الصفحة الرئيسية
n.png

حازم مبيضين يكتب لفينكس: الأردن وفقدان مقولة الأمن والأمان معانيها

الأردن- عمان

فقدت مقولة الأمن والأمان التي كانت أيقونة السلطات الأردنية معناها بعد تزايد حالات السطو على فروع البنوك والصيدليات وتحولها إلى ظاهرة "15 اعتداء خلال شهر"، فيما تتسارع متوالية ارتفاع الأسعار لتضرب عصب المواطن الذي لم يعد يعرف "يلاقيها منين ولاّ منين"، ولاتجد السلطات رداً على حراك شعبي بات يزداد عنفاً حيث يعتدي المواطنون الغاضبون على ممتلكات خدمية للدولة ويقومون بإحراقها تعبيراً عن رفضهم لكل المبررات التي تسوقها حكومة تتخبط بقراراتها، وبات واضحاً ارتفاع سقف النقد ليصل إلى مستويات لم يكن الشارع الأردني يتجرأ على المساس بها, واستغل بعض رموز الحراك الشعبي مسألة ارتفاع الأسعار باعتبارها لا تخص الجانب المحلي المعيشي والخدماتي، وربطوها سياسياً بتحولات سياسية إقليمية حازم مبيضينودولية مفادها إضعاف الأردنيين ودفعهم للقبول بتحولات سياسية تضر بهُويتهم ومصالحهم.

تؤكد التعبيرات الخشنة غير المألوفة التي ازداد انتشارها عمق أزمة الأسعار وتأثيرها في بنية المجتمع، لكن الحكومة التي يطالب كثيرون برحيلها تبدو مرتاحة لأن رد فعل الجمهور كان ضمن المقبول, وهو يتفهم مبررات الإصلاح الاقتصادي ولأن التعامل مع موجة ارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة عبر بالحد الأدنى من الاعتراض والاحتجاج في الشارع، غير أن بعض السياسيين يحذرون من تداعيات الاحتقان ومن أن النتائج المباشرة لارتفاع الأسعار على المواطنين لم تظهر ملامحها أو نتائجها بعد، وعلى أساس أن الكبت والاحتقان هما الأخطر من الصراخ وارتفاع الصوت في الشارع. ويتجاهل الطاقم الحكومي ما يراه البعض تحركاً إسرائيلياً تدعمه قوى غربية تتعاون معها لتركيع الأردنيين وإذلالهم والمس بكرامتهم، وليس بعيداً عن ذلك انقطاع الدعم العربي للأردن الذي يتحمل مسؤولية حماية حدود بعض الدول التي تسعى لإضعاف دوره وتهميشه في أي حلول لأزمات الإقليم.

لا يعتقد كثيرون أن إقالة حكومة الملقي ولا أن تشكيل حكومة جديدة هو الحل، ويرون ضرورة تشكيل خلية أزمة من خبراء تخوض تجربة إصلاح اقتصادي ومالي وسياسيي شامل تخرج البلاد من المأزق، فنحن أمام دولة تقف حائرة عند نقطة مفصلية وقد غابت عنها الإرادة السياسية وظلت أسيرة السياسات الأميركية يؤمن بعملية سلام تقوم على فرض الحلول. دولة ضُخمت مؤسساتها وتضخم عديد سكانها وأتخمت بالفساد بلا اقتصاد ولا مورد أساسي، فاتجهت للديون ثم لبيع مقدراتها الخدماتية والانتاجية التي تُدخل ريعاً. فباتت بحاجة لعملية إصلاح جذري وحقيقي تعالج الاختلالات على أنواعها وتعيد هيكلة مؤسساتها وتقلص بنود الموازنه حسب الأولويات الوطنية وتوقف هدر المال.

نحن اليوم بإزاء مشهد أردني سياسي بامتياز، هدفه التركيع تحت وطأة التهديد والإبتزاز. وهناك صعوبة وحيرة في فهم تجاوب قرارات وسياسات الدولة مع هذا المشهد، وفهم الأسباب التي تدفع صاحب القرار الوطني لقبول المغامرة أو التضحية بالدولة وأمنها ومستقبلها السياسي. فمآلات ونتائج ما نحن به سياسياً ليست في صالح القضية ولا الأردن ولا أحد، واقتصادياً ليست في صالح أية طبقة مهما اعتقدت أنها بمنأى، كما أنها ليست في صالح التنميه واستقرار الدولة.

هناك اليوم من يطالب بتجاهل الحكومة والبرلمان والتوجه إلى مركز القرار باعتباره المسؤول عن هؤلاء الذين يوصفون بالإمعات ولا ينبغي التحدث معهم, بل يتوجب اتهام بعضهم بخيانة عشائرهم وعائلاتهم وأهلهم مقابل مكتسبات وامتيازات ذاتية بائسة، وقد برز ذلك في شعارات بعض المحتجين الذين يرون أن الأزمة الأساسية تكمن في آلية اختيار رئيس الوزراء والحكومة وليس فقط في ارتفاع الأسعار، ويعني ذلك أن المجتمع الأردني انقسم إلى فريقين: الأول يناشد ويطالب بالتدخل الملكي ويتظلم ويسعى للإنصاف، والثاني يتجرأ على اقتراحات ومقاربات تتهم السلطة والدولة وتحاول توسيع نطاق استهدافات ملف الأسعار بعيدا عن سياقها المحلي فقط, بل في اتجاه سياق أعمق وأبعد سياسيا له علاقة بتركيع الأردنيين قصدا وبصورة منهجية.

يترافق ذلك كله مع ظهور نمط من التضليل في خطاب المسؤولين والوزراء عند التفاصيل بحيث ظهرت مؤشرات خلل وأخطاء وعثرات داخلية عند التطبيق، الأمر الذي يعزز الشعور السياسي العام بأن للمسألة أبعادا سياسية أعمق وأنها لا تتعلق فقط بالأرقام والحيثيات المالية ووضع الميزانية, مما سمح بالنتيجة لملف الأسعار بالمساهمة في ولادة رموز معارضة خشنة وغليظة في التعبير في الشارع، ولا يعرف أحد إلى أين يمكن أن تقود البلاد والعباد.

لمعالجة الحالة في الكرك التي اصطدم متظاهروها مع قوات الدرك وأُحرقت فيها المؤسستان التجاريتان العسكرية والمدنية, زارها قائد قوات الدرك ليجتمع مع شيوخ العشائر والوجهاء ليعود إلى العاصمة متهما مجهولين بتحريض الغوغاء على مهاجمة المؤسسات الحكومية, وفي ذلك محاولة للتعامي عن حقيقة ما يجري وتقزيم لمشاعر مواطنين يطحنهم الفقر بسبب سياسات خاطئة ارتكبت على أعلى المستويات ولا أحد يحاسب مرتكبيها.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

July 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
3463308