الصفحة الرئيسية

صُنع الله إبراهيم: أعبِّر عن نفسي بطريقةٍ قد لا يجرؤ أحدٌ عليها!

"أمريكانلي" جاء عنوانُها صدفة.. وأول أعمالي خرجَت من السجن.. وسافرت باريس لاستكمال "وردة"
  لستُ ضد الجوائز ولكن لا أريد أن أُحسب على الدولة
كل ما نتعلَّمه يصبّ في كتاباتنا
كتبتُ على شكائر الأسمنت ونقلته على ورق السجائر وهرَّبته من السجن
انقطعت علاقتي بـ"ّذات" بمجرد توقيع عقد الشركة المنتجة
لا توجد لحظة استمتعنا فيها بحرية تعبير كاملة
دون تنظير.. لا أحبُّ وسائل التواصل الاجتماعي!

هو صُنع الله حقًا، هكذا جاء متفردًا في اسمه ومساره الذي لم يحِد قيد أُنملة منذ أن عرَفت أصابعه العزف على أوتار الكلمات، لتخرج لنا "تلك الرائحةُ" العطرة المغلّفة بذكريات الاعتقال، والحالمة بحرية الـ"ذات"، فتمرّ من بين أعماله لتقطف من هنا "وردة" وتدور بين البلاد بـ"العمامة والقبعة" تشرد إلى الـ "أمريكانلي"، تذوب في "بيروت"، مهما كان "التلصص" في النهاية ستكتب لك صفحاته كلمة "شرف".

 

صُنع الله إبراهيم، الذي رفض أن يكون لسانًا أو محسوبًا على أي سلطة منذ السيتنيات حتى الآن، يحصل مؤخرًا على جائزة تحمل بين طياتها اسم "الشعب" الذي طالما وجد في كتاباته؛ والتَقته الزميلة "عربي برس" فإلى متن الحوار...


لم نجدك كالكثير من المُهرولين على الجوائز ولم تتقدَّم لأي جائزة، حتى أنك رفضتَ جائزة الرواية العربية في عام 2003، ومؤخرًا حصلت على جائزة الشعب، فلماذا الرفض السابق ولمَ قبلت جائزة الشعب؟

لستُ ضد الجوائز بشكل عام، ولكن تكمُن الفكرة في أنني أحب اختيار الجائزة التي أقبل بها، أحب اختيار الجهة التي تمنحها، فلا أحب مثلا أن أحصل على جائزة من الدولة حتى لا أُحسب عليها، أو أكون مدينًا لها بشيء؛ حيث تكون هناك علاقة ما دائمًا بين مانح الجائزة والحاصل عليها.

أما جائزة الشعب فهي مختلفة تمامًا؛ لأنها الأولى من نوعها في العالم العربي، جائزة شعبية، فقط مجموعة من الشخصيات العامة فكّروا بأن يكون هناك تقليدٌ جديدٌ لتمنح تلك الجائزة لشخص ما، بعيدًا عن أي جهة دولية أو مؤسسة ضخمة؛ وبالتالي فأنا أقبلها بالطبع ولا يوجد ما يمنع من ذلك.

 

في بداياتك درستَ علم التصوير السينمائي فكيف أفادك في الكتابة؟
أي دراسة لأي فن أو علم له تأثير على الكتابة، فإن درست الكيمياء مثلًا سيكون لها أثر ما، فكل ما نتعلمه أو نعرفه يصبُّ في النهاية في كتاباتنا، إلا أنني في الحقيقة قطعت دراستي بالتصوير السينمائي ولم أدرسه بالمعنى المفهوم فأنا من قبله كاتب ومن بعده كاتب أيضًا.

هل أضاف تحويل روايتك "ذات" إلى مسلسل تلفزيوني لها، أم جار على النص الأصلي؟
في الحقيقة أنا لا أفكر في هذه المسألة، فقد اعتبرت أن علاقتي بالرواية انقطعت منذ اللحظة التي وقعت فيها العقد مع الشركة المنتجة، ليصبحوا هم المتحملين لمسؤولية المنتج وليس لي به أي علاقة.


إذن، بعدما شاهدت العمل لم تكن لديكَ تعليقاتٌ عليه؟
الفكرة أنني مؤمن بأن لكل مجال قوانينه وظروفه، فأنا أجلس في غرفتي وأغلق الباب ومعي ورقة وقلم لأكتب، بينما يختلف العمل الدرامي كليًا فهو سلسلة معقدة ما بين سيناريست ومصور ومهندس صوت ومخرج ومنتج قد لا يريد مشهدًا ما لتكلفته وهو يفضل التوفير، كل هذه عوامل خارج إرادة الكاتب.

ما مصير السيناريو الذي سيجمع بين روايتي "تلك الرائحة" و"67"، ولِمَ توقف الفيلم المأخوذ عن رواية "اللجنة"؟
بالنسبة لـ"تلك الرائحة" و"67" فهي آخر شيء انشغلت به وأعمل عليه حاليًا، أما "اللجنة" فكتبت السيناريو والحوار وقمت ببيعه للمخرج وهو المنتج أيضًا، ثم تعثر وواجه مشاكل في التعامل مع الممثلين وأغلق شركته وترك مصر.

 

"تلك الرائحة" هي أول أعمالك، احكِ لنا عن كواليسها وما دفعك للدخول لعالم الكتابة؟
بدأتُ الكتابة وأنا في السجن، والسجن يكون له ظروفه فنرى تجارب مثيرة ومختلفة وجديدة ونسمع قصصًا وحكايات كثيرة، وفي الوقت ذاته نكون بعيدًا ولا نستطيع فعل شيء في النهاية أنت محكومٌ عليك، وكنا حينها ممنوعين من القراءة والكتابة والراديو والتلفزيون، فكنت أكتبُ في رأسي وحينما ذهبنا إلى سجن الواحات أصبح لدينا إمكانية الحصول على ورق شكائر الأسمنت، فكنا نقطعها ونكتب عليها ما يخطر ببالنا وبدأت أهتم بالكتابة لأضع تجاربي المحدودة وقتها على الورق، وحينما خرجت من السجن هزَّني العالم بعد انقطاعي عنه لخمس سنوات فعبرت عن ذلك ووجدت أنه أصبح لدي رواية صغيرة مكتوبة فنشرتها، ومن ثَمَّ واصلت الكتابة.

هل ما زالت تلك الأوراق موجودة؟
لا ليست موجودة، لدي ورق آخر بعد كتابتنا على هذه الأوراق نقلتها على ورق السجائر –البفرة- بخط دقيق جدًا وما زالت لديّ حتى الآن، بعد أن هربتها من السجن وسافرت بها وعدت بها وما زالت موجودة.

لِمَ لَمْ يتحوَّل مسارُك في الكتابة عبر عقود برغم تعرضك لصعوبة نشر بعض أعمالك، وفضَّلت الخروج عن المألوف، بينما فضّل البعض أن يسير مع التيار؟
أعتقد أنني اكتشفت مبكرًا أنني لا أجيد شيئًا سوى الكتابة، أو هكذا تصورت، وكنت أستمتع بالتعبير عن نفسي بطريقة قول أشياء لا يجرؤ أحد على قولها، أو لا يحب أن يقولها، أو حتى ليس معتادًا عليها فقلتها أنا، وهذا كان يشبع شيئًا لديّ قد يكون نوعًا من الغرور أو نوعًا من الرغبة في التميز أو رغبة في صدمة الناس بمعنى أن أقول لهم "انظروا أكتب ما لا تستطعيون كتابته! أو ما لا تحبون كتابته!"، هي عملية مركبة جدًا لها أكثر من جانب، وقد حاولت بعد ذلك اتخاذ مسارات مختلفة كاهتمامي بالتصوير، فكنت أحلم بكتابة قصة مصورة إلا أنني فشلت في ذلك، وعملت بالصحافة في مصر وألمانيا إلا أن الأمر لم يجذبني كثيرًا.

كيف تقيِّم حرية التعبير على مدار تاريخك في الكتابة وحتى الآن في مصر؟
للأسف لا توجد لحظة تمتعنا فيها بحرية تعبير كاملة، لا بد في كل فترة ما من وجود قيود لأسباب ودواعٍ مختلفة، والكثير من تلك القيود يكون ملتفًا برداء المسؤولية الوطنية وهذا بالطبع عقبة، إلا أنه من جانب آخر شجَّع على أشكال كتابية تميل للرمز والغموض والتعبير عن الاغتراب، فلم يكن الأمر سلبيًا 100%، والآن بالطبع هناك أزمة تتمثّل في تعوّد الدولة المصرية أو تركَّبت مفاصلها على أساس الاستبداد بشكل أو بآخر وهو ما يؤثر على حرية التعبير بل وإحساس الكاتب أو حتى المواطن بحقه في هذا المجال، ولذلك فنحن نفتقد حرية التعبير ولكن لن يستمر ذلك كثيرًا.

وإذا تحدثنا عن الحريات في الوطن العربي أجمع. ماذا تقول؟
نفس الأزمة موجودة دائمًا في أي نظام قمعي في كل بلد عربي، وهذا النظام يضع حدودًا وقيودًا على التعبير لغبائه حيث يتصور أن تلك الحرية تحّد من قدراته وإنتاجه والمساحة التي يتحرك فيها، وهو ما رأيناه في كل البلاد العربية مثل السعودية ثم الإمارات والبحرين، بالإضافة إلى الوضع المرتبك في ليبيا وسوريا فالنظام السوري نظام قمعي يمارس أبشع أنواع القمع، حتى في بلاد أخرى مثل لبنان هناك معادلات مختلفة تضع قيودًا على حرية التعبير.

كيف اخترت عنوان رواية "أمريكانلي"؟
في الحقيقة عنوانها جاء بالصدفة حينما كنت أفكر في عنوان وعرضت على صديق لي عناوين عادية فاقترح "أمريكانلي" لاحتمالها على معنيين، ووجدت اقتراحه جيدًا لإشارته إلى حضارة كاملة أخرى ومصيرها فـ"أمريكاني" على وزن "عثمانلي" أيضًا وهي حضارة منحت الكثير للعالم ولكنها قامت على القمع والاستبداد والاستعمار فانتهت لذلك جاء الاسم متنبأ بالمستقبل!

تصور رواية "بيروت بيروت" الحرب الأهلية في لبنان، كذلك رواية "وردة" تتناول جبهة تحرير ظفار في عمان، هل عشت في هاتين الدولتين لفترات جعلتك تقبل على كتابة العملين؟
في العملين كنت موجودًا بشخصي في تلك الأماكن، فكنت متواجدًا في بيروت عقب الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت عام 1975 وكنت هناك عام 1980 في زيارة وقبلها كنت هناك أيضًا فهذا ساعدني بالإضافة إلى البحث والاستقصاء حول الأمر،  كذلك "وردة" كنت في عمان وجاءتني الفكرة هناك وبدأت التقصّي، ومن خلال احتكاكي الشخصي استمددت من أوساط الطبيعة والبيوت والشخصيات والسلوكيات وأكملت على ذلك بعدما عدت مصر، فظللت تقريبًا عامين أجمع المادة حول تاريخ الثورة الظفارية ليصل الأمر إلى سفري لباريس لأرى أرشيف الجبهة الظفارية هناك واستكملت العمل فيها.

هل ما زال هناك من يتقصّى البحث في أعماله، أم أصبح الاستسهال موجودًا لدى بعض الكتاب الشباب؟
نوع العمل هو الذي يتطلب منك البحث فمثلًا "تلك الرائحة" لم تتطلب ذلك كانت مجرد تسجيل تجربة شخصية، أما "وردة" فالموضوع كان يتطلب بحثًا، ولا علاقة للأمر بكتّاب جدد أو استسهال من عدمه، بل العمل نفسه قد يكون جزء منه البحث.

بمَ تفسر ما حدث بعد ثورات الربيع العربي؟
ما حدث بعدها هو الثورة المضادة وهي مسألة واردة في كل ثورة، وكل تغيير في أي بلد يتبعه ثورة مضادة فتكاد تكون عملية فيزيائية بأنه لكل فعل رد فعل، وحدث الأمر في الثورة الفرنسية والثورة البلشفية وهو منطقي جدًا، ولكن هناك نقطة هامة وهي أن الحركة الثورية لم تكن منظمة على الإطلاق بل كانت عشوائية بسبب عهود القهر والاستبداد لتقتل القدرة على التنظيم أو على تنظيم أي عمل وهذا هو سبب فشل هذه الثورات.

إذا كان عدم التنظيم سببًا في فشلها فالدول الآن تعمل على القمع بشكل أكبر فهل هذا معناه استمرار الاستبداد كثيرًا؟
بطبيعة الحال لن يستمر الأمر كثيرًا، فإذا استمرت الأنظمة بهذا الشكل ولم تتنازل لتمرر بعض الأشياء سيكون مصيرها كمصير من سبقها.

رأينا مؤخرًا تقديمك لكتاب "4 أيام من التحرير" ومن النادر أن نراك تقدم كتبًا، فلماذا هذا الكتاب بالتحديد؟
هو عمل جيد وكنا بحاجة إلى أن ننشر على الملأ تجربة شباب كان موجودًا بأحاسيسه، كما أنها مسألة مهمة جدًا بالنسبة للتاريخ والظروف الراهنة.

لماذا لا نراك على مواقع التواصل الاجتماعي؟
أنا مثلًا لا أكتب أي شيء إلا على الكمبيوتر، لكن في النهاية ودون أي تنظير لا أحب وسائل التواصل الاجتماعي.. لا أحبها.. ليس من الطبيعي أنني كلما فعلت شيئًا أخرج لأكتب ما فعلته!.

هل أنت راضٍ على مسيرة ما يقرب من 50 عامًا لك في الكتابة؟
في المطلق حينما تكتب شيئًا تكون الأكثر وعيًا بنقاط ضعفك، وتكتب ما تشعر به وتعود لتعيد من جديد لكن لا يوجد شعور كامل بالرضا، فقط اكتب ما أريد أن أعبر عنه وأحاول إن استطعت أن أحقق جزءًا منه وأتمنى أن يتاح لي ذلك فيما بعد.

هل من أعمال جديدة؟
نعم أعكف حاليًا على بعض الأعمال، ولكن لا أحب أن أتحدث عن أشياء لم أنتهِ منها.

August 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 31 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
عدد الزيارات
3706640