الصفحة الرئيسية
tot1.jpg

الإرهــــــــــاب.. مــــــــن الـــــــذي يــــــــدفـــــــع لــــــــلـــــــزمـــــــــار؟

هناك شبه اجماع على أن العمليات الارهابية – وأكثرها دناءة عملية بئر العبد- هي عمليات سياسية لا علاقة لها بالأديان كافة، ولا ينفذ مثل تلك العمليات إلا مرتزقة تخطط لهم وتمولهم أجهزة مخابرات دولية. الحديث هنا لا يدور عن عملية إرهابية دينية، بل عن عملية سياسية واسعة النطاق، بدأت بغزو العراق، وتدمير سوريا، وليبيا، وتقسيم السودان، والزج بالخليج في حرب في اليمن وشحن دوله لحرب أكبر مع إيران، وخلخلة الاستقرار في مصر، ومحاولة تفتيتها بأكثر من ورقة طائفية وعرقية. وهذا المخطط ليس ببعيد عن تصريح ديفيد بن جوريون أول رئيس وزراء اسرائيلي بقوله:
"إن قوتنا ليست في سلاحنا النووي. قوتنا في تفتيت ثلاث دول كبيرة حولنا: العراق وسوريا ومصر إلى دويلات متناحرة على أسس دينية وطائفية، ونجاحنا في هذا الأمر لا يعتمد على ذكائنا بقدر ما يعتمد على جهل وغباوة الطرف الآخر".
هذا الإدراك المبكر للأمن الاسرائيلي سنصادفه مرة أخرى في وثيقة بعنوان "استراتيجية إسرائيلية للثمانينيات" صدرت عام 1982 بمجلة "كيفونيم" عن منظمة الصهيونية العالمية بالعبرية بقلم “أوديد يينون” الدبلوماسي الإسرائيلي وترجمها الكاتب المصري شفيق مقار.
في دراسته ينتهي "أوديت يينون" بعد توطئة نظرية إلى إنه:
"لم يعد في العالم متسع للجميع.. والبقاء لن يكون إلا للأقوى والأشد شراسة والأقل ورعا". ويقول:
"إن دول العالم الإسلامي ليست المشكلة الاستراتيجية التي ستواجهنا في الثمانينيات.. لأنها مؤلفة من خليط من الأقليات والطوائف وهو ما يجعلها عرضة للانهيار إلى حد الحروب الأهلية"، لكن الخطر في مصر.
لهذا يقول “أوديد يينون” بوضوح قاطع إن:
"تمزيق أوصال جثة مصر بتفتيت أراضيها إلى مقاطعات جغرافية منفصلة عن بعضها البعض هو هدف اسرائيل السياسي الرئيسي على جبهتها الغربية".
وفي سبيل ذلك يرى أن من الضروري لاسرائيل:
"العودة إلي سيناء بما فيها من موارد حالية وموارد كامنة هدف سياسي عظيم الأهمية بالنسبة لإسرائيل“.
ولتحقيق ذلك:
"أمام اسرائيل خياران رئيسيان لاستعادة سيناء، أحدهما بانتهاك معاهدة السلام.. أما الخيار الأفضل وغير المباشر والأكثر واقعية فهو استغلال ضعف مصر وحالتها الاقتصادية لاعادة مصر بطرق مختلفة إلي الحالة التي سادت بعد يونيو 1967"، يقصد إعادة مصر إلي حالة الهزيمة.
ويؤكد “أوديد يينون” نفس المعنى السابق بقوله:
"إن ما يجب أن نعمل لأجله هو تفتيت مصر عن طريق الصراعات الداخلية إلى كيانات ضعيفة لا رابطة مركزية بينها، متناحرة تحت تأثير الكراهيات الدينية والعرقية، فذلك هو مفتاح التطور التاريخي".
ويسترسل مع أطماعه الصهيونية قائلا:
"إن مصر متى مُزِّقت جثتها، وقسمت، وانهارت، وتبعثرت فى كيانات متعددة متناحرة، لن تشكل بعد ذلك أدنى خطر على اسرائيل".
وهو يرسم للعراق نفس التصور قائلا إنه لابد من تقسيم العراق إلي ثلاث دويلات: كردية، وسنية، وشيعية.
وترسم هذه الوثيقة التي صدرت عام 1982 مستقبل سوريا على أساس العمل على هدمها إلى دويلة شيعية علوية، وأخرى سنية في حلب، وثالثة في دمشق، ورابعة للدروز في الجولان، على أن تكون كل تلك الدويلات في عداء وحرب.
ولكي لا أطيل على القارئ أستشهد بمقتطف أخير من الوثيقة جاء فيه:
"إن كل مواجهة يمكن إشعال نيرانها بين العرب وبعضهم بعضا ستكون عونا لنا يساعدنا على الاستمرار والبقاء..والتعجيل ببلوغ الهدف الأقصى".
ووفقا لهذا التصور الاستراتيجي لمصالح إسرائيل فقد تم بالفعل تدمير العراق ويجري تقسيمه، وتم تدمير ليبيا ويجري تقسيمها، ويجري تدمير سوريا، أما مصر فقد اتخذت الحرب الأمريكية الاسرائيلية ضدها شكل عمليات ارهابية، وتأجيج فتنة لطائفية، ونعرات عرقية، ولا يدخل عقل إنسان أبدا أن لتلك العمليات ومنها عملية بئر العبد الدنيئة طابعا دينيا. علينا أن نبحث وراء الإرهاب عن المستفيد من الإرهاب، وعن الذي يدفع للزمار، والذين لا يرون وجودهم إلا في إبادة الآخرين وتفتيت بلدانهم وإحراق أشجارهم، الذين يفهمون العالم على أنه مجرد ميدان للأكثر شراسة والأشد وحشية.
نحن نفهم العالم على أنه التعايش، والبناء، والتنمية، لكن القنابل تتفجر من حولنا إما في كنيسة، وإما في مسجد الروضة ببئر العبد، وإما في جنودنا في الواحات، وبذلك كله تثبت إسرائيل أن طبيعتها العنصرية التي قامت على أساسها كقاعدة عسكرية لا تتبدل. وأنها حينما مُنِحت السلام لجأت إلى الحرب، وإلى التخطيط للإرهاب وتمويله من أجل تفتيت مصر، لهذا لا ينبغي لدخان الإرهاب المتصاعد أن يحجب عن أبصارنا الطرف الحقيقي صاحب المصلحة المستفيد من كل تلك العمليات.
يبقى الارهاب قضية سياسية ولا يدخل في عقل أي إنسان أن لهذه العمليات صلة بأي أديان. ما أحوجنا إذن ليس إلى تجديد الخطاب الديني، بل إلى تجديد الخطاب السياسي.

د. أحمد الخميسي

جريدة الدستور المصرية

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2076562