الصفحة الرئيسية

الممر البرّي الإيراني إلى سوريا: خلاف أميركي ـ إسرائيلي حول دور «داعش»

تحذير إسرائيل المتكرر حول «الممر البرّي» الإيراني، من العراق إلى سوريا، يحمل كثيراً من المبالغة، وكثيراً من الدقة. مبالغة أوقعت كثيرين في خطأ تحليلي في أن عدم تحقيق الممر سيلغي مفاعيل انتصار الدولة السورية وحلفائها، فيما الدقة أن الممر مكوّن من مكوّنات تثبيت الانتصار، وسلب إسرائيل ومثيلاتها القدرة على مواجهة مفاعيله التهديدية اللاحقة.
إضافة إلى التحذير من الممر البري، تواصل إسرائيل التحذير من الميناء البحري الإيراني في اللاذقية، الذي تقول إن قراره صدر بالفعل، بالتفاهم بين الدولة السورية وحلفائها. يضاف إلى الممرين تحذير آخر من القوات الكردية والخرق الإيراني لهذه القوات التي سهّلت في الماضي، وتسهّل حالياً، عمليات «تهريب» السلاح عبر العراق إلى مقصده في سوريا وغيرها باتجاه لبنان، وأيضاً باتجاه قطاع غزة.

يضاف إلى الممرات الثلاثة مطار دمشق الدولي، والتحذير الإسرائيلي المتكرر من إمكاناته في نقل السلاح الإيراني إلى سوريا... تحذير صدر أيضاً على لسان مسؤولين إسرائيليين، ووضعت «وثائقه» على طاولة مجلس الأمن أكثر من مرة، عبر مندوبها لدى المنظمة الدولية.
هي إذاً حملات تحذير إسرائيلية، براً وبحراً وجواً، ناشطة جداً في الأشهر الأخيرة، ولا ترتبط فقط بالممر البري، رغم كثرة الحديث عنه، بل أيضاً بكل مسار الاتصال بين الدولة السورية وحلفائها، وتحديداً إيران، مكمن التهديد وركيزة وجوده وتعاظمه، وإمكان تحريكه باتجاه إسرائيل.
بدءاً، يجب الإشارة إلى أن النتيجة الأولى، والأكثر دلالة في التحذيرات الإسرائيلية من الممرات الإيرانية، هي شبه التسليم الإسرائيلي بانتصار الدولة السورية وحلفائها في الساحة السورية، مع فقدان أدوات قلب المعادلة فيها. ويشير تركيز إسرائيل على الممرات إلى شبه استسلام بالانتصار السوري وفشل سلسلة الخطط الموضوعة تباعاً في السنوات الست الماضية، للإمساك بسوريا وإلحاقها بالمحور «المعتدل» المتماهي مع إسرائيل، الأمر الذي يبقي، أمام هذا المحور، التركيز، بمعنى التحذير، من تبعات وصل الساحة السورية بحليفها الإيراني.
مع ذلك، تحذير إسرائيل من ممرات إيرانية إلى سوريا، أو دونها، لا يزيد أو يقلل من الجهد المبذول أميركياً لمنع تحقيق هذا الممر، لكن أيضاً مع الإدراك أن أصل توجه واشنطن بدورها لمنع الممر البري هو أيضاً تسليم من قبلها، علماً بأنها رأس ومحرك «محور الاعتدال»، بانتصار المحور المقابل داخل الساحة السورية، وإلا ما كانت جهود ومساعي المنع الأميركية لتبذل، في محاولة الحؤول دون الممر البري بين العراق وسوريا. معنى ذلك أن الحؤول دون انتصار الدولة السورية وحلفائها، بل وإكمال هذا الانتصار، لم يعد ممكناً، ربطاً بظروف هذه الساحة وتعقيداتها.
هذا المعطى ــ النتيجة، يجب أن يكون حاضراً لدى أي تحليل أو مقاربة لمسألة الممرات الإيرانية بين العراق وسوريا، وإلا جاءت التحليلات خارج الواقع وأوصلت إلى نتائج مغلوطة. التحذير والجهد الإسرائيليان كما الأميركيان، حول هذه الممرات، لا يتعلقان بانتصار الدولة السورية وحلفائها، بل يتعلقان باليوم الذي يلي هذا الانتصار، ومحاولة الحدّ من مفاعيله، عبر التضييق بما يتيسر على إمكاناته، ومنع رفع منسوب تهديداته.
ضمن هذا التوجه، التحذيري، يوجد خلاف بين تل أبيب وواشنطن حول الاستراتيجية الواجب اتباعها لتحقيق هذا المطلب. خلاف الطرفين يتركز حول زمن الانتهاء من توظيف تنظيم «داعش» في تحقيق هذه المصلحة التي تتقاطع بالمطلق في الساحتين العراقية والسورية. وهو خلاف على تحقيق المصلحة نفسها، أي منع الاتصال بين الساحتين، لكن مع نظرة استراتيجية مختلفة لدور تنظيم «داعش»:
إسرائيل ترى أن توظيف «داعش» ما زال ممكناً وضرورياً، ومن المحظور إنهاء دوره، فيما ربطاً بتعقيدات وضرورات أميركية داخلية وأيضاً دولية وإقليمية، ترى واشنطن أن هذا الدور قد انتهى، ويجب العمل على إيجاد بديل له.
من جهة واشنطن، وعلى فرض النجاح في تحقيق السيطرة على طول الحدود بين العراق وسوريا وتسلّم هذه الحدود عبر التفاهم أو بالقوة من «داعش»، ترى أن بإمكانها تأمين مجموعات محلية مع مساندة واسعة كردية، لتسلّم هذه الحدود، وبالتالي منع الممر الإيراني بين الساحتين، فيما ترى تل أبيب أن هذا المطلب غير قابل للتحقق كنتيجة، وتصرّ على أن الجهة الوحيدة القادرة على منع هذا التواصل هي تنظيم «داعش»، أما الخيارات الأخرى البديلة فعقيمة.
من هنا، يلاحظ في التحذيرات الإسرائيلية المتكررة، من الممرات الإيرانية، وتحديداً الممر البري، أنها موجهة باتجاهين: أصل التحذير المركز على معنى الممر استراتيجياً، باعتباره تعظيماً لتهديد المحور المقابل والتحريض باتجاه منع تحقيقه، فيما الاتجاه الثاني تحذير موجه إلى الأميركيين، ومحاولة ثنيهم عن المضيّ قدماً في استراتيجية هزيمة «داعش»، إذ ترى تل أبيب أن هذا التنظيم، وحده، هو الخيار المجدي لتحقيق الفصل. في الرؤية الإسرائيلية، أي خيار آخر، سواء كان كردياً أو سورياً أو مختلطاً، سيكون خياراً مثقوباً، وستجد إيران وحلفائها طريقاً لخرقه، والوقائع التاريخية، والحالية، تشير إلى هذه الإمكانية، وتحديداً من ناحية الكرد، وهو المعطى الذي حذرت منه إسرائيل في الأشهر الأخيرة، من أن الركون إلى الكرد لن يفضي إلى النتيجة المتوخاة.
بالطبع، موقف إسرائيل من «داعش» يتجاوز مسألة الحدود العراقية ــ السورية، وهو ما صرّح به مسؤولون إسرائيليون، سياسيون وأمنيون، وكذلك دراسات صدرت عن مراكز بحثية في تل أبيب، ومنها تأكيد رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، هرتسي هليفي، في كلمة ألقاها في مؤتمر هرتسليا العام الماضي (15/06/2016)، أن «مصلحة إسرائيل في منع هزيمة داعش في سوريا، لأن نتيجة كهذه ستكون إشكالية من ناحية إسرائيل، بل علينا أن نعمل للتأثير والحؤول دون ذلك».
قبل أسابيع، أكد رئيس القسم الاستراتيجي في شعبة التخطيط في الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، العميد رام يفني، في حديث إلى مجلة «بوليتيكو» الأميركية، (24/05/2017)، أن لا جدوى من الاستراتيجية الأميركية في العراق وسوريا، وحذر من أن محاربة «داعش» وهزيمته على الحدود بين البلدين تعدّان خطأً استراتيجياً، ولفت إلى أن أميركا ستندم على هزيمة التنظيم، واليوم الذي يلي الهزيمة سيكون أسوأ.
هذا هو الموقف الإسرائيلي المعلن، بلا مواربة. لكن القرار الأميركي، كما يتضح من كلام الضابط الإسرائيلي، صدر بالفعل. هزيمة «داعش» على الحدود باتت مسألة وقت، مع محاولة العمل على إحلال قوى موالية، مشكوك إسرائيلياً في جدواها وقدرتها على منع التواصل بين الساحتين العراقية والسورية، هذا إن نجح المخطط الأميركي أساساً، كما يرد على لسان الضابط الإسرائيلي.
إذاً موقف إسرائيل التحذيري من الممر الإيراني البري يوازيه، أو يزيد عليه، منسوب التحذير المقابل من أسلوب منع تشكل هذا الممر، بل أكثر من ذلك، نعي مسبق للاستراتيجية الأميركية التي لن تجبي لها ولإسرائيل سوى الندم اللاحق في اليوم الذي يلي. هذا هو موقف إسرائيل من هذه المسألة، ومن سلسلة التحذيرات الصادرة بشأنها: التحذير من الممر، وأكثر منه التحذير من أسلوب أميركا في منع تشكله، الذي لن يفضي إلا إلى الندم.
في الخلاصة، يجب التأكيد، مجدداً، أن سلسلة التحذيرات الإسرائيلية من الممرات الإيرانية إلى سوريا تخفي في طيّاتها استسلاماً إسرائيلياً أمام انتصار الدولة السورية وحلفائها في الساحة نفسها، وأيضاً شبه استسلام من مسار هذا الانتصار وتشكّله بالكامل. وللمفارقة، بحسب الرؤية الإسرائيلية، فإن الاستراتيجية الأميركية المتّبعة في هزيمة «داعش» ستزيد من تعاظم التهديد وستضع الطرفين، الأميركي والإسرائيلي، أمام ندم استراتيجي، رغم اعتقاد واشنطن الخاطئ بالقدرة على تحقيق منع تواصل محور المقاومة، بين العراق وسوريا، بأداة غير «داعش».

يحيى دبوق

الأخبار

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
1763350