الصفحة الرئيسية

هزيمة داعش في الموصل.. القادم أخطر

يكتب افتتاحية فينكس, هذا الأسبوع, الأستاذ يحيى زيدو

رسمياً، تم تحرير (الموصل) العراقية من قبضة تنظيم (داعش) منذ عدة أيام.. مبارك للعراقيين هذا الانتصار، و عقبى للسوريين أيضاً.
كالعادة، برز الاختلاف على توصيف ما حصل في الموصل؛ فالذين قاتلوا داعش من موقع إيديولوجي- سياسي، و أولئك الذين كانوا ضحايا ممارسات هذا التنظيم الإرهابي، اعتبروا أن ما حصل هو انتصار كبير وعظيم. أما الذين صنعوا (داعش) و موَّلوه بالمال و السلاح و الكوادر، و تخادموا معه، سهّلوا له أعماله الإرهابية و سيطرته على مساحات من الأراضي العراقية و السورية، فقد اعتبروا ما حصل هزيمة في مواجهة المشروع الإيراني في المنطقة.
في كل الحالات، فإن ما حصل في (الموصل) يعني سقوط معقل هام من معاقل داعش، قد يؤسس لهزائم أخرى لهذا التنظيم مستقبلاً.
لكن الأمر يحتمل قراءات أخرى.، لأن (داعش) ليس تنظيماً إرهابياً إسلاموياً دولياً وحسب، بل هو ترجمة و تجسيد حقيقي لسياسات اقليمية و دولية، تواطأت و تخادمت مع داعش بناء على أجندات الصراع التي اقترحتها؛ سواء كان صراعاً سنياً- شيعياً، أو تركياً- سعودياً، أو ايرانياً- عربياً، أو روسياً- أمريكياً، أو عربياً- عربياً.
هذه الأجندات هي التي أدت إلى خلق و تنمية و تطور و تَغَوُّل (داعش) على باقي التنظبمات الارهابية التكفيرية، بما في ذلك التنظيم- الأم: تنظيم (القاعدة).
و بالتالي فإن ما حصل في الموصل، في أحد وجوهه، هو هزيمة للسياسات الاقليمية و الدولية التي أنتجت داعش، و مكَّنته من فرض أجندته الخاصة على هامش الصراعات القائمة في المنطقة.
و الواقع أن (داعش) لم يهزم بالمعنى الحقيقي للهزيمة؛ لأن الدول و الحكومات و المنظمات و الأفراد الذين أسهموا في خلق (داعش)، مازالوا قادرين على خلق عشرات التنظيمات التي قد تكون أكثر خطورة و توحشاً و إرهاباً من (داعش) أو (القاعدة) أو (النصرة) أو (الأخوان المسلمين).
و كما خرجت عشرات التنظيمات الإسلاموية من رحم (الأخوان المسلمين)، و عشرات التنظيمات التكفيرية من رحم (القاعدة)، فإنه من المرجح ظهور عشرات التنظيمات المنبثقة من حطام داعش، ما دامت السياسات الاقليمية و الدولية المتصارعة مستمرة في استراتيجياتها الحالية.

إن (داعش) لم يخلق من فراغ، بل هو تاريخ متصل من العنف و القتل حفظته الكتب الصفراء التي أرّخت لما يسمى (الفتوحات الإسلامية) أو الدموية في الحقيقة، و كرَّسته كتب الفقه والسيرة التي يتم حشو العقول بها (كعلف ايديولوجي مقدس) دون تدقيق... و لعل الإضافة النوعية لداعش كانت في استخدامه لأحدث تقنيات العصر من أجل تكريس الرعب كثقافة مرتبطة بالصورة النمطية لهذا التنظيم و أمثاله من التنظيمات الإرهايية التكفيرية الأخرى. و قد حافظ (داعش) على الأساس العقائدي في ممارساته التي اتخذت من (الوهابية) مرجعاً لها، وفق الذهنية الصحراوية البدوية المتوحشة التي تحركها عقيدة القتل والعنف و الثأر و الحقد و السبي، طبقاً لحاجات المخيلة الإغتصابية الإسلاموية، و التي تم تكريسها في مناهج الفقه و التدريس الإسلاموي خلال عقود طويلة.
إن المناهج الدراسية في الأزهر، و دول الخليج، و كليات الشريعة في كل الدول الإسلامية لا يوجد فيها ما يشير إلى تكفير أو رفض داعش، بل إن أكثر المناهج الإسلامية اعتدالاً تعتبر داعش بمرتبة المسلم مرتكب المعصية، لا يجوز تفكيره، و بالتالي لا تجب محاربته.
و من هنا فإنه من الخطأ اعتبار أن ما حصل في الموصل هو هزيمة استراتيجية لداعش، لأن (داعش) كتنظيم قد يتفكك أو ينتهي بمقتل قائده، أو بصراعات داخلية فيه، أو بتوافق دولي جدي على محاربته. لكن بوجود مناهج و كتب فقه يتم تدريسها و تكريسها في الحياة اليومية للمجتمعات الاسلامية، و في ظل وجود الفقر و نقص و تدني الخدمات الاجتماعية، و التخلف الاقتصادي، وتغول السلطات على المجتمعات، و فقدان الحريات، مع وجود مناهج دراسية (تربوية و تعليمية) متخلفة، فإن عشرات التنظيمات الإرهابية يمكن أن تظهر دائماً. و لعلها موجودة بالقوة في المجتمعات المتخلفة و الفقيرة ذات الثقافة الدينية، و هي تنتظر دورها لتنتقل من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل في التوقيت المناسب.

إن تاريخ التنظيمات التكفيرية و الارهابية قد أثبت أنه عندما يضعف أو ينهار تنظيم إرهابي، فإن التنظيم الذي ينشأ على أنقاضه يكون أكثر دموية و عنفاً و إرهاباً و تكفيراً.
إن (داعش) الحالي قد يضعف أو يتفكك، و ربما ينتهي. لكن التنظيمات التي ستظهر بعده ستكون أشد خطورة منه. و هنا لا بد من الانتباه إلى الجيل القادم من (داعش)، الذي يمكن اعتباره بمثابة (الجيل الخامس من تنظيم القاعدة)، جيل يمتلك أرقى منتجات التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، و لديه القدرة على التخفي و الاندماج في المجتمعات التي يوجد فيها على مستوى العالم، و هو يجيد التخفي والتمويه بشكل مذهل.
هذا الجيل هو خطر قادم على البشرية كلها.. و لن تسلم منه المجتمعات الأوروبية التي ربما كان خطأها التاريخي هو الاستقبال العشوائي لموجات الهجرة غير الشرعية، وخاصة الأخيرة منها.. و التي سينتج عنها بالتأكيد جيل جديد من (داعش) يتربى في أحضان الغرب، فيأخذ علومه من جهة، و يعمق إيمانه بإيديولوجيا القتل باسم المقدس الديني من جهة ثانية.
إن محاربة الجيل الإرهابي القادم ليس مسؤولية دولة بعينها، بل هو مسؤولية كل الدول، و على جميع المستويات بدءً بمناهج التربية والتعليم، مروراً بتحسين الاقتصاد ووالخدمات وصولاً إلى خلق ذهنيات و بيئات رافضة للتطرف و الإرهاب على مستوى العالم, من دون استثناء الإرهاب الصهيوني الذي يشكل مع الإرهاب الوهابي أصلا الشرور في المنطقة و العالم.

إن ما حصل في الموصل هام جداً.. لكن الأهم لم يحصل بعد.

فماذا نحن و غيرنا فاعلون؟..
و ماذا أعددنا لمواجهة الجيل الإرهابي القادم سواء من (القاعدة) أو من (داعش) أو (الأخوان المسلمين)؟!

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

August 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 31 1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31 1 2
عدد الزيارات
1466726