أسرار صفقة تسليم الجندي باومل الذي قتل في «السلطان يعقوب».. ولماذا أخفت موسكو دورها عن دمشق؟

لا تبدو مستغربة تلك الضجة الإعلامية الكبيرة عن نقل رفات زخاريا باومل الجندي الإسرائيلي الذي قتل مع عدد من الجنود الإسرائيليين في معركة السلطان يعقوب بعد أسبوع من الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. ففي ظل السعي المحموم لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على تحقيق «إنجاز» رافع له قبيل الانتخابات الإسرائيلية ورغبته في تقديم نفسه كـرجل ضالع بـ «ملفات كبرى» مقابل ملفات الفساد التي يلاحقه بها أفيحاي مندلبليت المستشار القضائي للحكومة للإسرائيلية.. تشي القراءة المعمقة في خفايا وأسرار ما حصل عن الأسباب الكامنة وراء إخفاء روسيا دورها في تلك العملية عن دمشق، والخطة التي وضعها بوتين للتعامل مع نتنياهو وقيادته إلى مصير مشابه لأردوغان بعد هزيمته الانتخابية الأخيرة.

بوتين وشايلوك.. و«الدم المسيحي»!

دون شك لم يعدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين – وهو يتلقى عبارات الشكر والثناء من نتنياهو على دوره في نقل رفات «باومل» – جوقة من المزايدين عليه بدماء الجنود الروس الذين قضوا بعد تسبب «إسرائيل» بإسقاط طائرة الإيل20 الروسية فوق سماء اللاذقية بتاريخ 18 أيلول 2018.

بيد أن المتتبّع لسيرة القيصر الذي ترعرع في دهاليز «الكي جي بي» خلال الحقبة السوفيتية، ثم نهض بالاتحاد الروسي على عقيدة تمجيد القومية الروسية، يعرف جيداً أن التكتيكات التي يتقنها «لاعب الجودو» وينجح فيها كل مرة تجعله يفكّر بشكل مختلف حين تكون الغاية تدفيع «إسرائيل» أكبر ثمن على جريمة تجرُّئها على الدم الروسي.. ليس باستعجال الثأر، ولا باستعراض القوة، ولا بالإطاحة برأس نتنياهو الصغير، لكن بالحكمة التي ثأرت لـ «أنطونيو» من التاجر اليهودي اللئيم «شايلوك»، وتركت الأخير مفلساً وعاجزاً خسر كل شيء أمام قدسية «الدم المسيحي» – على حد تعبير بورشيا في رواية شكسبير الشهيرة «تاجر البندقية».

ويرى مراقبون أنَّ أية قراءة ظاهرية ومستعجلة للأحداث لا تغوص إلى آلية صناعة واتخاذ القرار في روسيا، ولا تلحظ الطريقة المختلفة التي يفكر بها بوتين صاحب العقل السيبيري البارد .. من شأنها أن تبتعد عن حقيقة ما حُضّر لنتنياهو وما قُبض من أثمان سياسية وميدانية لصالح حلف مكافحة الإرهاب في سورية مقابل «الرفات»، والذي من المتوقع أن يتمظهر بعد الانتخابات الإسرائيلية القادمة .. مذكّرين بأن القيادة الروسية كانت أعلنت سحب قواتها من سورية أيام قليلة فقط بعد تحرير تدمر .. لتقوم الدنيا ولا تقعد وتبدأ حفلة «المزايدين» بالحديث عن تخلي القيادة الروسية عن حليفها في دمشق، قبل أن تبدأ القوات الجوية الروسية أعنف طلعاتها للمشاركة دعماً للجيش السوري في تحرير عدد من المناطق وإحداث انقلابي ميداني كبير!

نتنياهو.. إلى مصير أردوغان

في سياق تناولها للخسارة المدوية للرئيس التركي رجب الطيب أردوغان وحزبه الانتخاباتِ المحليةَ الأخيرة تقول صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية إن بوتين الذي يبهر أعداءه كل مرة بأسلوب تفكيره استطاع عبر تكتيك بارع وطويل الأمد الثأر من تجرؤ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على «الدم الروسي» حين أسقط أردوغان مقاتلة السوخوي24 الروسية بتاريخ 24 تشرين الثاني 2015 في سماء سورية، بأن أسقطه في الانتخابات الأخيرة و تركه «بطة عرجاء» فقدت كل قدرة على الرقص الذي أجاده دائماً أردوغان على حبل التوازنات الدولية. وتتابع الصحيفة ذات التوجه اليساري في مقارنة بين وضع نتنياهو وأردوغان أن بوتين الذي يحلو له أن ينادي أعداءه الغربيين بـ «الشركاء» عرف بعد ثلاث سنوات ونصف كيف يحطم أقدام أردوغان على حلبة الجودو، ليقوده إلى مستنقع خسارته الانتخابية المذلّة ..

وتقول المصادر المطلعة إن الاستثمار الروسي في موضوع تسليم رفات «باومل» ومناولة بوتين لنتنياهو قارب نجاة قبيل الانتخابات الإسرائيلية ينطلق من قناعة القيادة الروسية أنه رغم سوء نتنياهو، إلاَّ أن التعامل مع رئيس وزراء ملاحق بتهم الفساد، ومدين للقيادة الروسية ومكبَّل بالأثمان المستحقة الدفع سيكون أجدى لروسيا ولسورية وللمنطقة عموماً من رئيس وزراء إسرائيلي آخر قد يكون أكثر تطرفاً وقدرة على المناورة والعربدة، ويصعب معه بناء تفاهمات مفيدة لسورية وروسيا في آن، ما سيعقد الملفات أكثر في منطقة لا ينقصها التعقيد. وعليه فإن ترامب رغم سوئه وأردوغان رغم مناوراته .. ونتنياهو رغم رعونته يبقون خياراً أفضل لروسيا وسورية من رؤساء أو رؤساء حكومات جدد قد يأتون على حامل المزايدة عليهم بالعنجهية والعربدة ليحرقوا الأخضر واليابس عبر بناء تحالفات من نمط أكثر تطرفاً مع دول غربية وخليجية – وحتى عربية تغرق المنطقة أكثر فأكثر في الوحل.

دمشق لا تعرف شيئاً عن الرفات.. «ولا يجب أن تعرف»
يقول الصحفي الإسرائيلي هيرب كاينون في مقالة له على «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية اليمينية بتاريخ 28 شباط 2019: «في الوقت الذي كان في الصحفيون يلاحقون نتنياهو خلال زيارته لموسكو بأسئلة تحاول التقاط رد فعل منه عن تقرير مندلبليت والاتهامات ضده بالفساد، كان لسان حال رئيس الوزراء يقول: «لا تغرقوني في التفاصيل الصغيرة.. أعمل الآن كرجل دولة على قضايا كبرى!».

لا يؤمن الرئيس بوتين بالخرافات والأساطير اليهودية.. ولا بالدعاية الإعلامية عن «الوفاء» والحرص لاستعادة رفات الجنود المفقودين منذ 37 عاماً .. ولذا فقد كان من الطبيعي أن يفكّر وهو يتلقى طلباتٍ متتالية من الإسرائيليين للمساعدة في استعادة رفات «باومل» ورفيقيه أنَّ المصلحة الانتخابية لنتنياهو الملاحق بتهم الفساد، والتنافس المحموم على تحقيق «الإنجاز» بين رئيس الوزراء من جهة، وأجهزة الاستخبارات المدعومة من رئيس الأركان أفيف كوخافي من جهة أخرى هي الدافع الأساس وراء ذلك الاهتمام والتنافس الإسرائيلي الكبير على سبق الإنجاز.

وفي سياق الحديث عن العملية تنقل «الإندبندنت» البريطانية عن الخبير العسكري الإسرائيلي يوسي ميلمان قوله «جرى تجنيد بعض المنظمات المعارضة في سورية، التي قدّمت لها الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية مساعدات إنسانية لمهمة البحث عن مكان الجنود الإسرائيليين. وهذه المنظمات سبق وساعدت الموساد قبل حوالي السنة في الحصول على ساعة إيلي كوهين جاسوس الاستخبارات الإسرائيلية الذي أعدم في دمشق عام 1965 وما زالت تبحث إسرائيل عن جثته».

وتقول مصادر مطلعة إن الاستخبارات الروسية رصدت قبل عام تقريباً معلوماتٍ عن نجاح مجموعة من تنظيم «داعش» الإرهابي بتهريب رفات عدد من الجثث المدفونة في مقبرة بمخيم اليرموك إلى خارج المخيم دون تحديد دقيق للوجهة التي حملتها إليها. وكان سبق نجاح «داعش» فشل عدد من التنظيمات الإسلامية الأخرى في نيل المبالغ المالية الكبيرة التي رصدتها «إسرائيل» للمهمة. وتتابع المصادر أنه ومع التقاط الاستخبارات الروسية لتلك المعلومات، وتواتر معلوماتٍ إضافية عن دخول طرف ثالث هو الاستخبارات التركية على خط «داعش» – «إسرائيل» وضع الجانب الروسي خطة لاستثمار العملية في تكبيل نتنياهو الغارق بملفات الفساد والمتلهّف لإنجاز يثّمره انتخابياً، بدل وصول تلك الرفات «مجاناً» إلى الجانب الإسرائيلي.

وتضيف المصادر أن إدراك الجانب الروسي في السابق لحقيقة عدم وجود أية معلومات لدى السلطات السورية عن مكان رفات الجنود الإسرائيليين – وهو الأمر الذي أكدته الحكومة السورية على لسان وزير إعلامها أمس – جعلهم يقررون التعامل مع الأمر دون إطلاع دمشق على ما لديهم من معلومات رغم التنسيق الكامل والروتيني اليومي في كل تفصيل من تفاصيل الميدان والسياسة.

وتُرجِع المصادر إخفاء الجانب الروسي الأمر عن دمشق لسببين اثنين:

الأول قناعة القيادة الروسية أن عدم إعلام دمشق سيدفع عنها حرجاً كبيراً في ذلك الوقت داخلياً وخارجياً، وأن سير عملية تسليم الرفات بين «داعش» و «إسرائيل» و «الطرف الثالث» بعيداً عن معرفة وتدخل الجانب السوري من شأنه أن يخفف الضغط على دمشق في ذلك الوقت الذي تزامنت فيه المعارك الشرسة ضد آخر معاقل «داعش» في الغوطة الشرقية مع جهد حثيث من قبل الدوائر لغربية لربط دمشق بـ «داعش»، واتهاماتٍ لا تهدأ بالتواطؤ مع التنظيم الإرهابي وبتسهيل خروج مقاتليه خارج مخيمي اليرموك والحجر الأسود. ولذلك كانت الحكمة الروسية في عدم إعلام دمشق منطلقة من مبدأ «سد الذرائع» وقطع الطريق على المتهِمين لدمشق بالتذرع بتهمة جديدة .. والحكمة الأكبر أن دخول روسيا على خط الصفقة سوف لن يجعلها تمر مجاناً دون أي ثمن يُدفَع من قبل «إسرائيل» ويستحق الدفع في ملفات قادمة.. حيث الصفقة حاصلة دون روسيا وبالتالي دون ثمن إسرائيلي.

والثاني هو معرفة الجانب الروسي بالحساسية العالية لدى دمشق وتشدّدها ورفضها لكل ما يتعلق بالتعامل مع «إسرائيل» خصوصاً بعد رفضها سابقاً أي تعاون في قضية الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين. وبناء عليه كان القرار الروسي بأن عدم إعلام دمشق أفضل من إعلامها وإحراجها.

وتم وضع خطة متكاملة للانخراط في العملية مشفوعة بقناعة روسية مفادها أن المضي في الاستثمار بها أفضل من ترك الجانب الإسرائيلي يقدّم روايته الدعائية حولها حتى مع حصوله على الرفات «مجاناً» ودون مقابل سياسي.

موسكو ودمشق.. تحالف تعمّد بالدم

يؤكد المطلّعون على تفاصيل وحيثيات التنسيق عالي المستوى بين موسكو ودمشق أن الجانب الروسي يحرص بشكل دائم على عدم تجاوز رؤية القيادة السورية في كل المسائل السيادية، حتى لو تكبّدت روسيا أقصى درجات الحرج أمام «الترويكا» الضامنة في عملية أستانا أو في مجلس الأمن أو غيرها من المحافل الدولية. وتقول المصادر إن الاحترام الروسي وصل حدّ تراجع الروس عن خريطة اتفقوا عليها مع الأتراك حول الوضع في الغوطة الشرقية قبل تحريرها ربيع العام الفائت، وذلك بعد تشدّد دمشق ورفضها لدخول جوبر في منطقة «خفض التصعيد» بسبب خطأ في رسم الخرائط.

وتضيف المصادر أن التحالف الاستراتيجي المبني على ثقة كبيرة بين القيادتين السورية والروسية واختبار الثقة الذي تعمَّد بدماء الشهداء السوريين والروس على أرض سورية لا تؤثر عليه التكتيكات الروسية في التعامل مع أعداء وخصوم سورية الإقليميين، باعتباره كل ذلك يصب في خدمة التحالف الاستراتيجي للبلدين ولحلف مكافحة الإرهاب على حد سواء.

وتؤكد مصادر متابعة أنَّ الضجة الإعلامية المصحوبة بالمزاودات والمشككة بمتانة التحالف السوري الروسي الاستراتيجي والتي أثيرت على خلفية نقل رفات «باومل» إلى «إسرائيل» ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في محاولات الراغبين والخائبين كل مرة..
وأن ارتفاع نبرة الأصوات التي تتحدث عن «بيع الأرض» و «التفريط بالسيادة» لا يحجب المفارقة الصارخة في حديثهم الذي يصادف أن يمرّ فيه اسم معركة «السلطان يعقوب» .. الملحمة البطولية التي سطَّرتها القوات المسلحة السورية خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 بأسلحة روسية لا يزال بعضها بعد مرور 37 عاماً فعالاً في إسقاط درة الطيران الأمريكي والإسرائيلي الأف16 وتمريغ أنفها بالتراب فوق أرض فلسطين المحتلة.

سوريا اليوم

April 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
31 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 1 2 3 4

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
6060945

Please publish modules in offcanvas position.