الصفحة الرئيسية
n.png

سوريا من الحل العسكري إلى الحل السياسي.. ايهما اخطر؟

بعد فشل الولايات المتحدة وحلفائها في فرض واقع جديد في سورية بالوسائل العسكرية و القتالية وخروجها بسمفونية محاربة الإرهاب وعلى رأسه داعش صنيعتها. استعادت بالمقابل الدولة السورية وبمؤازرة حليفها الروسي و الإيراني سيطرتها على مواقع مفصلية كالغوطة و درعا و ريفي حمص و حماه وفكت أنشوطة تديرها أنظمة مخابراتية بريطانية وفرنسية وأمريكية و إسرائيلية وسعودية لضرب الدولة السورية في صميمها والإجهاض عليها.

هذه اللعبة القذرة التي تدار في غرف عمليات مسلحة بأعلى التقنيات وأعتى الأدمغة فشلت خططها واحدة تلو الأخرى أمام العزيمة السورية الصلبة. وبقيت الوحيدة مفخرة خططهم “مسرحية الكيماوي المفبرك” التي راهنوا عليها في معركة إدلب وجهزوا لها كل السيناريوهات المحتملة وأجهضها الدهاء الروسي باجتماعه في طهران في سبتمر/2018 بظهيريه التركي و الإيراني خاصة بعد أن لمس و الجانب السوري فظاعة ما تدبره تلك الأجهزة لضرب سوريا ضربة واحدة تقضي على كيان الدولة السورية ومؤسساتها وجيشها وتفتيتها كما حصل في العراق… لكن إرادة الله أوقعتهم في مطب مكرهم حين تسببت الغارة الاسرائيلية على سورية بتحطيم طائرة ايل-20 الروسية المخصصة لقيادة العمليات من الجو قبالة بحر اللاذقية في 18/9/2018 و إلصاق تلك التهمة بالقوى الجوية السورية.

هذه المكيدة جلبت على طبق من فضة أربعة منصات صواريخ S300 تسلمتها سورية إلى جانب رادار يمكننه تتبع مائة هدف معاً، وماهي إلا البداية لاستعادة التوازن الإستراتيجي طويل الأمد مع العدو الإسرائيلي الذي أرست سوريا أسسه مع الإتحاد السوفيتي في سبعينات و ثمانيات القرن المنصرم ، ولم تخرج ممازحة وزير الخارجية وليد المعلم عن هذا السياق بقوله: “نحن ننتظر بنفاذ الصبر الـ S400 ” و هي منظومة موجودة أصلاً في القاعدة الروسية في سوريا.

ترتيب الأوليات بين تأجيل معركة إدلب و خطر التواجد الأمريكي المزدوج في منطقتي التنف و الشمال السوري أتى أكله وحطم الخطة الرامية إلى إضعاف الدور الروسي وإغراقه في المستنقع السوري حسب وصفهم. كنت قد نوهت في مقالٍ سابق لي منشور في رأي اليوم أن الاحتلال الأمريكي في منطقة التنف يهدد دمشق مباشرة وهو ما أكده إصرار موسكو على لسان نائب وزير خارجيتها بضرورة إنسحاب الأمريكان من التنف وتفكيك مخيم الركبان لتمكين المصالحات وعودة الأهالي إلى مناطقهم وإرسال المسلحين الرافضين إلى جرابلس، وإعرابه عن قلق موسكو من كونه معسكراً خلفياً آمناً توفره أمريكا لمسلحي داعش الذين يشكلون تهديداً مباشراً وتأتي معارك الجيش السوري في بادية السويداء لتؤكد حقيقة هذا التهديد. لكنّ مساومة إرهابيي داعش على قبولهم دفع الفدية عن مختطفات السويداء بتوجيه من مشغليهم ينبأ بأن إغلاق هذا الباب نهائياً بات وشيكاً.

بيد أن ما يجب أن نضعه نصب أعيننا أن المشروع الأمريكي ليس في إدلب أو في التنف فهما منطقتا مراوغة وإشغال رغم أهميتهما لقواعد اللعبة. المشروع الحقيقي هو في “شمال شرقي سوريا” الذي تعول أمريكا على إنجاحه أسوة بالإقليم الكردي العراقي المحاذي لهذا المشروع، فما لم تستطع تحقيقه في العسكرة تسعى لتحقيقه في السياسة وهو ما نراه ملموساً من خلال عزفها على وتر الدستور السوري والإصلاحات السياسية وربط خروجها بضرورة الحل سياسي مع سابق العلم أن سوريا لا تقع في نطاق المصالح الإستراتيجية الأمريكية!هذا الإنتقال المفاجئ لم يأت من فراغ فمن يعرف حجم الخسائر العسكرية الأمريكية في سوريا وتكتمها على مقتل جنودها الذي يقدر بالعشرات (ريف الحسكة والرقة و دير الزور) وهو رقم كبير في الحسابات الأمريكية يدرك حجم الخيبة التي منيت بها، ويدرك أيضاً سبب تغيير موقفها في ضرورة الإسراع بالحل السياسي وترجمته عملياً بقبولها المشاركة في محادثات الأمم المتحدة في جنيف الشهر المقبل بشأن إقرار دستور جديد لسوريا متناسية أن الشعب السوري هو وحده من يقرر دستور بلاده.

رغم أن الإحتلال الأمريكي دنس أرض سوريا المقدسة بوجوده غير الشرعي فيها و زرع قواعد له في كل من منبج و دير الزور و الحسكة و عين عيسى، فقد زاد زيارة دبلوماسييها بواقع ضعفين تلك المناطق دناسة. وحسب تصريحات وزير دفاعها جيمس ماتيس″الجهود الدبلوماسية الآن تترسخ” وهو ما يعني أن خطة مختلفة تتبعها أمريكا في صياغة مشروعها الجديد. هذا المشروع يتطلب مكملات ضرورية لإحكام السيطرة على المنطقة ومنها زيارات متكررة ولقاء مختلف الأطياف والتركيز على وجهاء ومشايخ العشائر العربية التي تشكل الكتلة السكانية الأكثر كثافة وإغرائهم بوعود ومناصب وثروات ودور مستبقلي فاعل في ظل الوهم الذي يروجونه لهم (كما فعلت في العراق).. حيث بدى لهم أن التعويل المطلق على “شهود يهوه” الذين لم ينجحوا في استدراج شخصيات حقيقية مؤثرة واعتمادهم على متمشيخين و صغار كسبة ساهم إلى حد كبير في إفشال الخطة الأمريكية.. لذلك سارعت بنفسها لتولي مثل هذه الفعاليات عبر دبلوماسييها بغية تسريع الحل وتبعا لذلك تسريع خروجها بماء الوجه. هذه الثقة مستمدة من أمرين هما تجربتها مع العراق في تفكيكه و تشكيل دستور جديد له وإمكانية تكرار ذلك مع سوريا. والأمر الآخر المفهوم المخادع الذي زرعته في عقليات ضيقة وهو من يحكم سوريا هي الأقليات وأنتم لها كما في العراق! هذا المنطق السطحي يعكس مدى ضحالة المعرفة الأمريكية في التركيبة البنيوية السورية ويجعل السياسة الأمريكية في سوريا خاسرة أيضاً…فسوريا رقم مستحيل والخاسر في الحرب خاسر في السياسي.

د. علي الباشا

رأي اليوم

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4311477