الصفحة الرئيسية

ترامب وإلغاء الاتفاق النووي

أخيرا وفّى ترامب وعده، فانسحب من الاتفاق النووي مع إيران، ولم يكن غريباً ترحيب الجناح الإيراني المتشدد بالقرار، الذي لايعني نظرياً إنهاء الاتفاق وانهياره، مادام الطرف الآخر لم ينسحب من الاتفاق مجتمعاً، أمّا عملياً فإن انسحاب واشنطن سيؤدي إلى انهياره، باعتبار أن الولايات المتحدة تمثل الطرف الأساسي بالنسبة لإيران في هذا الاتفاق. كما أن إعادة واشنطن فرض العقوبات، وفرض أخرى جديدة، تعني انهيار إحدآ الركيزتين اللتين بُني عليهما، وبمعنى أنه لم يعد ممكناً بقاء الاتفاق قائماً على ركيزة واحد، تتمثل في التزام طهران بتعهداته الصارمة، إلا إذا رفض الشركاء الأوروبيون الخضوع للقرار الأميركي، في استئناف العقوبات على طهران.حازم مبيضين

يبدو أن اتفاقاً ضمنياً حصل بين الأميركيين والأوروبيين في توزيع للأدوار بين الطرفين، تتمسك فيه أوروبا باستمرار التزامها بهذا الاتفاق، لإبقاء إيران في الاتفاق ومنعها من العودة إلى أنشطتها النووية، واستمرار نظام المراقبة الشديدة الذي تخضع له المنشآت النووية الإيرانية، بموجب الاتفاق نفسه، واستثمار هذا الموقف في مفاوضات محتملة مع إيران، أملاً في تحقيق اختراق في الموقف الإيراني بشأن تعديل الاتفاق النووي، تحت طائلة تهديد العقوبات. وليس سراً أن السياسة الأوروبية تأتي امتداداً للسياسات الأميركية، وليست منفصلة عنها، ورغم وجود فروق واضحة في الشكل والمظهر، فإن المضمون ليس مختلفا كثيرا. ىما يعني استبعاد أن تخوض أوروبا مواجهة فعلية ضد قرار ترامب لاستحالة ذلك، إذ لا يمكن للأوروبيين التضحية بمصالحهم التجارية البالغة أكثر من ألف مليار يورو مع أميركا، مقابل 15 مليار يورو هي حجم التبادل التجاري بين إيران وجميع الدول الأوروبية. إضافة إلى أن مطالب أميركا، الخاصة بالبرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي الإيرانييْن، هي مطالب أوروبية أيضاً، ما يعني أن الاتفاقية التكميلية التي تطلبها أوروبا من طهران، هي نفس ما تريد الإدارة الأميركية التوصل إليه، تحت عنوان "اتفاقية شاملة"، أكد عليها الرئيس ترامب.

واشنطن أعلنت أن العقوبات على إيران ستعود بعد ثلاثة أو ستة أشهر، وتلك مهلة تتيح للأوروبيين والإيرانيين فرصة التفاوض، للتوصل إلى اتفاق تكميلي أو شامل. بالطبع خلال ذلك ستظل الشركات والمصالح الأوروبية في منأى عن خطر العقوبات الأميركية، وسيتضح إن كان الموقف الأوروبي يقف ضد القرار الأميركي، لكن المرجح أن أوروبا ستعمل بمقتضى تلك العقوبات، مع استمرار مطالبتها لطهران بالبقاء في الاتفاق النووي، الذي سيصير تلقائياً اتفاقاً من جانب واحد، أي أن تلتزم طهران بتعهداتها، وتسمح بمواصلة عملية المراقبة على أنشطتها النووية دون أي مقابل. ولكن فشل الصفقة النووية أضعف المؤيدين للتفاوض مع أميركا في الداخل الإيراني، ووضعهم في حالة محرجة للغاية، حيث من المستبعد إقدام إيران على أي مفاوضات مع الأوروبيين، بشأن قدراتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي الواسع، علما بأن ما يمنع إيران من القبول بتعديل الاتفاق، هو أن المطالب الأميركية والغربية لا تتوقف عند إطالة أمد هذا الاتفاق إلى ما بعد 2025، ولا عند قصة الصواريخ والنفوذ الإقليمي، وأن المطلوب منها يتجاوز ذلك إلى تغيير أسس سياساتها الداخلية والخارجية، بما يفرّغ النظام الإيراني من المضمون، وصولاً إلى تغيير الموقف من إسرائيل والقضية الفلسطينية، والمطالبة لاحقاً بالاعتراف بالدولة العبرية.

مع إلغاء الاتفاق برزت مجموعة من المشكلات التي تواجه النظام الإيراني، أبرزها العلاقة المتوترة مع واشنطن، وبين الرئيس روحاني والقيادات العسكرية، بشأن التدخل العسكري في سوريا، والمطالب الغربية بتعديل الاتفاق مع الغرب، ليشمل وقف برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، والتدخل الإيراني في المنطقة. إضافة لما هو معروف عن مرض المرشد الأعلى، والصراع المحتدم على خلافته، وما يقال عن مظاهرات تجتاح المدن الإيرانية بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية، والأخطر هو اكتشاف النظام بأنه مخترق حتة العظم، فقد اخترقت إسرائيل أهم سرّ لديه، ونقلت اطناناً من وثائقه، في عملية معقدة أفقدته الثقة بأجهزته الأمنية، وطهران تدرك اليوم أنه من دون الأوروبيين، فستتعرض لمزيد من الضغوطات، ذلك أن المفاوضات حول الاتفاق النووي جرت بين أميركا وأوروبا، المطالبة اليوم بالتوصل لخطة تتضمن وقف تصنيع الصواريخ الباليستية، ومشكلة طهران أنها لا تملك كثيراً من الأدوات لرد الضغوط عنها.

وإذا كانت العقوبات الأميركية ستطال قطاع النفط، الذي يمثل أهم مصدر للمداخيل الإيرانية، وأكثر المتضررين من العقوبات السابقة، حيث سيتوقف مشروع غاز بمليارات الدولارات لشركة توتال، ما لم تحصل الشركة الفرنسية على إعفاء من العقوبات، كما تتوقف عمليات تطوير حقل بارس الجنوبي، وإذ يعتبر الطيران التجاري من أهم المجالات التي ستطالها العقوبات، فإن المنتظر إلغاء التراخيص الممنوحة لشركتي بوينغ وإيرباص لبيع طائرات ركاب إلى إيران، فإن الرئيس الإيراني أكد استمرار التزام بلاده بالاتفاقية إذا ضمنت حماية مصالحها، معتبراً أن الانسحاب الأميركي انتهاك للمعايير الأخلاقية والسياسية، والسبل الدبلوماسية السلمية والمقررات العالمية. وأنه في حال التزام الدول الخمس المتبقية بالاتفاق، فإن إيران ستبقى فيه رغم أنف أميركا. في حين بدأ وزير خارجيته جولة للقوى التي ما زالت تحافظ على الاتفاق، على أمل التوصل إلى صورة أكثر وضوحاً لمستقبل الاتفاق الذي يبدو أن لامستقبل له، دون تعديله حسب الرغبة الأميركية المدعومة أوروبياً، ولو من أبواب مواربه.

حازم مبيضين

الصباح "العراقية"

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

August 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 31 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
عدد الزيارات
3719906