرجت "بيضا" من خدرها لتواجهه ببيت عتابا تذكّره فيه بأنه فارس يستحقّها ويستحقّ فرسه البيضاء أيضًا. تقول العتابا:

"فحل عزّ الدخيل وعزّ بيضا
وعزّ الشامخة بالطول بيضا
فحل خاصم الوُزَر وأهل البويضا
وحمى بطّال من والي حلب"

فما كان من "فحل" إلا قبول حماية من احتمى به، وإلا ستذهب زوجته إلى أهلها محتجّة بجُبنه وسيكون سيرة في الانهزام والخنوع.
انتشر الخبر في البلاد، من أن "فحل" حمى "بطّال"، فاجتمعت العشائر العربية في أغلبها وعقدت تحالفًا وحلفت يمينًا على القتال حماية لـ"بطّال" ولشرفها في أن "بطّال" الكرديّ أكسبها شرف لجوئه عندها- هنا لا بدّ من الإشارة والتذكير لمن يحسبون الوجود الكرديّ في سوريا طارئاً وحديثاً.
قامت الحرب إثرها بين العشائر العربية والسلطنة، وامتدّت وصولاً إلى حلب التي كانت خيمة القيادة فيها في "ظهرة عوّاد" المعروفة اليوم، و"عوّاد" هو عبد من عبيد "فحل"، فحاصرت العشائر حلب واحتلّتها في موقعة شهيرة، أسرت فيها والي حلب. وقد قال يومها رجل من "الدمالخة" المعروفين بأنهم يقولون العتابا واسمه "مكحول"، من بين عشرات الأبيات المرويّة عن الحادثة، بيت العتابا الشهير:

"نزلنا على شهبا المدينة وبدينا
ولوينا شارب العايل بدينا
يا كم خصمٍ قتلنا ولا ادّينا
ولا نمنا فزيزين من الاجناب".

انتهت قصّة المعركة كما انتهت قصّة الثورة السورية ضدّ الاحتلال الفرنسي في عشرينيات القرن العشرين، وانتهت العشائر إلى حرب بينها أشعلها العصملّي، وقُتل بطأل وابنه بعد مصالحة وهمية من قبل العصملّيّ كما كانت عادته.

يوم أمس خرج القائد العام لـ"وحدات حماية الشعب" الكردية، سيبان حمو ليدعو الدولة السورية إلى التدخّل في عفرين، لأن عفرين أرض سورية، من دون أن يعطي أيّ إشارة حول السيادة السورية على أرضها. بمعنى أن عفرين أرض سورية وواجب على الدولة حمايتها، لكننا سنظلّ نرفع العلم الكرديّ على مبانيها التي استولينا عليها، ونظلّ على تنسيق مع عدوّ الدولة السورية- أميركا، ونستمرّ بمشروعنا الانفصاليّ محتمين بأميركا وإن تخلّت عنّا في عفرين، مناورين قدر ما نستطيع المناورة من أجل تحقيق حلمنا البعيد عن السوريين جميعًا الذين سنظلّ نحاول إحراجهم متى سنحت لنا الفرصة لذلك.
هذا هو جوهر تصريح حمو وكل التصريحات الكردية التي تصبّ في بركة الانتهازية المغفّلة لقيادات لم تتعلّم مبادئ التهجئة السياسية ولا تلتفت إلى الدروس الواقعية التي عايشتها ورأتها.

عفرين سورية، أجل. عفرين ومنبج والجزيرة سورية كانت وستبقى. لسنا عشائر ولا ملل، بل سوريون، نعرف ونثق أن قيادة استطاعت أن تخرج البلاد من كلّ المأزق المرسوم الذي حسبه البعض قدرًا، قادرة على أن تحرّر عفرين ومنبج والجزيرة وكل شبر من الأرض السورية التي لن يكون للأميركيّ وأعوانه شبر فيها. ومثلما كان حسّ النخوة الذي حمى "بطّال" قبل أكثر من قرنين، يتجلّى اليوم حسّ سوريّ واعٍ وأصيل، عند السوريّين المؤمنين بها، أن حماية أرضهم وأهلهم من العرب والكرد وغيرهم واجب مقدّس عليهم، لكنّهم يختارون الزمان المناسب والوقت الملائم للقيام بواجبهم، ولا يمليه عليهم عدوّ أو عميل أو مرتبط مشبوه بالدوائر العدوّة أو انتهازيّ يضع "رِجلاً في البور وأخرى في الفلاحة".

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4300436