الصفحة الرئيسية

حازم مبيضين: حين يضرب الإرهاب تركيا

تعيش السلطات التركية اليوم في أجواء سياسية وأمنية مشحونة، بعد حادث الملهى ليلة رأس السنة، الذي خلّف 39 قتيلًا وعدداً من الجرحى، ولايزال المجرم طليقاً، وبعده انفجار سيارة مفخخة أمام محكمة بولاية أزمير، أسفر عن مقتل شرطي تركي وموظفحازم مبيضين في المحكمة وجرح آخرين، بالإضافة إلى مقتل منفّذي العملية بعد ملاحقتهم من قبل قوات الأمن، علماً بأن تركيا تعرضت ل 33 عملية إرهابية منذ 2015 حتى الآن، وبلغ عدد ضحاياها 7900 شخصا، ويرى كثيرون أن كل هذه التطورات، إضافة إلى ما جاء بعد الانقلاب الفاشل من تصفيات لكل خصوم أردوغان، بأن العملية الديمقراطية في تركيا دخلت دوامة العنف والموت، وأن السحر ينقلب على الساحر، فعمليات الإرهاب تتبناها داعش، التي كانت حظيت بدعم السلطات التركية، التي سهّلت مرور "مجاهديها" إلى الأراضي السورية لإقامة دولة الخلافة، ومرّرت لهم الأسلحة، قبل أن تنقلب على التنظيم الإرهابي، انصياعاً للمتغيرات السياسية والميدانية، وإرضاءً لحليفها الجديد في الكرملين.

لعل حكومة "العدالة والتنمية" الإخونجية التوجّه والأفكار والممارسات، فوجئت برد الفعل الشعبي على جريمة ملهى رينا، حيث اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي موجة من التعليقات تبارك هجوم داعش، ويرى بعضها أنّ من يذهب إلى تلك الأماكن، يستحق كل ما قد يواجهه هناك، غير أن الصحيح هو أن الهجوم كان نتيجة لسياسات الحكومة الداعمة لجماعات مسلحة في سوريا، وكردّ داعشي على الهجمات الجوية، وغيرها من العمليات العسكرية التي تنفذها حكومة أردوغان على عناصر التنظيم في سوريا، ومع المفاجأة التي غفلت أنقره عن توقعها نتيجة سياساتها، فإن ما تلجأ إليه من تدابير انتقامية واسعة، ستكون سبباً في تقويض الديمقراطية التركية بشكل خطير، ويبدو قفزاً على الحقيقة والواقع ما قاله أردوغان، بأنّ هدف الهجوم هو إثارة الانقسام والاستقطاب في المجتمع، وهروباً إلى الأمام محاولته طمأنه شعبه، بالزعم أنه ليس هناك خطر ممنهج يهدد نمط حياة أحد في تركيا.

الواضح اليوم عند كل ذي بصر وبصيرة، أن الهجمات الإرهابية التي تضرب قلب المدن التركية، تشي بأن تركيا اليوم في بؤرة الاستهداف المباشر، فمن عاصمتها السياسية "أنقره" إلى عاصمتها السياحية "اسطنبول"، مروراً بالمناطق الكردية تتوالى العمليات الإرهابية وتتصاعد وتيرتها، لتكتب لسلطات أردوغان بدم الأبرياء رسائل سياسية، تتعلق بتدخلها العسكري في سوريا ضد الكرد والدواعش، ووضعها الجميع في سلة واحدة يجب القضاء عليهم، طبعاً بعد التراجع عن هدف إسقاط الأسد، لتحل محله حكومة إخوانية تابعة للعدالة والتنميه، وهنا يبدو الخلط واضحاً في تخبط حكومة أردوغان، حيث نرى بعد كل تفجير توجيه الاتهام إلى داعش وحزب العمال الكردستاني، رغم اختلافهما في الأهداف والبرامج والأيديولوجيا، وقبل هؤلاء كانت الاتهامات تنهال على مؤيدي فتح الله جولن، وهم كثيرون ومتغلغلون في مفاصل المؤسسات والدوائر الحكومية، وبمعنى أن الحكومة تفتش دائماً عن عدو حتى وإن كان من اختراعها أصلاً.

هناك من يرى أن العمليات الإرهابية على صلة بالصراعات في المؤسستين العسكرية والأمنية، وأن "الدولة السرية" التي يتحدث عنها أردوغان، هي حقيقة قائمة في صلب بنيان النظام السياسي للبلاد، ويرى هؤلاء أن التفجيرات تعكس ذلك، لأن هناك جهات داخل المؤسستين العسكرية والأمنية ترفض سياسات أردوغان الداخلية، والتي تنحو منحى الأسلمة التدريجية وتغيير هوية الدولة والمجتمع، للتخلص من إرث أتاتورك العلماني، وما يترتب على ذلك من خيارات سياسية داخلية وخارجية، غير أن هذا التصور يتضارب مع رؤية البعض بأن العمليات الإرهابية من صنع داعش، الذي يتلقى ضربات موجعة في العراق وسوريا، بتأييد من أنقره، وبحيث بات مقتنعاً بأن تحولات السياسة التركية تجاه الأزمة السورية، والتقارب مع موسكو وطهران، مبرر لاستهداف أراضيها.

وبعد، فإن الظروف التي تمر بها تركيا، والفوضى الضاربة أطنابها، قد تستدعي تدخل الجيش لاستعادة التوازن ونشر حالة من الهدوء، وربما لقطع الطريق أمام الانتقال إلى النظام الرئاسي، الذي يسعى أردوغان لفرضه بغرض تعزيز سلطاته، بعد أن أطلق البرلمان المُدجّن قطاره، ليقضي على الديمقراطية والعلمانية في آن معاً.

الصباح "العراقية"

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4034824