n.png

    احسان عبيد: خذلان

    كنا في الصف الثاني عشر، وكان ذلك الشاب المدلل زميلا لنا، لم يحضر 40 % من نسبة الدوام..، كان يعيش مرفها كونه أصغر أخوته.. يتلقى حوالات من أخيه المغترب، ويأخذ دعما من أبيه، وله أخ نافذ ذو رتبة عالية في إحدى أجهزة الأمن يرش عليه مصروفا إضافيا بين الحين والآخر.. وكان حضوره بعض الدروس موضع مفاجأة واستغراب من الجميع.أ أحسان عبيد
    .
    كان مزهوا بنفسه ولكن ليس إلى درجة البجاحة، وربما معه حق، حيث أنه يتمتع بقوام رشيق ووسامة نصف لافتة، ولم يكن له صديق مقرب من أي من الطلاب، ولم نره يوما يرفع أصبعه ليجيب على سؤال، وكان الطلاب يتحدثون فيما بينهم أنه يستأجر غرفة لوحده، وهذه ميزة لأن الطلاب يسكنون كل اثنين أو ثلاثة في غرفة واحدة تخفيفا للمصاريف، وكانوا يقولون أن له علاقة مع زوجة صاحب البيت، وهناك قول أن له علاقة مع الكنة، وثمة قول ثالث أن علاقته مع ابنة صاحب البيت.
    .
    وبخلاف جميع التوقعات فقد نجح شحطا، والمثير للغرابة أنه أخذ منحة دراسية جامعية، وسكن لوحده في شقة أخيه المغترب في حي التجارة، وعاش حياته الجامعية سدحا مدحا.. كونه اختطف المنحة من أمام الطلاب المتفوقين غير الحزبيين، لأنه من أهل الحظوة.
    .
    وبعد التخرج نجح بمسابقة اختيار المدرسين، وربما كان سينجح حتى لو لم يعمل مقابلة لأنه مدعوم كما أسلفت..، وما هي إلا فترة قليلة، حتى أوفدته الدولة معارا إلى الكويت.. هناك اتصل بي ورحبت به وقمت بما أقدر عليه من واجب.
    .
    عندما أردت السفر إلى سوريا جوا اتصلت به، فقال: إنه يريد معي بعض الأغراض، وبسبب عدم وجود سيارة معه ذهبت مسافة 50 كم ذهابا وإيابا، فأعطاني ما وزنه أكثر من 5 كغ، وأوصلت الأمانة إلى زوجته متحملا قيمة زيادة الوزن 12$ عن كل كيلو.
    .
    بعد مدة سافر دون أن يتصل بي، ولما عاتبته بعد العودة، قال أنه كان مشغولا ومدووشا، ثم تذكر مخرجا لتقصيره وقال: اتصلت بك من عند الكوى مرتين حوالي الساعة الرابعة، وهو يعلم أنني أكون في الجريدة في ذلك الوقت ولا أحد في البيت لأنني أسكن لوحدي (كانت الهواتف الأرضية قليلة، وطبيعي لا توجد موبايلات).. والأهم من ذلك أنه زعل وانحرف خاطره لأنني عاتبته ولم يعد يتصل بي.
    .
    صادفته عرضا قبل يومين في أحد شوارع السويداء.. بالكاد تعرفت إليه.. لقد أصبح شكله مثل المرابين الهنود.. وما هي إلا دقائق حتى انخرط في نقاش سياسي، لعن فيه الروس والإيرانيين، والسياسة والسياسيين، ورجال الدولة أجمعين، جاحدا المنحة والتعيين والإعارة، ولولا نفوذ الفساد الذي يسّر أموره سابقا من فوق الأساطيح، لكان الآن يبيع خضرة على البسطة.
    .
    لم أتفاجأ، فأمثاله كثيرون من الذين حلبوا بقرة الحزب والدولة وأكلوا خيرهما، والآن يلعنون الحليب واللبنة واللبّان والخبز والعجين والعجّان، فالفساد الذي استشرى في الماضي لا بد أن ينتج أشخاصا كهؤلاء.. فهل من متعظ؟.. أخشى ألا نكون قد استفدنا!.