هل ينذر الموتُ الشيوعيين؟

أيّام قليلة تفصلنا عن ذكرى انطلاقة «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية». تلك الجبهة التي شكّل فيها الشيوعيون رأس حربة، عبر نداء أمينها العالم آنذاك، الشهيد جورج حاوي «إلى السلاح إلى السلاح». لكنّها حربة لا تشبه الحراب التي تقطر دماء وتجزّ أعناقاً، كما هي الحال اليوم، على امتداد هذا العالم العربي والإسلامي، أو على مساحة الكوكب عمومًا. وغالباً ما تتزامن هذه الذكرى مع أحداث تزيدها تميّزًا وحضورًا. فقد عوّدتنا «جبهة المقاومة الوطنية» أن يكون لها حضور بارز في ذكرى أيّام انطلاقتها، عبر عمليّات بطولية ضدّ العدوّ الإسرائيلي، خصوصًا في ثمانينيات القرن الماضي، أو عبر تزامنها مع حراكات شعبيّة مطلبية تذكّر مطلقيها بأنّ المقاومة تتشعّب، بين السلاح والصراخ ضدّ الفساد والحرمان. وهذا ما حصل في أيّام ذكرى الانطلاقة العام الماضي، حيث التظاهرات المطالبة بمحاسبة الطبقة السياسيّة، والتي دعت إلى تغيير النظام الطائفي وإيجاد نظام انتخابي يقوم على مبدأ النسبية.
وكما كانت الدعوة الى السلاح عبر نداء انطلاقة «جبهة المقاومة» مغامرة غير محسوبة في نظر الكثيرين، وانهالت عليها التصريحات المحبطة، خصوصاً بعد ليل الهزيمة التي ألحقت بالمقاومة الفلسطينية، وكان احتلال بيروت النتيجة الأكثر مأسوية وقتها، فإنّ الهجوم على الحراك الشعبي العام الفائت عبر تشويه صورته ومحاولة إجهاضه، حتّى قبل ولادته، كطريقة من طرق إضعاف روح العزيمة في شبابه المندفع، لم يختلف أبدًا عمّا تعرّض له حاملو السلاح المندفعون بطريقة عفوية في بداياتها. لكنّ نتائجها ومشاركة الفصائل الأخرى فيها، أحبطتا مخططات الذين راهنوا على الرضوخ والاستسلام والتكيّف مع واقع الاحتلال والهزيمة محليًّا واقليميًّا ودوليًّا. ولم ينتبه الشيوعيون وقتها إلى أهميّة الحدث المطلبي ليعيدوا بوصلة الصراع إلى اتجاهها الصحيح. بل فوّتوا عليهم فرصة إعادتهم إلى قلب الحدث الذّي يميّزهم ويكرّس حضورهم، خصوصًا أنّ شرائح من الجيل الجديد أعادت طرح التساؤل حول معنى الصراعات الطبقية التي غيّبتها الصراعات الطائفية والمذهبية عن صفحات قواميسهم.
وتأتي ذكرى انطلاقة جبهة المقاومة هذه السنة، مسبوقة بمشاهد أخرى لا تقلّ شانًا وخطراً عن باقي المشاهد السابقة، لما تحمله من دقّ جرس الإنذار، للشيوعيين اللبنانيين. فقد فرض الموت نفسه مجدّدًا، عبر تغييبه ثلاثة كوادر وناشطين حزبيين يشهد لهم التاريخ الحزبيّ النضاليّ، سواء عبر العمل العسكري المقاوم أم المطلبي المعيشي أم الثقافي الفكري، وهم جورج بطل وكمال البقاعي ورضوان حمزة. وقد أسهمت الصدفة أو الأقدار، في أن يكون موتهم متشابهًا، إذ جاء بعد صراع مع المرض. وكأنّ هذا التزامن بين رحيلهم وانطلاقة المقاومة التي كان رحيل كوادرها وأفرادها يتمّ عبر الاستشهاد في ساحات المعارك وميادينها، أو عبر اغتيالات بكواتم الصوت، لكنهم غالبًا ما تغلّبوا على هذا الكاتم بأصواتهم ونداءاتهم، فلم يتخلّفوا عن مواعيد حتفهم حين كان لا بد منه. كأنّ هذا التزامن، تذكير لرفاقهم أنّ الموت على أسرّة المرض، بعيدًا من سوح النضال ليس من عادة المناضلين، لا بل هو تعكير لصفو جوهر القضية. وكأن هذا النوع من الموت لا يُرضي صاحبه، ولا يرضي المراقب من بعيد أو قريب لدى رفاق السلاح والحراكات المطلبية الأخرى. ليس في الموت من خير يمكن التعويل عليه، إلا إذا كان موتًا من أجل الحياة عبر عمليّة جدليّة تشبه موت الزهر لبزوغ فجر الثمر. فليس في الإمكان أن نقول، إنّ لرحيل هؤلاء الكوادر جانبًا إيجابيًّا. فالخسارة لا يمكن تعويضها إلا بما يجعلها مناسبة أو فرصة تجعل من الموت تعبيدًا لطريق الحياة، كما كان يأمل هؤلاء ويحلمون بموت يشبه حيواتهم.
إنّ الحزب مطالَب أن يتعامل مع هذا الإنذار، المتزامن مع أبرز حدث جعله يتثبّت على مسرح الصراعات المحلية والإقليمية والدولية، وأن يتدارس مغزى ما حصل بجديّة. فالموت فرادى طريق نحو الموت الجماعي، وإذا كان الاستسلام لمشيئة الموت أمرًا طبيعيًّا وواقعًا لا يمكن تجاوزه، فإنّ اللاطبيعي هو الاستكانة والاستسلام لأسباب الموت. والحزب الشيوعي، وغيره من الأحزاب اللاطائفية، تحيق به عوامل كثيرة، تجعل منه عرضة للموت السريري.
لكنّ الفرصة لا تغيب كليًّا. ففي ظل هذه الأجواء المطبقة، وفي ظل مشاهد الدماء وقطع الرؤوس لأسباب مذهبية وقبلية ضيقة، يبقى الأمل معقودًا على الحركات التي تستقي وجودها من جماهيرها اللاطائفيين واللامذهبيين. وكثيرة هي المحطات التي كادت أن تودي بوجود مثل هذه الأحزاب، لا بل أودت ببعضها وقضت عليه كليًّا، كالانخراط في الحروب الأهلية الضيقة ضمن الصفّ الواحد، أو كاحتلال إسرائيل الأراضي اللبنانية وفصل القيادات عن القاعدة عبر الاعتقالات والقتل، بالإضافة إلى اغتيالات كبار القادة السياسيين والفكريين... ومع ذلك استطاع الحزب الشيوعي أن يثبت أنه موجود، لكن كجثّة لم تُوارَ بعد. وما تقدّمه الحركات الدينية اليوم عبر لعبها جميع أوراقها يُعيد للحركات الحزبية العلمانية فرصة جديدة لتقديم البديل الذي يُرضي الجمهور، خصوصًا في عالمنا العربي الذي دخل في نفق من نيران الحروب الدينية.
ليس تزامن موت هؤلاء الكوادر مع ذكرى انطلاقة المقاومة، إلا إنذارًا جديدًا لبقية الحزب، وتذكيرًا لهم بضرورة توجيه بوصلة الصراع من جديد.

علي نسر

السفير

February 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 1 2

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5380278

Please publish modules in offcanvas position.