النهج السياسي لـ واشنطن في سوريا.. ضياع استراتيجي

يكتب افتتاحية فينكس هذا الأسبوع الأستاذ أمجد إسماعيل الآغاأ أمجد الآغا

انطلاقاً من  المرتكزات الأساسية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة اعتمدت على جُملة من النُقاط الأساسية، لتُكون نهجاً في رسم السياسيات الأمريكية في المنطقة، هذه النقاط تمحورت حول ضرورة التعاون مع روسيا، مع الأخذ بعين الاعتبار المصالح الاستراتيجية لـ موسكو في الشرق الأوسط، إضافة إلى العمل مع الشركاء الإقليمين على تقليص النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة، مع بلورة الجهود من أجل تفكيك فصائل المقاومة المدعومة من إيران، عبر اعتماد سياسية قطع الأذرع الإيرانية في المنطقة، و فرض عقوبات تُحقق شرخاً بين الشعب الإيراني و حكومته، يُضاف إلى ذلك، تكثيف الجهود الدولية و الإقليمية للقضاء على "داعش"، و طي صفحة الإرهاب المتمدد من سوريا إلى دول الجوار.

النقاط السابقة تُشكل الملامح العامة للسياسية الأمريكية في الشرق الأوسط، لكن قد تتغير هذه الاستراتيجية بحسب التطورات الإقليمية الناظمة للمسارات السياسية و العسكرية في المنطقة و تحديداً في سوريا، فالإدارات الأمريكية المتعاقبة نظرت إلى سوريا و موقعها من منظور استراتيجي، على اعتبار أن سوريا تملك من المقومات ما يجعلها فاعلا و مؤثرا في قضايا الشرق الأوسط، لذلك بقيت السياسية الأمريكية تُجاه سوريا في إطار البحث عن بواعث تُمكن واشنطن من العبث بالجغرافية السورية، مع بقاء التأرجح السياسي عنواناً عريضاً للممارسات الأمريكية في سوريا، فما بين التصعيد و التأزم في النهج الأمريكي المرتبط بقدرة الدولة السورية على تهديد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، انتقلت واشنطن إلى سياسية خلق التناقضات عبر إدارة نتائج الميدان السوري، و البناء عليها بما يتوافق و جوهر الاستراتيجية الأمريكية، مع الاعتماد على أدوات إقليمية و محلية تكون ذراعاً عسكرية لـ واشنطن في سوريا.

غياب التوجهات الاستراتيجية لـ واشنطن في سوريا

الواضح أن ما حققته الدولة السورية من منجزات عسكرية و سياسية، جعل واشنطن تتخبط استراتيجياً، مع فقدانها بوصلة الأهداف التي اعتمدتها مع بداية الحرب على سوريا، و على الرغم من محاولات واشنطن العبث بالمنجزات السورية عبر اجراءات سياسية ذات طابع عسكري، إلا ان غياب التوجهات الأمريكية و ضياعها، أفقدها الزخم العسكري و السياسي في فرض المعطيات و الوقائع، لتأخذ من ورقة محاربة الإرهاب ذريعة تُبقيها قريبة من الجغرافية السورية، فقد شكل تنظيم داعش استثماراً أمريكياً جاء في التوقيت المناسب، ليصبح هذا التنظيم أحد أهم أهداف السياسية الخارجية لـ واشنطن، و لا ضير من تعاون روسي في هذا الإطار، فقد أعلن ترامب في وقت سابق، أن لا مشكلة في ترك روسيا تحارب التنظيمات الإرهابية في سوريا، معلناً أن تنظيم داعش الذي تحاربه روسيا تسعى أمريكا بدورها للقضاء عليه، بمعنى أن المنفعة مشتركة، وبالتالي فالعنوان الأساسي للخطة الأمريكية في هذه المرحلة هو إلحاق الهزيمة النهائية بتنظيم داعش، و العمل دولياً من أجل منع انبعاثه مُجددا، لذلك و عبر سياسية المناورة، رأت الإدارة الأمريكية أن هناك ضرورات تُحتم بقاء عدد من الجنود الأمريكيين في سوريا، هذه الضرورة الأمريكية شكلت منعرجاً هاما في جُزئيات السياسية الأمريكية، فالهدف لا يقتصر على محاربة التنظيمات الإرهابية، بل تسعى واشنطن إلى زعزعة ما تم تحقيقه سورياً و روسياً و إيرانياً، و عليه فإن التوجه الأمريكي يصب في بوتقة التخبط المنبعث نتيجة الخوف من سوريا و حلفائها.

ضمن ما سبق، من الجدير أن نُذكر بما أشار إليه "نيكولاس هاريس" الذي يعمل في "مركز الأمن الأمريكي الجديد"، فقد قال: " الولايات المتحدة قد مرت بالعديد من التقلبات السياسية والتكتيكية في سوريا، حيث أن كلاً من إدارة باراك أوباما و دونالد ترامب ركزتا على التعامل بدقة شديدة مع التدخل الأمريكي في سوريا".

أما " تشارلز ليستر" من "معهد الشرق الأوسط" فقد قال: "إن إدارة ترامب استغرقت وقتا طويلا لتصبح جسماً متماسكاً وفعالاً عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع القضايا المعقدة والمستمرة مثل سوريا"، مضيفا أن "الموقف الجديد للولايات المتحدة هو فكرة جيدة، فقط إذا ما تم دعم هذا الموقف بحزمة موثوقة من النفوذ ومع ذلك يتعين علينا جميعا أن نضع في اعتبارنا عدم القدرة على التنبؤ بالرئيس ترامب، الذي سيواصل حدثه بتشجيعه بالانسحاب من سوريا".

الواضح أن السياسية الأمريكية في سوريا تتسم بالتقلب و الضياع، لذلك نجد أن السياسية الأمريكية لجهة التعامل مع أدواتها تعتمد على توريطهم و من ثم التخلي عنهم، فـ واشنطن غير قادرة على إعادة خلط الأوراق في الشأن السوري، و إنما تحاول جاهدة أن تقوم بتنفيذ عمليات تقليم الأظافر، رغبة من واشنطن من أجل الاستمرار بالعبث في الجغرافية السورية، لكن و مع وجود معادلة استراتيجية سورية، يبدو إن واشنطن تستمر في البحث عن أوراق جديدة تُمكنها من اعتماد توجهات جديدة لسياستها في الشرق الأوسط و سوريا تحديداً.

August 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
28 29 30 31 1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
7563859

Please publish modules in offcanvas position.