في مناسبة اجتماعية قبل حوالي السنتين، سألني أحد الحضور، وكان أستاذاً جامعيّاً يدرّس العلوم السياسيّة في إحدى جامعات منطقة نيويورك: من أين أنت؟ أجبته «من العراق». فقال: «آه. ما يحدث هناك مؤسف فعلاً». (كانت «داعش» قد احتلّت الموصل وبدأت بتدمير الكثير من المعالم والأماكن الأثريّة فيها وفي نينوى). أضاف: «أتعرف؟ الخسارة ليست في البشر. فهناك الكثير منهم وهؤلاء يمكن تعويضهم. ما يحزنني هو الآثار النادرة التي لا يمكن تعويضها أبداً».
لعلّه أخفق في التعبير؟ أو أنها حالة شاذّة من انعدام الحساسيّة؟ كلا، ليست هذه حالة استثنائيّة أو معزولة، بل إنّ ما قاله تنويع على خطاب مترسّخ وسائد. يلحظ المرء منطق هذا الخطاب في الأسلوب الذي تُصاغ به التقارير والأخبار في وسائل الإعلام الغربيّة وكذلك معظم الردود على أفعال تدمير التراث الثقافي، خصوصاً في الفترة الأخيرة. فالشعور بفداحة الخسارة التي لا تعوّض، وبالحزن العميق، إزاء فقدان الأشياء وتضرّر الأماكن، التي تُعتبر جزءاً من تراث «عالميّ» و «مُشْتَرك»، لا يمتد دائماً، أو بالمقدار نفسه، ليشمل البشر الذين يعيشون (أو يموتون) بالقرب من تلك الأشياء والأماكن. ونحن نجد في الغالبية الساحقة من ردود الفعل (في شمال العالم) إزاء التدمير الذي يحلّ بالتراث في العراق وسوريا تنويعاً على مقولة الأستاذ الجامعي أعلاه. فيغيب البشر كليّاً، أو يصبحون تفصيلاً هامشيّاً عابراً، مقابل الأحجار والمباني التي اكتسبت قيمة حضاريّة وثقافيّة لأسباب تاريخيّة.
لم يتردّد أحد محرّري «نيويورك ريڤيو أوف بوكس» في المطالبة بتدخّل عسكري العام الماضي لحماية المواقع الأثريّة، ودعا إلى اعتماد مبدأ «مسؤولية الحماية» الذي يُستخدم لتبرير التدخّل العسكري لإيقاف عمليّات إبادة البشر ليطبّق لحماية التراث الثقافي. دعا وزير الثقافة الإيطالي إلى تشكيل قوة دوليّة للتدخّل السريع للدفاع عن المواقع الأثريّة في مناطق الصراع. واستخدم البعض مصطلح «التطهير الثقافي» على غرار «التطهير العرقي».
ليس هذا الخطاب وليد السنتين الأخيرتين. يمكننا العودة إلى حرب الخليج العام 1991 للعثور على الدعوات ذاتها إلى حماية الآثار (بينما كان العراق يُقْصف إلى ما قبل العصر الصناعي، كما قال بيكر عن 1991) وكذلك 2003. الإشكالية، كما يقول باحث الآثار اليوناني يانيس هاميلاكس، هي في أن نرى الأرض «مليئة بالتحف والمواقع الثمينة ولكنّها خالية من البشر». ويذكّر بأنّ مفهوم «الأرض الخالية» يعود إلى الفكر الاستعماريّ. الإشكالية الأخرى هي «الردود المجرّدة اللاسياسيّة» التي تنسى أن سياسات الحرب والحصار (في السياق العراقي) هي التي أدّت إلى تدمير مؤسسات الدولة واقتصادها وجعل آثارها فريسة لسوق الآثار العالميّ. يقول ماغواير غبسون، أستاذ الآثار الرافدينيّة في جامعة شيكاغو، الذي عمل في التنقيب في العراق لسنين: لم يشهد العراق بين 1936 و1991 نهباً ولا دماراً بالحجم الذي شهده بعد حرب الخليج عام 1991، وبالذات بعد غزو عام 2003. لا شك أن نظام «البعث» استخدم التاريخ الرافديني في خطابه وأساطيره السياسية، وأن هوس صدام حسين ونرجسيته عبثا بآثار بابل. لكن علينا أن ننظر أيضاً إلى مسؤولية حاملي «مشعل الحضارة» وضرورة إنقاذ التراث العالمي الذين يساهمون في تدميره.
بقيت إشكالية أخرى تتعلّق بالتفسير التقليدي لمفهوم «التراث» الذي يلغي الحاضر الحيّ. من الضروري أن يتّسع مفهوم التراث لكي لا ينحصر بالـ «المتحفي» المرتبط بالماضي فحسب. أليست ملايين البيوت التي دُمّرت في سوريا واليمن جزءاً من التراث الحي؟ «لو أنّ الفتى حجر»