الصفحة الرئيسية

كتب الدكتور بهجت سليمان: لا شيءَ جديد.. إنّهُ تطبيعُ "الواقع" العربيّ المعاصر

يصنع قرار "القوّة" المعاصرُ، فرقَ الماضي في الحاضر و المستقبل تَجَاوُزَاًلواقعِ تعقُّدِ الحدثِ العالميّ - الذي شاءكلُّ شيءٍ كما شاء "الجميع".. أن نكون نحن السّوريين مِرجَلَهُ الحيّ اليوم - و مراوحته في القرن العشرين طويلاً في دائرة شبه مغلقة من التّوتّر الذي لم يُفضِ إلى "حلول" تجعل قوّة الأفكار مناسِبَةً أو متطابقةً مع "طموحات" القوّة التي يتجاوز مسرحها الدّول و الجغرافيّات و القوميّات و الأمم و الشّعوب و المجتمعات..؛ ما يجعلُ هذا "الفصل الجديد" من التاريخ البشريّ يُدينُ للأفكار بالكثير من صناعته و أحداثه "المنطقيّة"(!) التي عليها يتوقّف من جديد إنجاز فكرة "التّفوّق" النّوعيّ للسّطوة القاضية بطبيعتها بأن يكون من تعدادها التّحليليّ احتكار السّيادة و "المصلحة"، على ألّا يقودَنا هذا الاعتقاد إلى المصادقة على "عقلانيّة" وافرةٍ للسّياسة في التّاريخ.د. سليمان

ينتقمُ العالم الآن لعبثيّة "الحرب الباردة" التي لم تُسفر عن شيء مهمّ. إنّها كأيّ مرحلة تاريخيّة من "الغَبَش" المفضي إلى مزيد من إخضاع "العالم" و استثماره و التّحكّم فيه.

و في مجريات هذا السّياق لم يحصلْ أن انحرفت مساراته، و لا بأيّ منعطف، إلى خارج المنطقيّة التّاريخيّة القاضية بتفوّق القوّة على الضّعف، و إنْ كان تفوّقاً لا معنى له في النّهاية، بحيث أنّه لا يراه خلاف هذا إلّا أولئك المُدمنونعلى "المنطقيّات الوضعيّة".
هذا و لم تجرِ في كلّ العصور البشريّة مخالفةٌ لتلك"المنطقيّة" التّاريخيّة إلّا في الأوهام السّيكوباتيّة أو في "المَجاز". أحياناً يودّ شيءٌ فينا أن يستيقظَ ليشاهد نهاية لأحداثِ ليلٍ قاحلٍ و حارّ!

و إذ نهتمّ و نعملُ- غيرَ مختارين- و نفكّرُ على وقع "تطوّرات" الحدث السّوريّ الذي تجاوز كلّ التّكهّنات- و ذلك على عادة جميعِ التّوقّعات!- فإنّه يَلفُتُنا هذا التّذرّرُ غير المتأنّي في السّلوك العالميّ المتدرّج.
أتكلّمُ عن تطوّرات هذه "الحرب"و ظهور "الكتل" الجغرافيّة العسكرية الإقليميّة و الدّوليّة في جنوب سورية و في شمالها و شرقها (و ربّما في غربها أيضاً!).
نحن لن يمكننا القيام بتفسير لهذه "المتوالية" اللغوية لأسماءٍ على "الأشياء" ما لم نربطها بمشاريع سياسيّة قديمة نسبياً ، قد تعود- على الأقلّ- إلى بدايات القرن العشرين، الماضي، عندما نستطيع أن نربط، أو أن نكتشف التّرابط، بين مشروع تجزيء المنطقة العربيّة المشرقيّة و "وعد بلفور" و دخول سورية و العراق و فلسطين تحت النّفوذين الاستعماريين الفرنسّي و الإنكليزيّ، و انحياد الطّيف "الوطنيّ"المشرقيّ، غير الرّاشد (و لكن هل هو أيضاً راشدٌ اليوم؟)، في اتجاهات "الأحلاف" المحلّيّة الغربيّة في الخمسينات، على الهوى "الهاشميّ" أو على الميل "السّعوديّ".. و غيرهِ(!).. (كنّا دائماً تُغوينا الأموال و الخيانات و العواطف و السّذاجات!) ، و ما تلاهما من تحقّق الاستيطان اليهوديّ العالميّ في فلسطين.

هذا ليس إنعاشاً للذّاكرة، و لكنّنا نعتبره الخطوة الأولى التي بدأ بعدها التّفكير السّريع، مباشرة، بما سيتلوها من خطوات ضروريّة و لازمةٍ لنجوزِ "الفكرة" المعاصرِ و المديد.
هنا يجب أن نضعَ جميع "الأحداث" الكبيرة، التي سجّلها التّاريخ القريب في هذه المنطقة، على أنّها مجرد حلقات في سلسلة حديثة بدأت مع الغرب الإمبرياليّ منذ نهاية الاحتلال العثماني للأراضي العربيّة و موت "الرّجل المريض". أقصد هنا ما هو سَواءٌ في الحياكة و الحبكة ، أكان ذلك على طريقة الغزلِ و النّسجِ على طريقة الحَلّاج الأميركيّ.. أو على طريقة العنكبوت الرّوسيّأو على طريقة الخِلد الصّينيّ أو كذلك على طريقة الأفول الأوروبّيّ!

هكذا كان حدثُ عام (1916م)، ثمّ حدث عام (11917م)، ثمّ حدثُ (1948م)، ثمّ حدثُ عام (1967م)، ثمّ حدثُ عام (1973م)- و لو في نتائجه التي زُوّرت بخيانة (السّادات)- ثمّ حدث عام (1982م)، ثمّ حدثُ عام (2006م)، و أخيراً الحدثُ الأكبر و الأهمّ من جميع ما فات و الذي بدأ عام (2011م) الذي نعاصره حتّى هذه الّلحظة.
طبعاً جميع المهتمّين يعرفون مناسبات هذا الأحداث، و كذلك يعرفها ضحاياها من الشّعوب العربيّة!

و في هذه المرحلة تواجهنا أخطر و أجسَم التّحوّلات العنيفة للثّورة السّوريّة - الدّوليّة، الغاشمة.. التي انفجرت في وجه الشّعوب العربيّة المشرقيّة كلّها و ليس فقط في وجه الشّعب السّوريّ، و لو أنّنا في سورية كنّا دوماً- على عاداتنا القوميّة..- ندفع الثّمنَ الباهظ من أرواحنا و أجسادنا و حاضرنا و مستقبلنادون الجميع..!!؟

السّؤال الرّاهن هو ما ذا يحصُل في الجنوب السّوريّ و في الشّمال السّوريّ و في الشّرق السّوريّ، الآن؟

إذا كان الجميع يؤمن بصحّة حقيقيةِ "الأحداث" الواقعيّة- و لا ندعو أحداً للإيمان بالفرضيّات- فمن الّلازم أن يعملَ، أيضاً، على تفسيرها، ليس وفقاً لنظريّات الإعلام.. و إنّما تبعاً للمنطقيّة التّسلسليّة للأحداث منذ مئة سنة قريبةٍ.. و حتّى اليوم.

في هذه المئة سنة الأخيرة تُشيرُ جميع الأحداث السّياسيّة التّاريخيّة في المشرق العربيّ إلى أنّ ثمّة مشروعاً عالميّاً (طبعاً و بخاصّة غربيّ) بدأ- بالنّسبةِ إلينا- مرحلته الثانية (بعد مرحلة الانتداب- الاستعمار) بتمزيق سورية و إذلال استقلالها الوطنيّ الذي تميّزت عنه دون سائر الدّول أو الأقطار العربيّة الأخرى (و نقول هذا بقوّة التّاريخ المعروف للجميع)، و سلبها "لواء اسكندرون"الغالي علينا؛ ثمّ الاتّجاه إلى ترسيخ وجود (إسرائيل) و تطبيع واقعها و "انتشارها" في المستقبل.

كان الهدف صريحاً دوماً إذاً. ترويضُ "المنطقة" و إذلالها و تفريغها من مكوّناتها المادّيّة و "المعنويّة"، و تسطيحها و تجهيلها و استنزافها و تقزيمها و إن أمكن محوها الفعليّ- كما تجري المحاولات في سورية اليوم- ثمّ إعادة إنتاجها من جديد على إيقاع ثقافات مثقّفي "الأحلاف" و أموال النّفط العربيّ و سذاجات آخرين.. و "ثورة الأطفال و الحليب"(!) و من لفّ لفَّهم كرعاع الشّعب السّوريّ، و على إيقاع ديموقراطيّات الذّلّ و الذّيليّة الإمبرياليّة، و على ضوء الإشارة "الإسرائيليّة" لمنتديات "الحرّيّة" و "السّلام"!

نحن لم نخرجْ بعد من عصرِ الأحلاف العربيّة- التّركيّة- الغربيّة، و لم نتجاوز مرحلة "الرّشوة السّعوديّة" (الخليجيّة) التّاريخيّة لشكري القوّتلي و شعبيّته السوريّة، و "النّاخبين" المموّلين المزوَّرين و نوّابهم المحافظين..!؟

و لمن يسأل أو يتساءلُ ما هو الرّابط بين (إسرائيل) و مناسبة هذه الكلمات، نودّ التّذكير السّريع بماضٍ قريب جدّاً.

قبيل حرب تشرين بقليل، و بالتّحديد عام (1972م) طرح (الأردنّ) مشروع "المملكة المتحدة الفلسطينية- الأردنية" لأول مرّة، كاستكمالٍ لمفاعيل "وعد بلفور"، على سبيل تفريغ القضيّة الفلسطينيّة على مراحلَ، تحقيقاً للحلم "الإسرائيليّ" في احتلال المشرق العربيّ كلّه.
و بعد اجتياح (إسرائيل) لِ (لبنان) عام (1982م) و احتلال "الجنوب الّلبنانيّ", و صمود سورية الصّلب لهذا التّحدّي، جرى التّواطؤ المعروف باسم "اتفاق عمان" عام (1985م) بين (الأردنّ) و "منظمة التّحرير"، و ذلك كما صاغه حرفيّاًالجانب "الأردنيّ"، و بصراحةِ عبارةِ "حقّ الشّعب الفلسطيني في تقرير مصيره في إطار اتّحاد كونفدراليّ مع الأردنّ".

فيما بعد لم تهدأ "الفكرة" العالميّة من أجل تفوّق (إسرائيل) و تحقيق أحلامها الطّائلة في ابتلاع المنطقة، فكان "التّوجّه" العالميّ "الثّاني" إلى تقزيم "المنظومة " السّياسيّة التي انطلقت من (الكويت) و (السّعوديّة) في "تَوَجُّهٍ"عالميّ "أوّل"، فيما سمّي "منظمة التّحرير الفلسطينيّة"، تقزيماً يجعل من السّهل احتواء "المنظّمة" من "الدّاخل"، بعد أن جرى احتواؤها من "الخارج" (في التأسيس و الانطلاقة)، حتّى وصلنا إلى عصر "حماس".. عام (1987 م) ، الذي جمعَ كلّ "الجريئين" من "المراقبين" و "المحلّلين" و "السّاسة" و "المثقّفين".. و "المطّلعين" على أنّها- مع ما شاكلها من تنظيمات "جهاديّة" فلسطينيّة أخرى- مخترَقَة "إسرائيليّاً" ، مع الاحتفاظ لِ (إسرائيل) بكافّة حقوق التّاليف و التّعديل...!؟

و يعرف أصحاب "الفكر السّياسيّ" أنّ العقدة العاطفيّة- القوميّة العربيّة الكأداء التي "أذَلَّتْ" المشروع الرّجعيّ العربيّ- الإسرائيليّ (بما فيه من الفلسطينيين الرّجعيين و الخونة أيضاً..) المُشجّعَ عليه و المدعوم من قبل أعتى قوى الغرب الرّأسماليّ الأميركيّ- الأوروبّيّ، إنّما هي عقدة "حقّ العودة"، هذا الحقّ الذي لا يمكن لِ (إسرائيل) و لو في عالَمٍ آخرَ أن تجعلَهُ من المواضيع التي تقبل حتّى بمناقشتها ناهيك عن إمكانيّة قبولها التّفكير فيه.
هنا نشأت ( أو بالأحرى اختُرِعَتْ) فكرة "الوطن البديل" للفلسطينيين، الذي كان من نتائج "القُرعة" العالميّة التي أجرتها "الفكرةُ"(!) السّياسيّة العالميّة على أحطّ الرّجعيين العرب..، أنْ يتبنّاهُ علناً (أردنّ الحُسَين!)، كما رأينا في الوقاحات الخيانيّة المُبكّرة للسّياسات الأردنّيّة تُجاه (فلسطين) فيما أوردناهُ من طروحاتٍ أردنّيّة علنيّة و معروفة، أعلاه.

و مع تَعَقُّدِ "الفكرة" (الوطن البديل) و مراوحتها و تجربتها النّظريّة في "اتّفاقات" و "مشاريع" مختلفة و معروفة - على طول قرن كامل من الزّمان- حانت من جديد العودة إليها، بعد أن اختُبِرَ المشرق العربيّ بعمقٍ في شعوبِهِ الضّالّة و هِمّةِ رُعَاعهِ القطيعيّة الزّوراء، في الحَربِ المخصوصة لهذا الأمر على سورية حصراً.. لتفتيتها كآخر مَنْبَعِ صوتٍ حقّ عربيّ في قضيّة "حقوق الشّعب العربيّ الفلسطينيّ" كافّة و بخاصّة منها "حقّ العودة"، فكانت الحربُ على سورية و في سورية مناسَبةً لتحريك جمود الحلم الالتهاميّ ( الإسرائيليّ ) للمكان، و كان "الجنوب السّوريّ" هو المُنْطَلَقَ مرّة أخرى و أخيراً و من جديد، بعد أن كانت هذه "الفكرة" قد جرّبت في (لبنان) منذ منتصف سبعينات القرن الماضي و أفشلتها سورية بالتّحديد.

و في هذا السّياق يجبُ ألّا يغيبَ عن الذّهن ترابطٌ آخرُ هو انطلاقُ "الثّورة" الغاشمة عام "2011 م" من "الجنوب" (درعا، على وجه الحصر!). كما يجبُ ألّا يغيبَ عن الذّهن تفاهة معظمُ المثقّفين السّوريين الذين انضمّوا إلى قافلة "ثورة الرّعاع" السّوريّة التي كانَ أوّل روّادها أيضاً من (درعا)! كما يجري اليومَ تماماً إعادة تسويق بعض "المثقّفين" الدّرعاويين أنفسهم للالتحاق بالعودة إلى "حضن الوطن" مع "تصريحاتهم" الكوميديّة بأنّهم مستهدفون بالاغتيال من قبل (تركيا) حصراً، شخصيّاً بأرواحهم، ظنّاً منهم بسذاجة العقل السّياسيّ السّوريّ الذي قد يمرّ عليه- دون انتباه- إغراؤهُ بعداوتهم "المزعومة" لِ (تركيا) ممّا يؤهّبُ عقلنا السّوريّ فيعلن انتقامه من (تركيا) عن طريق استقبال "حمير" (طروادة) هؤلاء و إعادة اندماجهم الاجتماعيّ- السّياسيّ... في سورية و المشاركة في الحياة السّياسيّة المستقبليّة لسورية، أو ربّما خطفها نهائيّاً- إذْ إنّهم لا يكلّون و لا يملّون من "التّخطيط"!- بعد أن ظهرت آمال ل "بشائر" تحقّق الحلم "الإسرائيليّ"- و هو قيد الإنجاز- في "الجنوب السّوريّ" عن طريق (الأردنّ) و (درعا) كبوابةٍ سحريّة للمجد التّاريخيّ لليهود...!!؟

إنّ الذي يجري هو إعادة خلطِ "الأدمغةِ" من جديد للتّحفّز للانطلاقة التّالية. و لكن ما هي هذه الانطلاقة الآن؟
مؤخّراً- في بدايات شهر أيّار.. المنصرم- جرى استبدال (اسماعيل هنيّة) بِ (خالد مشعل) لوظيفة رئاسة "المكتب السّياسيّ"(إقرأ مصنع الخيانةالفلسطينيّ الأهمّ و الرّائد!) لِ "حركة حماس".

المطلوبُ من هذا الإجراء هو ببساطة الإيحاء بديموقراطيّة "انتخابات" شعبيّة- فلسطينيّة، للتّخلّص من الآثار المباشرة التي اشتُهِرَت عن (خالد مشعل) بعد أن تمّتْ إعادة تعميده "إسرائيليّاً"(و تعميد الإسلام الفلسطينيّ كافّة!!- في (قطر) و (السّعوديّة) و رسم آخر النهايات الافتراضيّة لتحقيق "الحلم"! و كان (هنيّة)- هذا الإمّعة الأخرق- هو "الكبشُ" الذي سيكون أضحية "المشروع" القديم- و هو راغبٌ جدّاً بلعب هذا الدّور الخيانيّ الأحمق على أيّ حال- في حلّته الجديدة انطلاقاً من (درعا) أو من (الأردنّ) سِيّان! و لكن كيف؟
حقّاً إنّ "الفكرةَ" قويّة جدّاً.
و مشكلة "الّلاجئين" السّوريين المعلّقة في شمال (الأردنّ)، هي الّلغز المفتاحي للمشروع التّاريخيّ الذي يُحضّر له "عالميّاً" انطلاقاً- هذه المرّة- من (الأردنّ)، و ليس من تركيّا..!
- (هنا لا مانع من أن نتذكّر إعلاميين بعضهم كثيرين محسوبين على "الخط الوطني"، حاولوا منذ السّنة الأولى للحرب السوريّة أو منذ السّنة الثّانية أن يحرفوا الأنظار السّياسيّة السّوريّة عن "الجنوب السّوريّ" بالتّنبيه المتكرّر إلى مخاطر معركة حلب(!).. و المخاطر "التّركيّة" في الشّمال، مع أنّ العكس هو الذي سيختصر في "الجنوب" الكثير من الأهداف القصوى و النّهائيّة لهذه الحرب.هذا و لو أنّ أهدافها متعدّدة و مفهومة للنّابهين و غير النّابهين.
إنّ من يراجع أرشيف الذّاكرة السّياسيّة للإعلام السّوريّ الرّسميّ و الخاصّ، سوف يتذكّر جيّداً إلامَ نرمي من إشاراتنا هذه، بوضوح..!؟)-

و بذريعةِ "توطين" الّلاجئين السّوريين في شمال (الأردنّ)- جنوب سورية،سيجري ذلك العبث التّاريخيّ بهذا المكان جغرافيّاً و ديموغرافيّاً، بحيث من المُقَرَِّر أن ينمو هذا "المسخ" من كونه منطقةً "منخفضّة التّوتر" إلى "منطقة حرّة" سياسيّاً- على نحو "المناطق الحرّة" تجاريّاً و اقتصاديّاً!- ليتحوّل بالتّالي، و برعايةٍ عالميّة و "اتّفاقيّة"، شيئاً فشيئاً، إلى "أرضٍ" آمنةٍ و حياديّة و محيّدةٍ عن القرار السّوريّ و الإقليميّ، لتُبذرَ فيها، في هدوء الأجواء و المناخات القادمة، بذرة "الوطن البديل" نفسه الذي هو للفلسطينيين ـ بحسب ما هو مُخَطَّط ...!؟

وهذا تطوّر "منطقيّ" و واقعيّ لتاريخيّة الأردنّ "الوظيفيّ"، سياسيّاً، كمنطقة "محايدةٍ" عربيّاً يجري تحضيرها عبر الزّمن لأجل احتواء هذا "الحلّ" التاريخيّ لِ "عودة" الفلسطينيين منذ "حرب العراق الثّالثة" (2003م)، كما هو تطوّر "منطقيّ" أيضاً لتاريخيّة "الخيانات الفلسطينيّة" للقضيّة الفلسطينيّة بالذّات(!)، و ذلك بعد أن تمّ سحبُ فتيل الشّعلة العاطفيّة الإسلاميّة- القوميّة من حرارة "القضيّة الفلسطينيّة" بعد تدجين أكثر الفئات الشّعبيّة الفلسطينيّة "عقائديّة" و راديكاليّة و إسلاميّة، و أعني جماهير "حماس" و مَن يميلُ إليهم.
اليوم "ترقُدُ" (حماس)، على رغم جعجعة هذا "المسخ" المسمّى (هنيّة)، كرقاد الدّجاجة على البيض، و لكن لكيّ تفرّخ جمهوراً نصيراً و "أنصاراً".. لِ (قطر) و (السّعوديّة) و لسائر الرّجعيّات العربيّة المتماهيّة ديناً و عقيدةً و تاريخاً مع (إسرائيل).

تجري اليوم خطوات تنفيذيّة على "الأرض" تساعدنا على فهم "الفكرة" التي علينا أن لا نستهتر بها أو نتهاون، نحن كقوى إقليميّة للمقاومة ضدّ المشروع الإسرائيليّ، الأميركيّ- العالميّ، في المنطقة.
إذْ من الملاحظ على مواقف "حماس" المعلنة مؤخّراً، و صمت "الجهاد الإسلاميّ" كفصيلين توأمين، هذا التعاطف المزيّف مع "الشّعب السّوري" (و يعنون رعاع هذه "العامّيّة" السّوريّة..)، فيما يجري بإسهام مباشر من (الأردنّ) و (إسرائيل)، "تنفيذ" أكبر عمليّة خلط سرّيّ "عالميّة".. لمشكلة "الّلاجئين السّوريين" في "الشّمال الأردنّيّ" مع مشكلة الّلاجئين الفلسطينيين، التّاريخيّة!

و من جهة أخرى تنفيذيّة أيضاً فإن الأحاديثَ التي طُرِحَت في التّداول السّياسيّ و الإعلاميّ ، التي وصلت حدّ الحديث حول عملية عسكرية مرتقبة، وبأنها ستكون تحت إشراف كامل من قبل الجيش الأردني، بالتنسيق الكامل مع فصائل "المعارضة المسلحة" التي تتمترس في الحدود السّوريّة مع (الأردن)، حيث تربط(الأردنّ) "علاقات قويّة" بِ "الجبهة الجنوبيّة للجيش السّوريّ الحرّ" و الذي يعمل تحت إمرته جميع الفصائل السّوريّة الإرهابيّة المسلّحة و الخائنة و المأجورة، أو جميعها بالتّقريب.
و ما العدوانات الأميركيّة الأخيرة على الجنوب الشّرقيّ السّوريّ (البوكمال و دير الزّور) إلّا تداخلٌ مباشرٌ و توسيعٌ مفهوم للمنطقة الجنوبيّة السّوريّة المستهدفة، إلى أن تمتدّ إلى الجنوب الشّرقيّ السّوريّ، لإفساح منطقة "الخيارات" المستقبليّة لِ"وطنٍ" واسعٍ بديل..!

أخيراً، و لكي تكتمل الصّورة، سنسأل ماذا سيحقّق هذا "المشروع" الوشيك من نتائج خطرة هي في صلب أسباب و أهداف الحرب على سورية؟ و سنجيبُ بالتّالي:

1- دمج مشكلة الّلاجئين السّوريين بقضيّة الّلاجئين الفلسطينيين، و افتعال تشارطيّة الحلّين واقعيّاً، و الإيهام بوطنٍ فلسطينيّ بديل.. مع ما يمنحه هذا الواقع الجديد من تسويفاتٍ سياسيّة و عالميّة تجعل من الحرب السّوريّة، فعلاً، حرب القرن الواحد و العشرين طّويلة الأمد.

2- زرع كيانٍ قُطْري عربيّ (فلسطينيّ) جديد على الحدود الجنوبيّة مع سورية، مع ما يُمثّله هذا الأمر من تجزيء جديد للدّول العربيّة، و إضافة حلقة جديدةللنّزاعات العربيّة القطريّة، موضوعيّاً، كنتيجة حتميّة و "واقعيّة" لِ "الفلسفة" الاجتماعيّة و السّياسيّة القُطْريّة العربيّة.

3- تصعيدُ هذه "الواقعة" الجغرافيّة المستحدثة، و تنشيطها بالخلافات و المواجهات بين سورية و بين هذا الكيان الفلسطينيّ الجديد الذي ستكون "حماس" صاحبة الدّور الرّئيس فيه، بما كلّفت به صراحةً من معاداة للجمهوريّة العربيّة السّوريّة و الارتهان لِ (إسرائيل) و الرّجعيّات العربيّة التّقليديّة.

4- فقدان سورية لواحد من أهمّ عواملها الوجوديّة السّياسيّة في "المنطقة"، و سلبها هذه الشّرعيّة القوميّة العربيّة لتبنّيها تاريخيّاً شرعيّة المسؤوليّة القوميّة تجاه القضيّة الفلسطينيّة. و أكثر من هذا و أعني زرع فتنة عربيّة- عربيّة جديدة بين سورية و (فلسطين)، و التّخلّص نهائيّاً من فكرة العداء الرّئيسة بين (فلسطين) و (إسرائيل) تمهيداً لحلولٍ سهلة و نهائيّة لقضيّة "الاحتلال".

5- حزام أمني في "الجولان" يحمي ظهر (اسرائيل)، مع ما يُمثّل هذه المرّة من جدارٍ حيّ و اعتباريّ بإيجاد كيانٍ رسميّ "عربيّ" كدولة "وسيطة" و وظيفيّة مضافة إلى (الأردنّ) ككيانٍ وظيفيّ، بحيث تقع (إسرائيل) الآمنة خلف جدارين أمنيين بدلاً من الجدار الأمنيّ الواحد!

6- تسويغ الوجود "الدّوليّ" المتعدّد الأطراف في هذه المنطقة من العالم، بذريعة منع أو خفض"التّوتّرات" المرافقة لهذا "المشروع"، بما يحمله هذا الواقع من "احتلال" عالميّ للمنطقة و الهيمنة عليها نهائيّاً و إدارتها و العودة بها إلى مرحلة "الطّفولة" السّياسيّة مع تأسيسيّات جديدة للثّقافات "الدّيموقراطيّة" الذّيليّة، و إشاعة روحٍ سياسيّة "معاصرة" موجّهة وفق الصّياغات الدّوليّة العنيفة للنّظام السّياسيّ- الاقتصاديّ العالميّ للقرن الواحد و العشرين.

7- و هذا، مرّة أخرى، استدامةٌ "مئويّةٌ" للصّراع السّوريّ حول "الشّرعيّة" السّياسيّة في مستنقع مستقبلٍ عبثيّ، أو تقسيم مستفزّ يشمل الأراضي السورية المتاخمة للصّراعات المباشرة.

في مناسبة سابقة كان لنا فيها حديث في احتمالات المواجهة السّوريّة في إطار منظومة "المقاومة" الإقليميّة، لمشروع انفجار "الجنوب" السّوريّ و المواجهة المحتملة في حرب جديدة واسعة متعدّدة الأطراف و الخصوم و الأعداء، قلنا إنّنا نكاد نكون أمام مشروع معركةٍ كبرى، و ربّما إقليميّة هذه المرّة، بين "سورية" و "المقاومة" من جهة، و بين "الآخرين"، على مختلفهم، من جهة أخرى، و ذلك خارج جميع ما يسمّى بِ "قواعد الاشتباك" الإقليميّة الافتراضيّة على مدى عقودٍ من الزّمان.

أمّا اليوم فإنّنا نقول بأنّ هذا "الفرْض" السّياسيّ التّاريخيّ، سوف يمثّلامتحاناً كبيراً أو أخيراً لفلسفة "المقاومة" في المنطقة.. و كذلك في العالم أيضاً.

لا نظنّ أنّ عناصر الفكرة السّياسيّة العالميّة لهذه "الحرب" باتت مجهولة على أحد، هذا و لو أنّ ما تبقّى منها قيد الكتمان، هو ممّا لا يمكن للفكرِ السّياسيّ ضمّه إلى حظيرة المفاهيم و الرّؤى الإنسانيّة، و هو ما يخضع بطبيعته لقوانين أخرى تفوقُ الاستقراء.
غير أنّنا لسنا أبداً، هنا، في معرض التّوقّع و لا التّكهّن بقدر ما أنّنا نعمل على تفكيك العموميّات الإعلاميّة إلى عناصر على الأرض. و يبقى الأمر قابلاً لقراءات أخرى لا نجزم بعدم جدواها على الإطلاق.

إذاً، كما هو الأمر في "الجنوب السّوريّ"، فإنّ ما يُشبهه كذلك هو ما يدور في "الشّرق" من سورية و في "الشّمال". فالأمور أشباهٌ لأنّ ما تقوم به "سياسة العالم" لا يصدرُ عن أدمغةٍ مركّبةٍ بالعبقريّات و العقول الفذّة، و إنّما يصدر، في الأغلب، عن ساسةٍ هواةٍ يقضونَ آخر أعمارهم في العبث بعد أن لفظتهم كلّ المقامات السّالفات، و لو أنّهم في طريقهم يستثمرونَ و يستخدمون أكثر المخلوقات أو الكائنات الحيّة "إنسانيّة".. و عجزاً و شيطانيّة على وجه الأرض.

أقول ربّما يتّصل الجنوب السّوريّ بشرقهِ.. بسيطرةٍ إيقاعيّة من الشّمال أيضاً، بحيث يبدو العالم كلّه متفرّجاً في أكبرِ تحويل ديموغرافيّ في القرن الواحد و العشرين، لينضمّ إلى تاريخٍ يكون فيه الماضي من قبيل الذي لا يدَ فيه لأحدٍ في تغييره.

"الآخر" يصنع قدره.. و نحنُ يجب علينا أن لا نكونَ جزءاً سالباً، فحسب، من هذا القدَر..!

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

June 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
28 29 30 31 1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 1
عدد الزيارات
1190610