الصفحة الرئيسية

مقابلة قديمة مع الشاعر الراحل عصام العبد الله

بيروت - ميرفت الدهان:أ عصام عبد الله شاعر لبناني

عصام العبدالله أحد رواد الشعر المحكي، عمل كأستاذ في الأدب العربي، ثم عمل في مجال الصحافة. له مجموعتان شعريتان الأولى 'قهوة مرّة' أصدرها سنة، 1982 والثانية 'سطر النمل' التي صدرت سنة.. 1994 كما ان له العديد من القصائد التي لم ينشرها بعد. ومن الجدة والتميز أن ترافق إصدار كل من المجموعتين بكاسيت مسجل بصوت الشاعر ومرافقة زياد الرحباني عزفاً، وكان تعليق الشاعر على ذلك أنّ المحكية التي نكتبها تسمع أكثر مما تقرأ.
'الاتحاد' حاورت الشاعر عصام العبدالله وفيما يلي نص الحوار:


* من المعروف أنك أحد رواد الشعر العامي الذي تسميه شعرا باللغة المحكية، ما سبب تسميتها 'اللغة' عوضاً عن العامية، أو اللهجة العامية؟ واللهجة هي بالأساس عربية محرّفة.

**إن اللهجة اللبنانية المحكية التي أكتب فيها والأدق التي أتكلم بها، هي لغة عربية كل مفرداتها فصيحة، والمختلف مع الفصحى فحسب، أسماء الاشارة والاسم الموصول وعلامات الربط وتسكين أواخر الكلمات وما تبقى هو لغة عربية فصيحة لذلك هي لهجة محكية وليست لغة محكية.

* لمَ لم تكتب بالعربية الفصحى أو تحاول نظم مشاعرك بالفصحى؟وهل تعتبر أن 'اللغة المحكية' تستطيع حمل مشاعر الشاعر وإيصالها بشكل أفضل من الفصحى باعتبارها اللغة اليومية؟
** أود أن أصحح السؤال إذ لا أحب كلمة نظم لكتابة الشعر، النظم هو حرفة, أما الشعر فهو حرفة وزائد عليها الموهبة، والفارق واضح في تاريخنا بين الشعراء والنظامين. أما المستوى الثاني للسؤال فيدفعني إلى الكلام عن المهمة التي تقوم بها اللغة وهي تحمل لحظة الفتح الشعري. اللغة وصيفة نبيلة عند جلال المشهد الشعري، وفي الفصحى أو المحكية اللغة هي حاملة اللحظة الشعرية. لا أظن أن هناك سهولة في المحكية وصعوبة في الفصحى أو العكس، المهم ماذا يقول الواحد منا في هذه اللغة أو في تلك اللهجة، وما هي حمولة اللغة؟ عندما نجاوب عن هذا السؤال نكتشف أن ما نسميه اللمعة الشعرية يظل حقيقياً وجميلاً في الفصحى وفي المحكية وفي السكوت أحياناً.

* ما رأيك في ارتباط العامية بالغناء؟ وهل تعتبر أنك ومن يحلق معك في سماء المحكية تكتبون ما يغنى؟ بمعنى هل كل محكي يغنى؟
** كل نص بالمحكية أو في الفصحى يغنى أو لا يغنى. وشرط النص الغنائي ليس لغته وإنما ما يقوله، وفي المحكية نصوص لاتغنى، وفي الفصحى أيضاً، وفي المحكية نصوص تغنى وفي الفصحى أيضاً، وأظن أن النصوص التي تكتب لتغنى هي التي تغنى. أما مكتبة الشعر العربي فلم يغنَ منها أكثر من مئة بيت من ملايين الأبيات الشعرية هذا في الفصحى، أما في المحكية فلم يغنِ لي أحد إلا مرسيل خليفة.. غنى قصيدة المقاوم وهذا شعر بالمحكية ولايغنى. ليس من علاقة خاصة بين المحكية والغناء، والعلاقة هي بين الغناء وباقي فنون القول. الرحابنة كتبوا شعراً ليغنى، وقد كان شعراً حقيقياً، وكانت من الظواهر القليلة التي سمحت للشعر الجيد بأن يغنى. والمتنبي العظيم لم يغنِ له أحد، وأبو فراس شاعر العرب الغنائي غنت له أم كلثوم ثلاثة أبيات. كمية الغناء في اللهجات المحكية أكبر من كمية الغناء باللغة الفصحى هذا صحيح، ولكن ليست له علاقة بشاعرية النص، عادة لا يغنى الشعر الجيد لأن قيمته في نفسه كشعر وليس بحاجة إلى من يغنيه. وأخيراً أغار كاظم الساهر على نزار قباني مع أن المحاولات النادرة التي نجحت معه قليلة، ولا أظن أن نزار قباني استفاد كشاعر من غناء كاظم الساهر له، وإنما كاظم هو الذي استفاد من شهرة نزار قباني كشاعر. ولم يضف غناء كاظم الساهر على أهمية نزار قباني والذين يعرفون شعر نزار قباني، لم يهتموا بالغناء. والذين اهتموا واحتفلوا بغناء كاظم الساهر لا يعرفون شعر نزار قباني بالأساس.

* أين تصنف نفسك بين شعراء العامية؟ وما رأيك ببعض شعراء جنسك الأدبي 'القصيدة المحكية'، أمثال سعيد عقل وطلال حيدر والسبعلي؟
** يفترض ألا يعطى الشاعر الحق في تقييم نفسه كي لايكون كمن يسطو على مهمة النقاد، وخوفاً من أن يقع في الأنا غير المستحبة، لست أنا من يضع نفسه على خارطة الشعر. ثمة جهات تقوم ربما بهذه المهمة، أو ثمة أناس يرتبون خرائطهم. أظن أن الحرم الكبير، الذي كانت ترمى به المحكية كحركة مشاغبة على الملكة الفصحى، خفت حدته لذلك تتساوى مع الملكة في هذا اللون من الشعر. وقد خسرت المحكية كثيراً من المواهب التي ترفعت عن كتابتها، الآن الأفق مفتوح أكثر، والمواهب يفترض أن تخرج بسهولة أكثر إلى العالم. ما أريد أن أقوله هو أن شرعية القصيدة المحكية بدأت تترسخ وتتسع الشرائح المتعاملة معها كتابة أو سماعاً. والفضائيات العربية هدمت المحكيات العربية المختلفة، وحاولت دون أن تدري تأليف محكية عربية شبه موحدة يدفع إليها حسّ التواصل مع الآخرين في الفضائيات. إن الذي يراقب الأغنية الخليجية الآن سيكتشف أنها شيئاً فشيئاً كنصوص بدأت تبتعد عن القريب المحلي باتجاه الفصيح الشائع على صعيد المفردات. الشعر الذي يكتب في الخليج يحاول أيضاً أن يبتعد عن كل المفردات المحلية غير المفهومة للآخرين وأن يقترب من مفهوم المفردة الجامعة بمعنى الفصحى، لذلك قلت لك في البداية: إن المحكية التي نتكلمها هي فصحى.

* هل تعتبر أن اللغة المحكية كقصيدة في مصر متطورة عن قصيدة لبنان، باعتبار أن لديهم شعراء أمثال 'عبد الرحمن الأبنودي'؟ ما رأيك بالعامية المصرية، وهل تختلف القصيدة المحكية اللبنانية عن المصرية؟
** أنا قسمت اللهجات العربية إلى خمس رزم صوتية، الهلال الخصيب (لبنان، سوريا، الأردن، وفلسطين)، وادي النيل، الجزيرة العربية، المغرب العربي، وثمة لهجة خامسة هي العراقية، حيث التداخل بين الحضارات القديمة وبين العربية ينتج لهجة منفردة. في هذه البلدان نرى المحكية تتقدم سريعاً وحثيثاً كلاعبة نشيطة والتجربة الأكثر تقدماً في لبنان ومصر، ثم يأتي العراق ثم الخليج ولم تصلنا نصوص من المغرب العربي. ليس استعمال المحكية هو الذي يجلب الأهمية، فكل مجتمع من المجتمعات العربية له لهجة يستعملها، إلا أن انخراط المواهب في الكتابة بالمحكية هو الذي يؤدي إلى تطورها. اللهجة المصرية تطور شعرها لأنه بدأ من أجل الغناء ثم استقل، في لبنان أيضاً نحن نفتش عن النص الشعري باللهجة المحكية، المستقل عن الغناء. لذلك ألفت إلى أن الأبنودي في مصر وأحمد فؤاد نجم، وألفت إلى مظفر النواب في العراق في كتابه 'الريل وحمد' بالمحكية، وألفت إلى بعض الأصوات الجميلة في الخليج من أمراء وسواهم. آن الأوان كي نقبل بأن تكون للسان اليومي زينة أيضاً، ونعني بذلك الشعر. سابقاً كان الجمال في الملكة لماذا لايصير الجمال أيضاً في بنات الفلاحين.

* هل يمكن أن نكتب قصيدة نثر باللغة المحكية وقد اتسمت القصيدة المحكية بارتباطها بالوزن ومحافظتها عليه؟
** قصيدتي على البحور ما نسميه شعر التفعيلة في الفصحى، نحن أيضاً نكتب بهذه الطريقة ولم يحصل بعد أن كتبت أنا شخصياً نصاً نثرياً وربما القلة القليلة التي حاولت كتابة نص نثري بالمحكية ربما وفقت بشكل أو بآخر. في العمل الشعري الذي أصب فيه أحاسيسي الشخصية ولا أقول إلا رأيي في أن الوزن هو أحد أعمدة الشعر ولا أقول بتحريم النثر الشعري. شخصياً أكتب موزوناً.

* كيف تنظر إلى الشعر الحرّ أو شعر الشعراء الذي يكتبونه؟
** لو لم يكن محمد الماغوط موجوداً، لكنت قد تجرأت وقلت كلاماً ليس لمصلحة قصيدة النثر، علمنا محمد الماغوط أن الشعر الذي يخسر الوزن يعوض عنه باللقطة اللافتة حيث هناك الشعر الحلال. وقد أحيل الكلام إلى أحد كبار النقاد العرب وهو عبد القاهر الجرجاني الذي له هذه العبارة المدوية، 'أجمل الشعر مابدا وكأنه نثر وأجمل النثر ما بدا وكأنه شعر'، كأن عبد القاهر الجرجاني يقول: إن الشعر هو الفتح والإضاءة والكشف، وهو سابق على الأسلوب وعلى الأداء، وعلى اللغة سواء كانت موزونة أم منثورة.

* لمَ ذبل الشعر باعتقادك واتجه الجمهور إلى قراءة الرواية بحيث ازدهرت أكثر من اي جنس أدبي آخر؟
** نحن الآن في منطقة الغبار الكثيف حتى أنه لتنعدم الرؤية. قتلنا الأب ولم تتزوج الأم ليصير لنا اب بديل، فقدنا المرجع، وفقدنا النبع الذي يخرج منه نهر الكلام وأصيب الشعر بالضحالة والكذب والمهنة والصفة، وإن كثرة الكذب هربت زبائن الشعر. ثمة شعراء هرّبوا الزبائن. ويبدو أن الناس تذهب إلى الحوادث حيث تعاين الحياة بينما الشعر يتخبط في العبث الكامل وفي الفن الكامل في الوعي الكامل للأفكار والمعاني. ولا أظن أن الرواية متقدمة كثيراً. تصدر مئة رواية عربية وما يلفت منها واحدة أو اثنتان.. هذه حالة الشعر أيضاً، ففنون الكتابة كلها مصابة بالخطر.

* هل لديك مشروع ديوان جديد؟ وما الذي تكتبه الآن؟
** أنا في جنازة جميلة هي جنازة القصيدة، وأظن أننا من أقارب الفقيد.. يعزينا الناس.. تذهب القصيدة إلى المقبرة ونذهب نحن إلى السكوت، لم يعد أحد يهتم بالقصيدة.. الشعر موجود في كل مكان، والخطر على القصيدة التي هي اللحظة الشعرية منفذة باللغة. خوفي على القصيدة حيث يذهب الناس إلى فنون سوى فنون اللغة، حتى أنهم ينصرفون عن اللغة نفسها، الشاعر في موقف لا يحسد عليه.. لن يتطور فن إذا لم يكن المجتمع حاضناً لهذا الفن.. ستذبل القصيدة صدقيني وهي تذبل فعلاً عندما ينصرف عنها الفلاحون، فلا يعشب الأرض لها أحد، ولا أحد يصب ماء، ولا طير يغني.. صدقيني أخشى أن تذبل القصيدة.

الاتحاد

نقلاً عن صفحة: خضر عواركة

June 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
عدد الزيارات
3202358