الصفحة الرئيسية

جولن فزاعة أردوغان والاخوان

تصدر الداعية التركي فتح الله جولن وسائل الإعلام، بعد اتهامه من قبل أردوغان بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشله، وكانت تلك التهمة ذريعة لتصفية كل خصوم السلطان العثماني الجديد، خصوصاً أتباع جولن ومريديه، مع أن الرجل كان حليفاً لأردوغان، وقد جمعتهما سابقاً فكرة مركزية، أساسها العمل ضد نفوذ الجيش الحارس لعلمانية أتاتورك، لكن أياً منهما لم يستعدي العلمانية الأتاتوركية، طمعاً في كسب القوميين والأقليات، الراغبين في التخلص من الإرث العثماني الذي منح الجمهورية جيشاً من أقوى جيوش المنطقة، حاز لقب صانع الملوك، تعبيراً عن دوره في اختيار الحكومات إما بالتراضي أو بقوة الانقلاب، وهذا ما أدركه أردوغان وجولن فكلاهما يلتقيان عند هدف تطهير الدولة من نفوذ الأتاتوركيين ونفوذ المؤسسة العسكرية، لكنهما اختلفا حين تعلق الأمر بدورهما الاقتصادي وتقاطع مصالح عائلات وأسر نافذة من الجماعتين، حيث قدرت ثروة جماعة جولن ما بين 25 إلى 30 مليار دولار، وانفجر خلاف الرجلين على خلفية تطلعات أردوغان السياسية،  ووقوفه إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين، الذي أسفر عن سياسة تدوير المشاكل، بديلاً لسياسة تصفيرها، في حين انتهج جولن سياسة التقارب مع واشنطن وتل أبيب، للإلتفاف على الدور الإيراني "الشيعي" المتنامي في المنطقه، مع الإصرار على تنفيذ المطالب الأوروبية لضمان الانضمام للاتحاد الأوروبي، وأدى ذلك إلى تضييق الخناق على جماعته اجتماعياً واقتصادياً، ووصفها رسمياً بالكيان الموازي، ما دفعها لكشف ملفات فساد عند حكومة أردوغان، والواضح أن صراع الرجلين ليس أيديولوجياً وإنما هو سياسي ستراتيجي، حول توجه الدولة وطبيعة تحالفاتها في المنطقة.

تبارى المحللون على صفحات الصحف والفضائيات، في تحليل الحدث التركي دون معرفة تاريخ جولن، والإجابة على سؤال هل يمكن لأردوغان أن يعيد التحالف مع جولن نفسه، خصوصاً وأنه يطرح نفسه زعيما لكل الأتراك، وأن عليه الاستفادة من أموال وخبرات أتباع جولن، وليس من مصلحته الاستغناء عن طائفة من أبناء الشعب، فقط لأنهم لا يوالونه، وهو القادم إلى السلطة عن طريق صندوق الانتخاب، وسيذهب يوماً ما عن طريقه، ولأنه لا بد من كسب معركة دمقرطة الحياة السياسية و الثقافية، المبنية على انصهار مكونات الشعب التركي، و بناء مجتمع يؤمن بالمسار الديمقراطي في الحكم، وأنه لا بد من الانفتاح على المعارضة السياسية، التي ساندت الديمقراطية ووقفت ضد الانقلاب، رغم خلافاتها السياسية مع العدالة والتنمية، ولن يتحقق الخير ما لم ينخرط كل أبناء الشعب ومكوناته في العملية السياسية، في إطار المسلمات الديمقراطية، والسماح للآخر بالعمل والنشاط خدمة للبلاد وفق مدنية النظام، وأن لا مصلحة تعلو فوق مصلحة الوطن.

يرى بعض المحللين أن أردوغان، المعروف بقدرته على بناء وهدم التحالفات  التكتيكية والإستراتيجية، سيتجاوز الأزمة الراهنة بمد يده إلى معلمه القديم من موقع القوة، فقد ظل لفترة طويلة حليفاً ستراتيجياً له، وكان من تلاميذه، ولطالما طالبه بالعودة إلى وطنه، قبل أن يتحول هذا الذي كان أردوغان يطلب بركته، إلى شيطان رجيم يطلب أردوغان رأسه، ويصفه بأقذع الصفات ويتهمه بالمسؤولية عن كل ما تمر به تركيا من عثرات وأزمات، ويعرف كل من تابع صعود نجم أردوغان، أنه استخدم المؤسسات التي صارت في نظره من مكونات الدولة الموازية لتحقيق طموحاته السياسية، متبعاً نهج الإخوان المسلمين، وهو نفس النهج المتبع من جولن في بنائه لحركته، التي يسميها أردوغان اليوم بالدولة الموازية، فهما ينهلان من نفس المصدر مع اختلاف الأسلوب، فأردوغان يسعى لتحقيق الهدف من خلال الإسلام السياسي، بينما يعمل جولن على ذلك من خلال الإسلام الاجتماعي.

الصراع بين الشخصين ليس وليد الانقلاب الأخير، فقد ظهر واضحاً منذ العام 2013، حين أغلقت حكومة أردوغان مجموعة من المؤسسات التعليمية التي يديرها جولن عبر جماعته بحجة الإصلاح التعليمي، وهي مؤسسات سابقة لمجيء أردوغان وحزبه للحكم، وإذ جهل العرب أفكار جولن متمسكين باإخوانيتهم مع أردوغان، فإنهم سارعوا إلى نعت الرجل بكل وصف سيئ، دون أن يقرأ أي منهم واحداً من كتبه السبعين، عن التصوف والاقتصاد والسياسة وهي مترجمة لأربعين لغة، وهو ملم باللغات العربية، والفارسية، والإنجليزية، وقد توسعت جماعتة وأصبحت حركة قوية داخل البلاد وخارجها، لتمتد عبر أوروبا وأمريكا معتمدة على فكره وآرائه ومواقفه، وهي حركة اجتماعية صوفية، تركز على مسلمي تركيا ومنفتحة أكثر على الغرب، مركزةً عملها أساساً على التربية والتعليم، وقد اخترقت المجتمع ومفاصل الدولة، بإنشاء مؤسسات اقتصادية وإعلامية وطبية وثقافية وإغاثية، حاضرة في كل جزء من البلاد، وإذا كان الواقع يقول إن حركة جولن تتلقى الترحيب الغربي، أكثر من توجهات أردوغان السلطانية، فإن كلاهما مرضيٌ عنه غربياً وإسرائيلياً، وجولن يعتبر القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى والبلقان المجال الحيوي لتركيا، كونها تضم أقليات تركية هامة، وهو يرى انه إذا كان لتركيا يوما أن تعود لمجد الدولة العثمانية، فلابد لها من نفوذ قوي وسط الأتراك في كل مكان في العالم، على غرار اللوبي الصهيوني في أمريكا والعالم، وهذه قمة البراغماتية.

بين جولن وأردوغان تتقلص الفروق، فكلاهما يسعى لدولة خلافة تستعيد أمجاد العثمانيين، وهيهات أن يتحقق ذلك بينما يدفع الشعب التركي الثمن.

حازم مبيضين

الصباح "العراقية"

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4049394