الصفحة الرئيسية
tot1.jpg

عدنان بدر حلو: الأكراد ضحايا الجغرافيا والاستبداد.. مسعود البرزاني ينتصر على الكرد! وأمريكا تقطف ثمار الأزمة

بعد حصول الاستفتاء في كردستان العراق، والتصويت بغالبية ساحقة لصالح الاستقلال، هل ستتمكن حكومة الإقليم من إنجاز قرار الانفصال عن العراق في مواجهة غضب بغداد ومعارضتها ولجوئها لاستخدام ما بين أيديها من أوراق قوة وضغط تكاد تكون حاسمة في هذا الأمر؟ ومواجهة غضب تركي يهدد بحصار بري وجوي ونفطي واقتصادي خانق يضاف إليه غضب إيراني مشابه؟ وكذلك في مواجهة معارضة دولية شاملة (لا يستثنى منها غير التأييد الإسرائيلي المعلن)؟أ عدنان بدر حلو
على ضوء الجواب السلبي الذي يكاد يكون مؤكدا، يطالعنا سؤال آخر لا يقل مصيرية عن السؤال الأول، وهو: ألم يكن السيد مسعود البرزاني يدرك مسبقا أن مضيه بالاستفتاء إلى النهاية سيضعه وجها لوجه أمام الحقائق الجغرافية – السياسية الصارمة المشار إليها أعلاه؟ (بما في ذلك المعارضة الأمريكية المعلنة التي يتوازى معها في السياق نفسه قرار مجلس الأمن الرافض للخطوة الكردية!).
حسابات مسعود:
السيد البرزاني ليس طارئا على الحياة السياسية، فهو قائد مخضرم للحركة القومية الكردية الأبرز منذ عشرات السنين، بكل ما مرت به هذه الحركة من تجارب معقدة ومريرة سواء على الصعيد العراقي الداخلي أو الصعيدين الإقليمي والدولي. ومن المستحيل أن تكون معطيات جلية بهذا المقدار غائبة عنه عندما أعلن مطلع عام 2016 عن قراره بالعزم على إجراء الاستفتاء في الخامس والعشرين من أيلول الماضي!
هذا ما يجعلنا نرجح أنه لم يكن مقتنعا في تلك اللحظة بأن الأمور ستصل فعلا إلى إجراء الاستفتاء. بل كان يراهن على أن الدعوة له بحد ذاتها ستقود الأطراف العراقية والإقليمية والدولية المعنية إلى التدخل لحل الأزمة قبل الوصول إلى موعد الاستحقاق، فيحقق مجموعة أغراض هامة جدا – بل مصيرية بالنسبة له- في الوقت الذي يحصل فيه الكرد عامة على ورقة مساومة هامة في مسار نضالهم التاريخي من أجل الاستقلال.
أولا: لقد كان الرئيس مسعود يعاني من أزمة حكم حادة، فهو ما يزال يحتفظ بكرسي رئاسة الإقليم بالقوة بعد مرور سنتين على نهاية ولايته الأخيرة التي لا يتيح له الدستور تجديدها مرة أخرى. ويواجه معارضة برلمانية واسعة، ما دفعه إلى تجميد عمل البرلمان ومنع عدد كبير من نوابه من دخول العاصمة أربيل!
ثانيا: كان يجد نفسه، وهو يسعى لتوريث ابنه مسرور خليفة له على رأس حزبه "الديمقراطي الكردستاني" وعلى رأس دولة الإقليم، في مواجهة مع الأحزاب الكردية الأخرى ("الاتحاد الوطني" و"حركة التغيير-غوران" و"الجماعة الإسلامية") الأمر الذي يهدد سلطته وسلطة حزبه في أية انتخابات برلمانية قادمة. ويزيد من خطورة هذه المواجهة الداخلية أن الإقليم كله كان يعيش في ظل أزمة اقتصادية لا يخفى أن فساد إدارته يشكل سببا أساسا من أسبابها! تماما كما هي الأزمة العامة في العراق كله.. فليس خافيا على أحد أن نظام المحاصصة الذي رعى الأمريكيون إقامته بعد الاحتلال بالتعاون مع القوى السياسية الحاكمة حاليا سواء في بغداد أو أربيل، إنما هو نظام قائم أصلا على الاستبداد والفساد والتنازع الطائفي والمذهبي والعرقي!
ثالثا: لقد كانت علاقات الإقليم مع بغداد متدهورة إلى أدنى الدرجات، ولم يتمكن السيد مسعود من الحصول على التنازلات التي كان يطالب بها في فترة ضعف العاصمة أمام اجتياح "داعش" لمعظم الأراضي العراقية، ما يشعره بأن آماله بالحصول عليها قد تبخرت كليا مع تحرير الموصل وإلحاق هزيمة شبه نهائية بالتنظيم الإرهابي واستعادة الدولة العراقية حجما لا بأس به من هيبتها وقوتها!... وحتى استيلاء قوات "البيشمركة" على بعض الأراضي التي كانت في حوزة "داعش" والإعلان عن ضمها لجغرافية الإقليم بات قضية خلافية جديدة تهدد بتفجير نزاع مسلح مع القوات العراقية التابعة للمركز.
رابعا: لقد فتحت التطورات العراقية والإقليمية والدولية التي انجلت مؤخرا عن نوع من التسليم بوجود "كوريدور" بري يصل إيران بالبحر المتوسط، الأفق أمام تعزيز مكانة محور طهران- بغداد – دمشق على كل الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية، مما يضعف مكانة الإقليم في معادلات المنطقة ويضعف آمال قيادته بدور إقليمي مميز في سياق محور إسرائيلي- أمريكي -تركي (كان يبدو مظفرا عندما كان الخطر محدقا بالدولتين والكيانين السوري والعراقي).
على ضوء كل ما تقدم راهن السيد مسعود البرزاني على أن الدعوة للاستفتاء بحد ذاتها ستطلق عاصفة قومية كردية تجدد زعامته وتلف من حوله جميع الأحزاب والفصائل الكردية (داخل الإقليم وخارجه)الأمر الذي يضمن ما يلي:
1- تجاوز مشاكله الداخلية بخلق إجماع جديد على زعامته المطلقة، ما يتيح له تعديل الدستور وتجديد رئاسته، وحتى ضمان الوراثة لنجله مسرور من بعده.
2- موقع قوة في مسار التفاوض مع بغداد حول الحصص المالية في الموازنة الوطنية والحصص النفطية الجاري تصديرها مباشرة عبر تركيا، وكذلك حول المناطق الجغرافية التي يطلق عليها وصف "المتنازع عليها".
3- تعزيز الحصة الكردية في حكم بغداد، الأمر الذي يعتبر ضمانا لقوة الإقليم في المعادلة الوطنية عامة وفي الاستقلال الذاتي بشكل خاص. فمن المؤكد بأن قوة الاستقلال في أربيل تتناسب طردا مع قوة الدور الكردي في بغداد وليس العكس.
4- أن الفترة الفاصلة ما بين الإعلان عن قرار الاستفتاء وبين التاريخ المقرر له، (وهي فترة انهماك الدولة العراقية في الحرب على "داعش"، وحاجتها الماسة للدعم السياسي والعسكري الأمريكي) ستمنح الزعيم الكردي فرصة الاستفادة القصوى من الدعم الأمريكي له في التفاوض مع بغداد.
غير أن الأمر الذي غاب عن حسابات مسعود هو أن تنقضي هذه الفترة ويصل إلى استحقاق الاستفتاء دون أن تتحقق رغباته المذكورة أعلاه، فيصبح عاجزا عن التراجع ما يجبره على إجراء الاستفتاء والسير في طريق الانفصال مهما كانت المحاذير، ما يغير المعطيات برمتها في غير الاتجاه الذي كان يحلم به.
وهذا ما حدث بالفعل.
فبإجراء الاستفتاء أطلق السيد البرزاني آخر رصاصة في مسدسه، وبات رهينة النوايا الحسنة لخصومه قبل أصدقائه! فقد انزلقت أوراق القوة من بين يديه لتستقر بين يدي "خصمه" رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي. الذي وجد نفسه محاطا بدعم لا سابق له من الجارين اللدودين تركيا وإيران وتأييد خارجي وداخلي في مواجهة خطر التقسيم الذي هدد وحدة البلاد وخطر العدو الصهيوني الذي لم يخف حضوره الفظ في هذه العملية.
لقد وجد الإقليم الكردي العراقي نفسه بين ليلة وضحاها في خضم حصار داخلي وإقليمي ودولي ليس له في مواجهته أي معين غير خصمه العبادي نفسه وحسن نية الولايات المتحدة التي وفرت لها هذه المعمعة فرصة استثنائية لتلعب دور الوسيط بين أربيل وبغداد وبالتالي لتعزيز حضورها السياسي والعسكري في العاصمتين من خلال هذه الوساطة!
ولم توفر واشنطن أي وقت في مسارعتها لاغتنام الفرصة وعرض "مساعيها الحميدة" على الطرفين.. على أن تتضمن مبادرتها ما يلي:
1- يستتب الأمر الكردي الداخلي في الإقليم لزعامة مسعود.
2- يجري تأجيل ترجمة نتائج الاستفتاء إلى فترة سنوات (وربما إلى أجل غير مسمى)، مع بقاء التلويح بها ورقة بين يدي أربيل في مواجهة بغداد.
3- يتم التوصل مقابل ذلك لتوافقات إدارية ومالية معينة بين الطرفين (تضمن لكل منهما حجما معينا من "الانتصار".. ففي أربيل يجري الاحتفال بتحقيق المطالب! وفي بغداد يجري الاحتفال بإحباط مخطط التقسيم!).
4- على هامش هذا وذاك تفرض واشنطن حضورها السياسي والعسكري الدائم في الجانبين! وهو الأمر الذي كانت تطالب به طوال فترة دعمها المحدود لبغداد في مواجهة "داعش".
5- زرع بؤرة نزاع وتوتر جديدة في المنطقة تهدد دولها وكياناتها الوطنية وتفسح في المجال واسعا للتدخلات الدولية في شؤونها وتقرير مصائرها!
6- يتم هذا "الحل" وما يتضمنه من حضور أمريكي (سياسي وعسكري) دائم لدى الجانبين، على حساب الموقفين الإيراني والتركي في العراق... وما يشكله ذلك من ترسيم جديد للخريطة الجغرافية - السياسية في المنطقة كلها. وهو أمر في غاية الأهمية بالنسبة لواشنطن التي لا يستبعد أنها كانت المدبر الحقيقي لكل هذه "المعمعة" من أولها إلى آخرها!
خلاصة ضرورية
إن كل ما تقدم يؤكد أن الشعب الكردي الممزق بين عدة بلدان في المنطقة، هو ضحية الجغرافيا من جهة والاستبداد والفساد من جهة أخرى.. ففي ظل الوقائع السياسية الراهنة ستظل محاولاته (برغم كل تضحياته) من أجل تحقيق حلمه التاريخي بالوحدة والاستقلال تبوء بالفشل ما لم تتغير أوضاع المنطقة جذريا وتنشأ فيها أنظمة ديمقراطية متقدمة على غرار ما هو قائم في أوروبا!.. فعندها, وعندها فقط, يتحرر الشعب الكردي من الإسار المزدوج إسار الاستبداد والفساد الذي يكبله ويكبل شعوب المنطقة ويفرض عليه وعليها قوالب قد يكون من المستحيل الفكاك من سيطرتها في المدى المنظور!

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2070436