بقلم: الشيخ شادي عبده مرعيأ شادي مرعي

ما الذي جعل المتنبي يعشق ​طرابلس​؟ مَنْ مِنّا لا يعرف مالئ الدنيا وشاغل الناس؟ ومَنْ مِنّا لا يحفظ له أبياتاً؟

استوقفتني هذه الأفكار صباحاً... وتمنيت لو تكون لدينا جميعا في طرابلس بمختلف فئاتنا تلك العين التي نظر بها المتنبي إلى مدينتنا الحبيبة وإلى شعبها الطيب: أَكارِمٌ حَسَدَ الأَرضَ السَماءُ بِهِم وَقَصَّرَت كُلُّ مِصرٍ عَن طَرابُلسِ.

فماذا حل بنا نحن الطرابلسيين؟ لمرةٍ واحدةٍ فقط ، لو يتغلَّب العقل والمنطق على ​العصبية​ المقيتة. ولمرةٍ واحدةٍ فقط أيضاً، لو تنتصرُ المصلحة العامة على الولاءاتِ الضيقةِ. لو تتفق هاتان المنطقتان العزيزتان (وجيرانهما) على إنهاء معاناتهما المستدامةِ بلحظة وعيٍّ سياسي لمصالحهما المشتركة...

يُقالُ: مَنْ جَرَّب المُجرَّب... وللأسف لم نتعلم بعدُ من كل تلك التجارب التاريخية الطويلة والأحداث المعاصرة والتي خذلنا فيها السياسيون وباعونا في سوق صراعاتهم الكاذبة، وذبحونا على مفرق مصالحهم الآنية المُتضاربة، واشتروا بأحلام أطفالنا مستقبلاً يورِّثونه لأبنائهم لا يعرفُ مبتدأه ولا منتهاه...

حاصرونا بخلافاتنا ونزاعاتنا، وأرخصوا دماءنا، وأنهوا عند الكثيرين منا أملهم في حياةٍ شريفةٍ... وما زلنا نتّبعهم ونقف على عتباتهم... وللأسف صاغرين في كثير من الأحيان.

وجاءتنا الفرصة تلو الفرصة، وأضعناها جميعاً، بل وضحَّينا بها كلَّها إمَّا بثمن بخسٍ، أو في سبيل صورة مع زعيم ما قامت كل زعامته بعبقريته الفذة، ولا بمشاريعه العظيمة، وإنَّما على أنقاضِ رهاناتنا الخاسرة عليه وعلى أمثاله.

فإلى متى سنبقى هكذا أسرى فشلنا المستمر؟ وإلى متى سنظل رهينة الإيمانِ بهذا الزعيم أو ذاك؟

فهلَّا انتفضنا لمظلوميتنا ضد ظالمينا يوماً ما؟ أم أنَّنا سنثبت للتاريخ كل التاريخ أنَّه كما تكونوا يُولَّى عليكم. ناسفين مستقبل أولادنا بمئة دولارٍ مفخخةٍ بِذلِّ الكرامة وهوان المعيشة.

وهلاَّ استفقنا من سكرتنا المميتة بكأس العلقم الذي شربناه من يد ظُلَّامِنا؟

ولا أعرفُ ـقسماً باللهـ سبباً لكل هذا الإصرار والتمادي على مبايعة هؤلاء ال​زعماء​ بالدمِ حيناً، وبالأرواح أحياناً؟ وما هَمّهم هُمْ؟ إن كان لا حسيب ولا رقيب عليهم. نحن من دفعنا وسندفع غالياً إذا لم نصحُ من سباتنا العميق. ضريبة التجديد لهم دوماً بعهدٍ وثيق. وقد وصلنا إلى مرحلة فاصلة أمام إجراء انتخاباتٍ جديدةٍ قد تعيد لنا شيئاً من كرامةٍ فقدناها طويلاً، أو تسترجع أملاً بحياةٍ لأولادنا تفتحُ أمامهم أبواب السعادةِ والنجاحِ. فهل سنعيد تجديد البيعة لهم بمئة دولارٍ؟ وهل فعلاً وصلنا إلى مرحلة لا نثور فيها لكرامتنا؟ هل وصلنا إلى هذا السعر الرخيص لأصواتنا؟

الاستمرار بهذا التفصيل يزيد في ترخيصنا مهزلة، فلذا نقف هنا حفظاً لنا. فالكل يعرف هذا الجرح الدامي، والكل يعرف علاجه والتئامه.

للإنتقال بطرابلس إلى مرحلة جديدة: قانون عفوٍ عام

وبعد كل تلك الحروب العبثية وجولات الإقتتال الطويلة، وبعدما أنهتِ الدولة بسويعاتٍ قليلةٍ كل تلك المعارك بعصىً سحرية...

ولو وقفنا أمام هذه اللحظة المفصلية بتأمل بسيط: كيف استطاعت هذه الدولة إنهاء تلك الظاهرة العنفية التي أوهمتنا الحكومة لسنوات عديدة أنها تعجز عن إنهائها؟

لو تأملنا فقط قوة الدولة في هذه اللحظة في بسط سلطتها ساعة تشاء، لوصلنا إلى نتيجة واضحةٍ وضوح الشمس: نحن دُمىً بأيدي السياسيين يحركونها ساعة تشاء، إما اقتتالاً، أو تلاقياً.

حسب أهواءهم ومصالحهم يتلاعبون بنا بخلافاتهم وتحالفاتهم.

هذه الحقيقة من ينكرها فإنما يضحك على نفسه.

واليوم، وبعد كل ما تقدَّم، وبعد كل تلك الأثمان الباهظة التي دفعتها طرابلس المظلومة دوماً: ألا يستحق أهلها سلاماً وأماناً؟. ألا يستحقُ أهلها الفقراء عفواً عامَّا لأولادهم الذين غُرِّر بهم بمزايداتٍ طائفية وسياسية: داخلية وإقليمية؟ وإلى متى هذه المماطلة والتسويف بإنجاز هذا العفو العامِ؟. أغلبُ الظن أنه لن يقرَّ إلاَّ قبل ​الانتخابات​ بأسابيع كي يستثمروه في ابتزاز أصواتِ الأهالي في صندوقِ الإقتراع لهم المشؤوم. هذه القضية الأساس التي يعلقها السياسيون توقيتا لمصالحهم كافية لوحدها أن نرفضهم جميعا. فلنفكر قليلاً: من استطاع انهاء جولات الاقتتال بسويعاتٍ، أهون الهين عليه إقرار عفو عام.

ثمَّ، ومتى تنتهي هذه الأزمة الطرابلسية إذا كان الكل يشتكي من الكل؟

الحل ، برأيي المتواضع، عندنا نحن الطرابلسيون أنفسنا فقط: مثقفون ومهنيون وفقراء. لو تتشابك أيادينا بقوةٍ لمرة واحدةٍ بعيدا عن هؤلاء السياسيين. ولو جلسنا صادقين مع بعضنا لمرة واحدة وتدارسنا مصالحنا بصراحة وجدية. لو احترمنا حريات بعضنا بالاعتقاد والانتماء والولاء لمرة واحدة. سنقلب الطاولة حكماً على كل السياسيين، وسننتقل بطرابلس إلى مرحلة متقدمة. وكلنا يشاهد حالياً تحالفات الأضداد وخلافات الأصدقاء، اشغالاً لنا عن مصلحتنا المشتركة.

وفي النهاية، كلما نادينا ب​العيش المشترك​ والسلام قام أحد الزعامات الطرابلسيّة بما يستفز كل هدوء لديك. لكننا سنظل نحارب من أجل الحياة بسلام، وسنظل نؤمن بالعيش المشترك بعيدا عنكم يا زعماء. ارحلوا عنا. اتركونا بسلام. لا تحولوا قلوب طيبة إلى متوحشة. ولا نفوس مؤمنة إلى متطرفة. كفانا بكم عنفاً ومنكم استبداداً.