الصفحة الرئيسية

د. مضر بركات: هذا الـ "سفر-إدلب".. هل يحقق طموحات العثمانيين الجدد.. أم يطيح برأس تركيا..!

بينما يرى البعض أن دخول إردوغان بقواته إلى إدلب يهدف إلى قطع الطريق على المخطط الأمريكي الرامي لإنشاء دولة كردية تمتد من أربيل إلى اللاذقية على البحر المتوسط، وهو ما تؤكده معلومات استخبارية قدمها الروس إلى إردوغان بالتزامن مع محاولة الانقلاب عليه في 15 تموز 2016، الأمر الذي يفسر تأييده لتجميع الإرهابيين في إدلب حيث يتوقع أن يتسنى له استثمارهم في حربه ضد الأكراد السوريين.، فإنّ نظرةً أعمق تؤكد أن لإردوغان مآرب أبعد من ذلك إذ ما تمكن، عبر زج هذه القوات في إدلب، من تهيئة بيئة جيو-سياسية تتيح له أن يكون الراعي الأول وصاحب السلطة على مشروع الكيان الكردي-البارزاني أو الدولة البارزانية المزمعة في العراق..، فكيف سيفعل ذلك..!أ مضر بركات

تشير الدلائل إلى أن تركيا هي العراب الحقيقي للمشروع الذي يقوده البارزاني بدعمٍ صهيو-أمريكي، حيث يبدو رهان إردوغان قائماً على عدة مرتكزات، أهمها القيام سراً بدفع وتشجيع البارزاني لإعلان استقلال كيان كردي في العراق، وتشجيع ربط هذا الكيان مع الانفصاليين المدعومين أمريكياً في الجزيرة السورية..، ثم القيام علناً بالتعاون مع روسيا وحلفائها على قطع الطريق بين هذا الكيان الكردي والمعبر المفترض عبر الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا إلى البحر المتوسط من خلال الزج بالجيش التركي في مسرحية محاربة تنظيم جبهة النصرة الذي لم يكن يوماً سوى مجموعة من عملاء وإرهابيي المخابرات التركية وغيرها..، مراهناً بالطبع على حتمية قيام إيران والعراق وسوريا بإغلاق كافة منافذهما الحدودية في وجه هذا الكيان الكردي-البارزاني، الأمر الذي أُعلنته الخارجية العراقية يوم الجمعة الماضي بالفعل حيث قدمت مذكرة رسمية إلى سفارتي كل من تركيا وإيران لديها، تطلب فيها إعلاق المنافذ الحدودية مع الإقليم ووقف كافة التعاملات التجارية معه..، وقد بدأت أمس مفاعيل ذلك تتبلور عبر إعلان إردوغان أن "تركيا سوف تغلق بشكل (تدريجي) حدودها مع إقليم كردستان" مما يعزز التكهنات حول العلاقات السرية التي تربط إردوغان بالبارزاني..، كما أعلن إردوغان إرسال حشود من قواته نحو الحدود مع العراق لتعزيز تواجده العسكري هناك بذريعة التصدي لمشروع الدولة الكردية-البارزانية المزمعة، معلناً في الوقت ذاته عن مناورات مشتركة مع قوات عراقية قرب معبر خابور الحدودي..، وكذلك مستفيداً من محدودية خيارات الحكومة المركزية العراقية في المناورة غير السياسية، حيث أن خيار إعلانها حرباً على البارزاني وتياره سيؤدي حتماً إلى وضع الكيان الكردي بشكل مباشر تحت رعاية دولية بحجة حماية المدنيين، الأمر الذي سينتهي إلى تشريع إعلان الإقليم دولة مستقلة كما جرى من أمر جنوب السودان، ومن الواضح أن بغداد تدرك أهمية تجنب هكذا خيار، بدليل تصريح حيدر العبادي أن الجيش العراقي لن يخوض حرباً ضد المواطنين الأكراد..

فيما بعد، وبالنظر إلى الطريقة التي استثمر فيها إردوغان موضوع اللاجئين السوريين لابتزاز المجتمع الدولي وأوروبا على وجه الخصوص، من المتوقع ألا يتوانى إردوغان عن تحيّن الفرصة للمجاهرة بوصايةٍ تركية على كيان البارزاني معلناً إنشاء (ممر إنساني عبر تركيا) ليكون فعلياً الممر الوحيد الممكن لتواصل هذا الكيان الكردي مع العالم الخارجي، والذي سيكون شريان الحياة الذي يتحكم إردوغان من خلاله بسياسة البارزاني لابتزاز الجيران الإقليميين، واستثماره وتوظيفه في إضعاف أكراد تركيا سياسياً، واستثمار التناقضات وخلافات تيار البارزاني مع التيارات المناوئة له في الأوساط الكردية كما هو الحال مع (بافل الطالباني) نجل الرئيس الراحل جلال الطالباني الذي بادر أمس إلى إطلاق دعوة للتفاوض مع بغداد في إطار الدستور الاتحادي..، بالإضافة إلى ما سوف بجنيه إردوغان اقتصادياً من احتكار النشاطات التجارية الخارجية لهذا الكيان، واحتكاره لنفط الإقليم كما فعل بنفط سوريا بالاتفاق مع إرهابيي داعش، ناهيك عن طموحه للتمدد داخل العراق إلى ما بعد كركوك والموصل، والعمل على ذلك بشتى الذرائع..

بنظرة موضوعية..، من المتوقع أن يحصل كل هذا في الإطار الزمني المفترض بين دخول القوات التركية في إدلب وانتهاء مبررات تواجدها بعد تفعيل حل سياسي متوقع قريباً في سوريا..، ما من شك أن تركيا سوف تعمل حينها على خلق أعذار جديدة للتمديد في إدلب التي من الواضح أنها قد باتت منذ الآن جبهة سياسية تركية متقدمة تهدف للحؤول دون أي نقاش بشأن لواء اسكندرون حسب اعتقاد إردوغان الذي يطمح في الوقت ذاته إلى استثمار وجوده العسكري فيها لابتزاز روسيا ومحاولة دفعها للضغط على أكراد تركيا بغية كبح جماح حزب العمال الذي ما يزال حتى الآن يلتزم نوعاً من الهدوء الذي لن يطول ويبدو أنه هدوء ما قبل انطلاق شرارة الصدام في الداخل التركي حيث ستنهار أحلام إردوغان ورهاناته فيما يكون الوضع قد تأهل والوقت قد أزف لتنفيذ مرحلة جديدة من سيناريو مخطط القوى الدولية الرامي لإشعال مزيد من الحروب على تخوم روسيا..، وفي هذا الإطار غالباً ستجري مقتلة الدولة التركية لحساب التركيبة الإقليمية الجديدة التي تسعى إليها أمريكا وحلفاؤها بهدف تعزيز تواجدهم في المنطقة، تعويضاً لفشلهم في سوريا، على أمل خلق ظروف مستقبلية تتيح لهم فرصة جديدة لوضع اليد على سوريا..

بنظرة عامة..، يقيني واعتقادي أن لدى سوريا وروسيا وإيران الاستعدادات الملائمة لمواجهة هذا السيناريو معتمدين على خبرتهم الأوسع في المناورة والتحكم بالجدول الزمني لهذا السيناريو لدفع إردوغان لحفر قبره بيديه، ثم توسيع وتعميق الحفرة حوله..، فيما تشير إليه القراءآت الاستراتيجية أن روسيا تسعى بحزم للتحكم بالزاوية الغربية-الشمالية للبحر الابيض المتوسط والممتدة في نطاق استراتيجي بين طرطوس في الجنوب عبر لواء اسكندرون وكيليكيا وصولاً إلى مرسين على الشاطيء الشمالي الغربي، مستفيدة من إمكانية تفعيل قرارت الأمم المتحدة وعدم اعترافها بالاتفاقات الفرنسية-التركية التي بموجبها ما تزال تركيا تضع يدها على لواء اسكندرون..، وهذا المسعى الروسي بالتأكيد لا يتعارض مع الطموح السوري حتى وإن كان الحل (من حيث المبدأ) يتمثل في طرح تركيبة فيدرالية ألمح إليها الروس منذ عامين في غمرة النقاش الدولي بشأن دولة كردية محتملة، وتركوا اللغز دون إفصاح، حيث من الممكن أن تؤسس تركيبة كهذه لظروف ومعطيات يمكن للروس والسوريين والحلفاء إدارتها وتوظيفها في مرحلة لاحقة للوصول إلى سقف يتوافق مع الحد الأدنى للطموحات السورية-الروسية..

فتوى هذه التصور تستند أولاً على ثقتنا بقيادة سوريا وحلفائها، وثانياً على فهم التكتيك والطبع الغريزي لإردوغان المتذاكي وسياسته الخبيثة الحمقاء، من حيث محاولته اللعب على كل الحبال في آن، مع كونه رهينة غروره وجشعه وعجزه عن مقاومة طُعمٍ في مصيدة..، كما لا يخفى طموحه لاستخدام الكيان الكردي-البارزاني لابتزاز روسيا وحلفائها حين يحين أوان فتح تلك الملفات الإقليمية الحاسمة كمصير لواء اسكندرون.. وإلى ذلك الحين، وبينما تستمر التكهنات حول ما سيجنيه إردوغان على نفسه وعلى تركيا عبر حشد جيشه وإرهابييه في "سفر-إدلب" على غرار ما قام به أسلافه البائدون في "سفر-برلك"، سوف يستمر جيشنا السوري المقدس ومحور المقاومة في كتابة التاريخ على مساحة الوطن رغم أنف امريكا ومن لف لفها، ليس بوسع العالم سوى انتظار انتهاء الدور مع عبارة "Мат" بالروسي، التي تعني "كش ملك" كما تعني بالعربية تماماً ما يشير إليه لفظها الصوتي (مات)..، وحينها سنرى الأذناب والأدوات يجترّون خيباتهم ويمضغونها مع الأوهام في حلوقهم التي أصابها جفاف الفشل الذي أنهى أدوارهم، والخوف الذي قطّع أجوافهم من رهبة المصير الأسود الذي يتربصهم في منعطفات الطريق التي صنعها السوريون وحلفاؤهم بتضحياتهم وصمودهم وإصرارهم على الانتصار...

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
1765722