مآزق الكرد و حوار الضرورة مع دمشق

أ أمجد الآغاافتتاحية فينكس هذا الأسبوع بقلم الأستاذ أمجد إسماعيل الآغا

رغم الدعم الدولي الهائل للكرد في توجهاتهم، إلا أن الطبيعة المقعدة لعلاقاتهم الإقليمية، لا تسنح لهم بتأسيس شبكة تحالفات قد تُثمر استقراراً داخلياً في مناطق تواجدهم، تُشكل في حيثياتها بداية لكيان مستقل شرق سوريا، حيث أن جُملة الخيارات و الأوراق التي كانت بيد الكرد، بدأت تتلاشى نظراً للتطورات السياسية و الميدانية التي فرضتها الدولة السورية و جيشها، و نتيجة لذلك، برز عامل مؤثر في هذا المضمار، و الذي يتمثل بالموقف الإقليمي و الدولي من توجهات الكرد الانفصالية، فضلا عن مُستجد ثقيل أرهق الكرد و أدخلهم في محدودية الخيارات، فـ القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا، و ما تبعه من تعقيدات و تناقضات أرخت بنتائجها على طريقة التعاطي مع الملف الكردي، في هذه الأجواء، أدركت واشنطن أن مواصلة اللعب على تناقضات الموقف التركي حيال الكرد، سيُدخلهم مع تركيا الأطلسية في إطار القضايا الخلافية، و هذا الأمر سيزيد التباعد بين ما يجمع الأمريكي و التركي في ما يخص قضايا إقليمية و دولية، لا يمكن أن تكون بعيدة عن تأثيرات أنقرة. في مقابل ذلك، هناك بُعد استراتيجي أمريكي يتمثل بالاستمرار في استخدام ورقة الكرد، و ما تُشكله من ضواغط قد يُمرر من خلالها مكاسب سياسية، و بين التوجهات الأمريكية و الهواجس التركية، فقدَّ الكرد العامل المؤثر في المسارات السياسية، و كـ نتيجة طبيعية لتطورات الأزمة السورية، وجد الكرد أنه لا بدّ من فتح حوار مع الدولة السورية، لكنه حوار لن يكون إلا امتداداً و مساراً لمنجزات دمشق السياسية و العسكرية.

تطورات متسارعة شكلت في جزئياتها عاملاً ضاغطاً على الكرد، الذين باتت خياراتهم محدودة للغاية، و بغض النظر عن مسار التطورات المستقبلية لنتائج الانسحاب الأمريكي من سوريا، يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للشرق الأوسط ككل، تضع الكرد أمام تساؤلات كبرى، و باتت هواجسهم تتمحور حول الدور الأمريكي الباحث عن تفاهمات تُرضي تركيا، لا سيما الحديث الأمريكي عن منطقة آمنة، كل هذا أدخل الكرد في دوامة الأسئلة المفتوحة و التي تحتاج إلى أجوبة يقينية، فـ في ضوء التفاهم الأمريكي التركي على مبدأ المنطقة الآمنة، من المنتظر أن تخضع هذه المنطقة للتفاوض مع الجانب الأمريكي في الأيام المقبلة، ما يُفسر دعوة مجلس سوريا الديمقراطية إلى إقامة منطقة آمنة شمال سوريا تحت رعاية وإشراف دولي، فقد رفض المجلس خلال اجتماع في بلدة عين عيسى في ريف الرقة الشمالي، أي منطقة آمنة تحت الإدارة التركية، مشددا على ضرورة إيجاد منطقة آمنة تحت رعاية وإشراف دولي، أو منطقة حظر جوي لشمال وشرق سوريا، وأكد المجلس على ضرورة الحوار السوري -السوري وفتح علاقات دبلوماسية مع الدول العربية والإقليمية، والتواصل مع المعارضة في الخارج من أجل استقطابها والاستمرار في العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن على الرغم من قرارها بالانسحاب من سوريا، و بالتالي يبدو واضحا أن الكرد يرفعون سقف مطالبهم، و يوجهون رسائل مبطنة لـ دمشق، مفادها ضرورة منحهم بعض الامتيازات السياسية، بعد أن تم التخلي أمريكياً عن خدماتهم، على الرغم من التطمينات الأمريكية و التغريدات الترامبية.

قد بات واضحا أن فكرة انشاء اقليم كردي في شمال سوريا، لم يعد مطروحاً للنقاش، وإذا ما أنشئت فعلاً منطقة آمنة شرق سوريا خاضعة للنفوذ التركي، فـ من المؤكد أن يكون الشرق السوري كاملا ضمن مرمى الأهداف التركية، و التي تُمهد في مرحلة لاحقة إلى ضمه للدولة التركية، ضمن هذا المعطى، لن يكون أمام الكرد إلا خيارين، الأول التعاون مع التركي و الانغماس في مخططاته و هذا خيار مُستبعد نظرا للعديد ن الأسباب المرتبطة بالعلاقة الدموية التاريخية بين الكرد و تركيا، و الثاني العودة إلى حضن دمشق و تسليمها كافة أوراقهم و هذا الخيار يبدو أقرب إلى التعاطي، فـ تجارب الكرد أظهرت ان التطورات البعيدة عن توجهاتهم، قد تضعهم في مأزق جديد، وبالتالي، فقد بدأ الكرد حوارهم مع الحكومة السورية، وخلافاً لتوقعات أنقرة، فقد تمكن الكرد من التوصل إلى حل حكيم والبدء في التعاون مع الحكومة السورية، والذي سيؤدي بدوره إلى تحقيق الكثير من النتائج الإيجابية لجميع الأطراف السورية، على الرغم من أنه في نفس الوقت تسبب في غضب وقلق الجانب التركي والأمريكي وبعض الدول العربية في المنطقة.

الكرد و عطفاً على جُملة المتغيرات التي فرضتها الدولة السورية على مسارات الحرب المفروضة عليها، فهم أحوج ما يكونون إلى حوار مع دمشق، خاصة و قد باتت الطرف الأقوى سياسيا و ميدانيا، و ذلك نتيجة العديد من المعطيات و التي من الممكن أن نُجملها في قضايا ثلاث:

أولاً: بالنظر إلى مناطق سيطرة الأكراد التي تحتوي أعراق و قوميات متعددة، فقد برزت في الآونة الأخيرة تحركات احتجاجية ناجمة عن طريقة تعاطي الكرد مع باقي القوميات و الأعراق، و بالتالي بات لزاما عليهم  أن يتعاطوا بإيجابيةٍ أكثر مع مختلف المكونات في مناطق سيطرتهم، و تغيير مسارهم عبر التوجه إلى دمشق لوضع خارطة طريق تضمن لكل المكونات الحصول على الخدمات الاجتماعية و الادارية.

ثانياً: من الملاحظ أنه لا يوجد تجاوب دولي مع قضية فيدرالية الكرد، و حتى الأمريكي الحليف الأبرز لهم لا يريد الضغط سياسيا تجاه هذه القضية، لكن واشنطن و عبر مراوغتها السياسية تريد فقط أن تستخدم هذه الورقة للضغط على الدولة السورية و روسيا، بالتالي بات يدرك الكرد بأنهم ورقة ضغط بيد الأمريكي، و من المؤكد بأنه سيتم التخلي عنهم عاجلا أم أجلا ضمن التسويات الكبرى.

ثالثا: إن المتابع لتطورات الشأن السوري، بات يدرك بأن الكرد فقدوا الثقة بحليفهم الأمريكي، خاصة أن واشنطن خذلتهم أكثر من مرة و في أكثر من مناسبة، فكيف اليوم بعد الإنجازات الاستراتيجية التي تحققها الدولة السورية في السياسية كما الميدان، بالإضافة إلى أن الرغبة الدولية بالعودة إلى دمشق باتت واضحة، و بالتالي لابد من إنعطافة نحو الدولة السورية، فهي القادرة على ضمان حقوقهم و آمنهم، في ظل تجاذبات و تعقيدات لن تكون إطلاقا في صالح الكرد إذا ما استمرا في اتباع سياسية البحث أوراق قوة، لاستخدامها على أي طاولة مفاوضات.

في المحصلة، و ضمن جزئيات التطورات المتسارعة، على الكرد أن يدركوا أن مصير القوات الأمريكية و التركية لن يبقى رهنا بسياسات ترامب و أردوغان، بل سيكون مصير هذه القوات رهنا بيد الدولة السورية و جيشها، و بالتالي على الكرد التفكير بعقلانية و الابتعاد عن الأمريكي، ليبقوا ضمن المعادلة السورية، هذه المعادلة التي فرضتها إرادة الانتصار السوري، و لابد للكرد من تعميق تحالفهم مع دمشق، من أجل إحباط أي مخطط أمريكي أو تركي يهدد الوجود الكردي في سوريا.

February 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 1 2

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5419761

Please publish modules in offcanvas position.