الصفحة الرئيسية
tot1.jpg

بولس سركو: الوعي الطبقي بين المسار التاريخي ومتاهة سلامة كيلة

انتهى النقاش مع شاب يساري معارض في بداية تظاهرات اللاذقية 2011 بصدمته من سؤالي عن أمكانيات قيام ثورة ومصيرها بدون الوعي الطبقي للجماهير؟ مما اضطره لمراجعة أحد قياديي التنسيقيات ليعود بعد أيام مسلحا بالجواب بأن مفهوم الثورة تغير كثيرا عن أيام ماركس ولينين وأن التطور يقتضي استيعاب هذا التغيير وعدم التوقف عند مفاهيم ماضوية.

لم يكن ذلك جوابا عن الجدلية بين الوعي الطبقي والتغييرالثوري انما تحايل على شكل جرعة منشطة لحماسة الشاب وانفعالاته، كنت قد سمعت نسخ منها دون ايضاح تفاصيل ماهية التغيير المفاهيمي المقصود، لكنني تبينته من خلال تعريف مبسط الى حد السذاجة للثورة تضمنه بيان حزب كردي معارض في اللاذقية اعتبر الثورة "نزول الجماهير الى الشارع للتعبير عن غضبها ورفضها للنظام الذي يحكمها" وهو تعريف يبرر الغضب اللاواعي للانفجار الجماهيري، يخلو من تحديد ضرورة الوعي الطبقي للثورة، مفتوح على كل الاحتمالات بما فيها لغة التلاعب.

خطورة هكذا تغيير، أن مهندسه هو الأمريكي الصهيوني (جين شارب) الأب الروحي للثورات المخملية، و أكمل عمله صمويل هانتنغتون بأطروحة صدام الحضارات التي كان هدفها الأساسي ازالة مفهوم الصراع الطبقي من وعي الطبقات المضطهدة وتغيير وجهة انفعال الأجيال الشابة لتفريغ احتقاناتها في المجرى الرجعي الذي يصب في مصلحة قراصنة رأس المال العالمي ويبعد عنهم الى أجل غير محدد شبح الثورة الاشتراكية في مركز الحضارة أما الأطراف المبتلية بداء التخلف المزمن والتلقين والقمع فمن السهولة بمكان ادارة أجيالها الشابة وتجنيدها في تنفيذ المشاريع المخططة لبلدانها بمقدمة يسجلها محترفون محليون في الفكر لنفي حقيقة المؤامرة من ذهنية هذه الاجيال والسخرية من (خشبية) حواملها.

ضمن هذه الوضعية قامت احتجاجات 2011 التي لا شك بمحتواها الطبقي بالتحليل المادي الجدلي والتاريخي لعاملها الداخلي، كنتيجة موضوعية لغياب الدور الرعائي للدولة وانفصال مصالحها عن مصالح الشعب وتمركز الثروة بأيدي قليلة مقابل افقار الغالبية من ابناء المجتمع السوري، وهي العوامل التي سهلت الخرق الخارجي للبنية الاجتماعية الداخلية بعد حقن وعي الجماهير بفيض من التحريض المكرس لصراع الحضارات بشقه السني الشيعي عبر وسائل الاتصال ليسخر المحتوى الطبقي ذاته في بلورة هذا الصراع الجديد المفتعل الذي لم يكن ليحدث لولا اعطاب الدولة دور الأحزاب الممثلة الأيديولوجية للطبقة الفقيرة واقصائها عن محيطها الحيوي الذي هو اقصاء لدورها في زرع الوعي الطبقي في الرغبة غير الواعية لتلك الطبقة.

هذه الحقيقة أيضا حاولت بعض النخب المثقفة المحلية التلاعب بها في اطار تغطيتها للتبدل الفكري الرجعي في الوعي بدوافعها المتنوعه الممتدة من الرشوة المالية الخليجية الى ردود الأفعال الثأرية الى الطبيعة الانهزامية أمام ثقافة القوة الى الانتهازية ومسايرة الموضة ...الخ .

المفكر الفلسطيني (سلامة كيلة) كمثال ومن البرج الاعلامي للعميل (عزمي بشارة) هاجم الفصائل الشيوعية السورية التي لم تتعولم أمريكيا، لم تتلقن تعليمات (جين شارب) ولم تنجر وراء مغامرة 2011 الدموية المحكومة بالفشل، ولم تضح بالوطن ولم تغامر بالشعب السوري، ولم تنخرط في تضليله وازكاء نار انفعالاته، بنسبه غياب الوعي الطبقي للجماهير الى عجز هذه الفصائل، في كيدية صبيانية و تجاهل متعمد للعامل الموضوعي وتمجيد مصطنع لعفوية الجماهير حاول بنائه على مقالي ماركس الشهيرين (النضال الطبقي في فرنسا) و (الثامن عشر من برومير لويس بونابرت) وقد فصلهما على مقاس رغباته، فالدرس الذي قدمه ماركس للمستقبل لا يتعلق بعفوية الجماهير بل بضرورة تنظيمها وقيادة حركتها وتعريفها بالمغزى الثوري لنضالها وكيفية الوصول الى تحقيق مصالحها وقد عبر عن النهاية المحتومة للعفوية بالكلمات التالية "ان شعبا بأكمله كان يتصور أنه عن طريق الثورة قد سرع تطوره، يجد نفسه فجأة يرجع القهقرى الى عصر انقرض/ المختارات ج 1ص 154) وهو الدرس الهام الذي كان على النخب المضللة أن تستوعبه قبل التضحية بالناس والبلد فهذه النهاية الخائبة للثورة العمالية في باريس 1848 تكررت ولنفس الأسباب في الثورة الطلابية 1968 بينما كانت المفارقة أن أهم أسباب نجاح ثورة البلاشفة 1917 على الرغم من قيامها خارج المنطق الماركسي لبيئة تطور القوى العاملة، هو الوعي الطبقي الذي زرعته السوفييتات في زهنية العمال والفلاحين والجنود.

لا شك ان قضية تطور القوى العاملة قد تركت آثارها بعيدة المدى لكن الوعي الطبقي بمعنى أن تعي الطبقة السحوقة نفسها كطبقة والوعي الطبقي كضرورة أساسية من ضرورات قيام الثورة ونجاحها هي حقائق علمية مفتاحية لا يمكن لمفكر ماركسي تجاهلها والا فالشك بماركسيته قائم لا محالة لأن بديل وعي الطبقة لذاتها كطبقة هو الوعي الرجعي العرقي والطائفي والمذهبي، الذي نجح تلامذة جين شارب في بناء مفهوم الثورة عليه لدى أجيال من الشباب فقدت اهتمامها بالسياسة وثقتها بالتنظيم الحزبي الممثل لتطلعاتها.

هنا لعب سلامة كيلة وكل المثقفين الذين ادعوا وقوفهم الى جانب الشعب وكانوا يستغبونه لعبته التي جمع فيها بين شعائر تقديس العفوية واتهام الفصائل الشيوعية السورية بعدم القيام بدورها النضالي لخلق الوعي الطبقي ولكن بطريقة لا يتوقعها قارئ عادي للفكر من مفكر بمستوى سلامة كيلة ميز نفسه بمكانة متعالية على الحزب الذي استضافه في ندوة الثقافة والسياسة عام 2008 ليسمعه ما يشبه التوبيخ بان مشكلة الحركة الشيوعية كمنت في أنها افتقدت للوعي الماركسي وأن الأحزاب الماركسية لم تنتج الفكر بل اعتمدت على السليقة والحدس والحس السياسي.. الخ.

حسنا كيف يطالب سلامة كيلة اذا، حزبا افتقد للوعي الماركسي بنظره أن يخلق الوعي الطبقي عند الجماهير؟ و لماذا لم يقم من يعتبر نفسه حائزا على الوعي الماركسي بملأ الفراغ وأداء تلك المهمة وهو يراقب انزلاق الشارع نحو هاوية العنف الجهادي؟ وأخيرا والأهم ما هي الامكانية الواقعية لذلك؟

الامكانية طرحها (سلامة كيلة) على شكل سيناريو هوليودي أقرب الى (الأكشن كوميديا) وليس للغة الفكر الماركسي فقال "لكي تستطيع الجماهير تحقيق أهدافها الثورية وتطوير انتفاضتها من عفوية مؤقتة الى ثورة شاملة من الضروري السؤال عن دور القوى الثورية، الأحزاب المعبرة عن مطامح هذه الجماهير "فالجماهير حسب السيناريو تندفع لحظة الانفجار عفويا بالوعي الرجعي البديل، يدب حماس الأحزاب الثورية فتلحق بها من ورائها وبقدرة قادر تعرفها على حقيقتها كطبقة ثورية تتملكها قوة النظرية المادية فينحل تشنج روحها الرجعية وتعود التناقضات الأساسية الطبقية لتنفي التناقضات الثانوية التي كونتها في وعيها العولمة المتوحشة فتعزل هذه الجماهير مشايخ الوهابية المعينين في قيادة الثورة وربما لا يستغرق الأمر اكثر من عشرة أيام سورية ليهتز العالم ويصبح سلامة كيلة لينين القرن الحادي والعشرين.

لم يفصل بين الواقعي والمتخيل فتبديل الوضع في مجتمع ما يكمن في الظروف التاريخية الموضوعية للحياة المادية لهذا المجتمع فاذا كنا ماديين ديالكتيكيين حقا نؤمن بالوعي كانعكاس للعالم المادي وبالاحساسات كأساس تقوم عليه جميع ظواهر الوعي فبامكاننا القول بكل ثقة أن أية قوة فكرية وسياسية في العالم لا تستطيع تحقيق ما يطالب به (سلامة كيلة) في هذا الظرف التاريخي المعين وفي بلد يعاني من التخلف العميق لقوى الانتاج ولمستوى تطور البنى الاجتماعية ومحاولته خلق تشابه بين أحداث تاريخية لا يمكن التشابه بينها ينطوي على ميكانيكية قاصرة في التفكير، وهو ما يجد تفسيره في الروح الثأرية لتنظيره الجديد لما سمي بالثورة، المقترن بالممارسة السياسية المتواطئة مع المشروع الامبريالي والمتوافقة مع مهام الموساد من خلال محاولته تلبية الأيعاز القطري بحشد عشرات آلاف الفلسطينيين في الأردن في كيان سياسي معارض للدولة السورية التي لم يبق في مواجهة الكيان الصهيوني غيرها على الساحة.

تطرق مهدي عامل في مقدماته النظرية قبل حوالي 45 عام للتسطيح في مفهوم الثورة عند من وصفهم بالمغامرين من صغار المثقفين قائلا أن الثورة عند هؤلاء تبدو وكأنها مهمة آنية مطروحة في كل لحظة بمعزل عن الشروط التاريخية لتحقيقها، وذلك يعود الى عدم تمييزهم بين مختلف مستويات تطور البنية الاجتماعية وبالتالي عجزهم عن فهم حقيقة الصراع الطبقي ورؤتهم القاصرة له.

ان خلق الوعي الطبقي للجماهير هي عملية خلق من يصنعون التاريخ، لكنها عملية تراكمية لها سيرورتها التاريخية فهي مهمة ذات جبروت خارق في مواجهة صراع الحضارات الذي مثله مثل أية ظاهرة أخرى يحمل ضده بداخله ونحن كنا وما زلنا نحرض على نضوج هذا الضد حين كان الآخرون يحترقون في لهيب ذلك الصراع.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2070444