الصفحة الرئيسية

كتب د. بهجت سليمان: المغامرة الأيديولوجيّة كَمُشارَكةٍ في الصّراع.. أو بماذا "علينا" أن نغامر..؟!

لا تعني جميع الأحداث و الحوادث العسكريّة الجارية، و توجّهات صراع القوى الميدانيّة في مناطق الحرب السّوريّة، أنّها من صلب استراتيجيّات الحرب في سورية و عليها.أ بهجت سليمان في دمشق

ينطبق هذا الأمر حول علاقة الولايات المتّحدة بـ"قوّات سورية الدّيموقراطيّة" (قسَد)، و دعمها الاستثماريّ المزيّف لها لإلهائها عن مشروعها التي تخشاه (تركيا) في تأسيسها لكيانٍ جغرافيّ سياسيّشمال (سورية)، و الإيحاء لها بالدّفاع عنها..، لجعلها تحت السّيطرة الأميركيّة المباشرة لضمان ضعفها و عجزها و عدم إثارتها للقلاقل و "المشاكل" مع (تركيا) و التي يبدو أن الظّرف بغنى عنها- الآن على الأقلّ - و لا يتحمّل إضافتها إلى الصّراع إضافة ليست في وقتها المناسب.

كما ينطبق الأمر على دخول (الولايات المتّحدة) في تمزيق علاقات "مجلس التّعاون الخليجيّ" المهترئة، أصلاً، في الوقت الذي ينطبق فيه الأمر أيضاً على دخول (تركيا) في هذه "العلاقة" إلى جانب (قَطَر) و لو بتوجيهٍ أميركيّ لتعزيز "جِدّيّة" الانقسام و تفعيله، بعيداً عمّا ينسجه الإعلام هنا و هناك، و بعيداً عن أنّ قوات سورية و الحلفاء و الأصدقاء هي المستهدفة المباشرة من قبل العنجهيّة الأميركيّة المفضوحة الرّياء.

و من المؤكّد و الواضح أنّ هذه الأحداث و الحوادث تعمل على حرف الانتباه بعيداً عن اتّجاهات و أهداف الحرب.

إدارة الصّراع المباشر من قبل الغُزاة بدأت تتّخذ لها تفاصيلَ تبدو معقّدة للخروج من استراتيجيّاتٍ فاشلة، و لتغطيّة تحرّكاتها السّياسيّة في مناطق أخرى من شموليّة ظروف الأهداف.

نستطيع قراءة هذا الواقع، بشكلّ خاصّ، على التّوجّهات الأميركيّة و التّركيّة بخاصّة في سورية و الخليج. و إنّه على عاتق سورية و الأصدقاء و الحلفاء، يقع عبء تفسير هذه التّحوّلات و استثمارها مباشرة سواءٌ بالمواجهات التّاكتيكيّة المباشرة ، أم بالمواجهات المناسبة و المطابقة أو المكافئة، أم بالهجوم الدّبلوماسيّ الاستراتيجيّ بتفعيل جديد.

لقد أظهر الحدث الخليجيّ الأخير عمق الخلافات النّاشبة أصلاً حول تقاسم الأدوار النفطيّة الخليجيّة الأكثر تملّقاً للأميركيّ و للإسرائيليّ، بما في ذلك التّحدّي الخليجيّ- الخليجيّ في الدّور "الأفضلِ" لمواجهة (إيران).
و يوماً بعد يومٍ يتأكّد للمراقب السّياسيّ هذا الهلع الخليجيّ من القوّة الإيرانيّة الصّاعدة و التي تهدّد "أمن" المشروع الخليجيّ الذّليل، كما تهدّد "أمن" (تركيا) و دورها الإقليميّ الذي ترغب (تركيا) في أن يكون أكثر شمولاً بحيث يتقاطع مع الدّور الإميركيّ في استقرار (إسرائيل) و نجاتها إلى الأبد.

و بمعزلٍ عن تقويماتنا الظّرفيّة (و ما هو ظرفيّ بالنّسبة إلى "البعض" هو مصيريّ بالنّسبة إلى "البعض الآخر") السّياسيّة للدّور الإيرانيّ الإقليميّ في موقف (إيران) المعلن من الأزمة الخليجيّة المرشّحة لصراعٍ أعمق، و بغضّ النّظر عمّا إذا كان الدّور الإيرانيّ على وضوح استراتيجيّ إقليميّ حقيقيّ، فإنّ دخول (تركيا) على حلبة الصّراع الخليجيّ دخولاً كثيفاً (إلى درجة العسكريّ) و مباشراً، لا يعكس العمل على إذكاء الصّراع و الإيحاء بموقف "مبدئيّ" (أخوانيّ، مثلاً) من صراع الهيمنة على المنطقة الإقليميّة، فحسب..
و إنّما يتوجّه أصلاً إلى عدم الابتعاد عن "الإيرانيّ" و القرب و التّقرّب الدّائم منه بهدف مراقبته و ضبطه و معرفة نواياه و عدم السّماح له بالانفراد بأيّ ملفّ إقليميّ استراتيجيّ، كالملفّ الخليجيّ ذي البعد الاقتصاديّ و السّياسيّ الإقليميّ- العالميّ.
وهذا جُزء من تقليد سياسيّ و عسكريّ تاريخيّ و معروف في أسس خوض الصّراعات على أساس استراتيجيّ.

يُفسّر هذا الأمر إحدى أهم الأساليب الأميركيّة- الإسرائيليّة في "المنطقة" من جانب وضع اليدِ على أهمّ مفاصل الصّراعات العضويّة التي تلتهم منطقة "الشّرق الأوسط" كلّها من (أفغانستان) و حتّى (السّودان)، مروراً بقلب المحرقة في (سورية).
كما يُفسّر- ربّما- إشراك الجميع في "الصّراع" المتعدّد الأطراف و الأهداف و الغايات، ليكون ثمنه مدفوعاً، سياسيّاً و اقتصاديّاً، من قبل "الجميع".
المهمّ في الأمر أن تكون جميع "الأطراف" على استعداد لخوض مختلف جوانب الصّراع، مع التّركيز على ضرورة توريطها في الحدث تلو الآخر، لحرمانها من المخطّطات الاستراتيجيّة التي تخدم أهدافها الأفضل..!؟

يتطوّر منحى الحرب على (سورية) تطوّرات إقليميّة و عالميّة جديدة، و هذا لا يعني- على ما يبدو- نهاياتٍ للحرب، بقدر ما يعني الوصول إلى نقطة حدّيّة فيها (في الحرب) أصبح يجب أن يتجاوزها الصّراع، في انعطافة جديدة.
يبدو لنا أن الإدارة الأميركيّة الجديدة - و على رغم الكثير ممّا قيل عنها، هوايةً أو احترافاً..- هي من أندر الإدارات السّياسيّة الأميركيّة التي جاءت بعد الحرب العالميّة الثّانيّة، و أعني بخاصّة منها ما رافقت ظروف "الحرب الباردة" بين الولايات المتّحدة و الغرب، و الاتّحاد السّوفييتيّ السّالف الوجود، إضافة إلى ما توالى على (أميركا) من "محافظين" و "محافظين جُدد" و غيرهم آخرين.

و يبدو أن سُبُلَ "المواجهة" القويّة للمشروع الأميركيّ الجديد في المنطقة، على نَدرةٍ في الوسائل و الأدوات و الأفكار حتّى هذه الّلحظة، ما لم نكن قد أدركنا بواقعيّة و خيالٍ شاسِعَين هذه الفروضَ السّياسيّة التي تُرافق أعقد حرب خاضها العالم على مرّ تاريخ هذه الحضارة البشريّة.

حتّى الآن لم يبدُ على (روسيا)- لسببٍ أو لآخر!- أنها على نيّة سياسيّة لمواجهة تضخّم الكوامن الأميركيّة في محصّلاتها و تقاليدها السّياسيّة التّاريخيّة. ليسَ الأمر عائداً إلى ما يتقوّله البعضُ من "مؤامرة" سياسيّة أميركيّة روسيّة على العالم، و إنّما بفعلِ انضياف جميع التّقاليد الفلسفيّة السّياسيّة و الفكريّة الأميركيّة إلى أدواتها المستدامة، في الوقت الذي علينا فيه أن نأخذ بالاعتبار ذلك "القطع" التّاريخيّ المأساويّ للسّياسة الرّوسيّة و تقاليدها بعد انهيار المشروع الأيديولوجيّ السّوفييتي الكثيف و الذي كان مكافئاً، فعلاً، للأيديولوجيا الأميركيّة بجميع فلسفتها السّياسيّة المتراكمة عبر أكثر من (500) عام.
لا يتحقّق اليوم، بعدُ، أيُّ تكافؤ ما بين الاستمرار الأيديولوجيّ الأميركيّ،و آثار الانقطاع الأيديولوجيّ "الرّوسيّ" و العالميّ أيضاً..!

أمام هذا المشهد العالميّ الضّاري لا تُحقّق الأيديولوجيّات الأخرى المتصارعة في المنطقة أيّ إضافة نوعيّة استراتيجيّة و حقيقيّة في مواجهة الحنكة الأيديولوجيّة الأميركيّة المتراكمة. هذا ما يجعل، مثلاً، من النّموذج السّياسيّ التّركيّ نموذجاً تقليديّاً و هزيلاً يعيشُ على أوهام السّلطنة الإمبراطوريّة العثمانيّة المتبدّدة..
و هذا ما يجعلُ، كذلك، الأيديولوجيّات الأخرى ( و الدّينيّة السّياسيّة، مثالاً ) مظاهرَ من الوهم السّياسيّ الذي لا يستطيع أن يأخذ في الاعتبار "حضاريّة" الوسائل الحداثيّة المواجهة، كما لا يُحاول، أيضاً، أن يمتك إلّا أدوات نابعة من "معتقدات" عاجزة، كما يتّصف بأنّه رهين الاستجابة إلى أفعال في صيغة مُحزنة أو مخزيةمن ردود الأفعال..!؟

لقد تجاوز الصّراع المعاصر جميع أشكال و أحوال "الإيمان" بالوسائل المجرّبة و العقائديّة الّلاجمة للاصطفاف. و إذ أنّ الأمر لا يجعلُ من الإبداع ضرورة في السّياسة (و ربّما هو يجعله فعلاً كذلك!)، فإنّه على الأقلّ يجعلُ من مفاهيم الاستقطاب و التّحيّز و الاعتقاد معرّضةلامتحانٍ معاصر قاسٍ يفرضُ على الأفكار تموضعاً أيديولوجيّاً شاملاً ، أمام مشروع أيديولوجيّ أميركيّ شاملٍ و عَاتٍ و صريح.

لا تفترضُ القوّة في أعلى مراحلها في التّطرّف في العنف أيّةمواجهة متساوية أو متطابقة. و لكنّ التّكافؤ، و الذي لا يعني التّطابق و التّساوي، مطلوبٌ، و بإلحاحٍ مصيريّ، في شكل الحرب المعاصرة.

نحن في هذه المنطقة على أبواب تحولاتٍ أبديّة ، ليست في صالحنا، إن لم نستطع تشخيص الواقع المحليّ و العالميّ تشخيصاً سياسيّاً احترافيّاً فيه من فلسفة السّياسة أكثر مما فيه من سياسات الهُواة!

(إسرائيل)، اليومَ، في أكثر لحظاتها نشوةً سياسيّة على مرّ عمرها في التّاريخ المعاصر. و ربّما ستصبّ جميع النّتائج السّالبة التي يمكن أن نخرجَ منها في هذه الحرب، في "النّسغِ الكامل" للظاهرة اليهوديّة- السيّاسيّة، منذ ثلاثة آلاف عام.

لا نتمنطق هنا إذا قلنا إنّنا كسوريين و كحلفاء و كأصدقاء ، نواجه اليومَ مصيراً هو الأعقد، بالنّسبة إلينا، في تاريخ المنطقة و العالم.
و على هذا نحنُ علينا أن نقوّم أنفسنا في المعتقد و الأيديولوجيا السّياسيّة و الأداء.. و أيضاً في النّتائج المتحصّلة باستمرار.

من الخطير أن نركنَ إلى الظّاهرة الإعلاميّة مهما ارتفع فيها منسوب الأيديولوجيا و التّجييش، و لا بدّ من أن نفهم، أوّلاً، أنّ الأيديولوجيا لا يمكن أن تُقابلَ إلّا بأيديولوجيا مواجهة، و أنّ الأيديولوجيا، بطبيعتها، هي خرافة سياسيّة لها الحظّ الأقوى في أن تكون واقعاً مشخّصاً و مباشراً في مجتمع إنسانيّ خرافيّ و لا عقلانيّ..!؟ لا تقارعُ الخرافة إلّا بالخرافة..!

في النّيّة في المصلحة في استدامة الحروب من قبل الوحوش التي تعتاش على تناقضات و ويلات الحروب، تدخل حربنا اليومَ مرحلةً جديدةً يمكن أن نطلق عليها توسيع دائرة الحرب و تنويع أشكالها حتّى تصلَ إلى "الخليج" و دول "الخليج" على شاطئيه.
لقد أثبت "المكان" أنّه منطقة نموذجيّة للصّراع العالميّ ذي الآثار المخصوصة في نتائجه المطلوبة.

تعتمد أميركا، و بمعزل عن كلّ العالم، على سياسة نفعيّة عالية الأداء من شأنها أن تحرق العالم بعيداً عنها و بدون كلفةٍ مباشرة.
هذا ما يُحققّه اليومَ (ترامب) داخل أميركا و خارجها في أقصى شكلٍ استثماريّ لصالح قوى المال الاحتكاريّة (و بخاصّة احتكارات السّلاح و احتكارات المال) في العالم.
و في هذه الغضون لن تكون السّياسة الأيديولوجيّة الأميركيّة معنيّة بأيّ من النّوازع الإنسانيّة المجانيّة التي قد تخطر على بال أصحاب "الاعتقاد".

في المفاصل الحضاريّة الحادّة تُصبح "الفكرة" هي الإله المُشخّص الحيّ في نظر المستفيدين، و غالباً ماكان يتبع ذلك في التّاريخ "فلسفات" تسويغيّة للظّاهرة .
و ليس هنالك فترة تاريخيّة حرجة في السّطوة و في الاستثمار و في الاستهلاك، مرّت على أميركا كما هي تمرّ عليها اليوم.

أميركا بحاجة، اليومَ، إلى المزيد من التّفوّق و إلى المزيد من السّطوة و السّلطة في سبيل المال. لقد افتُقرت أميركا، هي الأخرى، جرّاء سياساتها المتردّدة لعقود سابقة و مواجهاتها الباهظة في الحرب الباردة؛ و ها هي اليوم تصحو من رقادها السّياسيّ.
أمام هذا المشهد تُطرح الأسئلة العديدة حول أنجع الأدوات للدّخول مع أميركا في مواجهة أيديولوجيّة شاملة لا يكفي معها جميع أشكال "الطّنطنات" بالتّوازن العسكريّ أو "الصّاروخيّ".. أو الجغرافيّ أو الميدانيّ، أو ما إلى ذلك ممّا يعتقده الكثيرون.

و لهذا يجب على الفكر ألّا ينظر إلى "السّلاح" فقط.. و إنّما إلى الأفكار في احتدام صراع العالم على التّفوّق و السّيادة التي هي في جوهرها السّياسيّ العالميّ حياذة (و ليست حيازة) و قرصنة و اغتصاب.

و السّؤال الاختزاليّ هو كيف نفهم نحن، مع الأصدقاء و الحلفاء، هذه الأفكار و تطبيقاتها العمليّة؟

لا نجيب هنا إجابة، إذا قلنا إنّ تقاليد السّطوة في العالم، هي مغامرة بالممكن و بالآخرين..!؟

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

August 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 31 1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31 1 2
عدد الزيارات
1455482