الصفحة الرئيسية

بمناسبة الذكرى 14 لغيابه.. يعيد "فينكس" نشر حوار مطوّل مع القيادي والمناضل الشيوعي دانيال نعمة

أجرى الحوار: أُبي حسن

هذا الحوار الأخير الذي أُجري مع القيادي والمناضل الشيوعي الراحل دانيال نعمة, وقد استغرق إجراؤه معي تسعة أشهر, إذ بدأت به صباح يوم الخميس الموافق 2/1/2003 في مكتبه في مبنى جريدة "النور", وأنهيته في أواخر الشهر التاسع من العام 2003. أ دانيال نعمة القيادي الشيوعي

ولعله من المفيد القول أنّه كان من المقرر نشر الحوار في جريدة "النور" في حياة الراحل الذي غادرنا في 6 كانون الأوّل من عام 2003, بيد أن الزملاء من غير الشيوعيين اعترضوا على نشره متذرعين بأنّه من غير "اللائق" أن يُنشر حوار لرئيس تحرير جريدة في مطبوعة يرأس هو تحريرها!

آنذاك قلت للأستاذ دانيال: إن نشر الحوار يحتاج إلى قرار سياسي لا قرار مهني (إذ كنت وإياه نخطط لموضوع آخر يلي نشر الحوار). فأجاب: إنني مقتنع معك بوجوب نشره أكثر من ذي قبل, لكن أمهلني بعض الوقت كي أعرضه على المكتب السياسي للحزب. وكان له ما طلب, غير أن المكتب السياسي رفض نشر الحوار في جريدة يصدرها الحزب لأسباب حتى الآن لا أعرفها, ومن الجدير ذكره أن المكتب السياسي لم يطلع إلّا على القسم الذي كان من المقرر نشره, علما أن ذلك القسم سبق أن اطلع عليه يوسف الفيصل الأمين العام للحزب الشيوعي[1] وعدّل فيه وأضاف عليه قبل أن يعرض على المكتب السياسي بأشهر!

يبقى أن أفيد, بأنّ الحوار موجود كاملاً في كتابي "حوارات في النهضة والتراث والواقع" الصادر عام 2005. وكنتُ نشرتُ جزءاً صغيراً منه, في صحيفة "السفير" اللبنانية, عقب رحيل الأستاذ دانيال.

وفيما يلي القسم الأول من الحوار, ويتطرق فيه الراحل إلى أسباب انفصال الحزب الشيوعي اللبناني عن السوري, ومن ثم انقسام السوري على ذاته, وأسباب ذلك الانفصال, ومن ثمّ الانقسام ودور خالد بكداش ورياض الترك في ما آل إليه الحزب من ترهل من وجهة نظره, ومواضيع أخرى.

القسم الأول من الحوار

* ما هي أسباب انفصال الحزب الشيوعي اللبناني عن السوري، ومن ثم أسباب انقسام الحزب الشيوعي السوري على نفسه؟

** هذا السؤال قد تكون الإجابة عليه مختلفة، بمعنى لو سألت بعض الذين ساهموا بالانقسام، لأجابوك أن هناك وراء هذه الانقسامات أوساطاً صهيونية كانت تكره الحزب الشيوعي السوري بسبب مواقفه منها ومن الإمبريالية.

على الصعيد الشخصي إذا أردت إخبارك عن أسباب انقسام حزبنا، بدءاً من الانقسام بينه وبين الحزب الشيوعي اللبناني، الذي هو أول انقسام، أستطيع القول إن السبب العميق لهذا الانقسام، هو انطلاق الحزب الشيوعي اللبناني من ضرورة أن يتحرر من نفوذ القيادة الشيوعية السورية، أو بعض الشخصيات السورية للحزب الواحد (السوري واللبناني). كان اللبنانيون يرغبون في التخلص من نفوذ هذه القوى.. لكن إذا أتينا إلى أرض الواقع نجد سورية ولبنان دولتين، منفصلتين، مستقلتين، لكل منهما دستورها الخاص بها، ونظامها الخاص كذلك، لذا أرى أن انقسام الحزب آنذاك منطقي، مع بقاء العلاقة جيدة وطبيعية بين الحزبين.

* هل كانت متمثلة تلك القيادة التي أراد اللبنانيون التخلص من نفوذها بالأمين العام _آنذاك_ خالد بكداش؟ وفي أي عام حصل الانقسام؟

** عملياً، كانت القيادة متمثلة ببكداش، لأنه كان الأمين العام للحزب في سورية ولبنان، وقد كان ذلك عام 1943-1944 إبان انعقاد المؤتمر الوطني الأول للحزب. الذي هو برأينا، المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي في سورية، وهذا المؤتمر أقرّ استقلالية الحزب الشيوعي اللبناني عن الحزب الشيوعي السوري. وقد تشكلّت قيادة للحزب في سورية تمثلّت بخالد بكداش ورشاد عيسى وغيرهما، وفي لبنان تمثلت القيادة بفرج الله الحلو ونقولا شاوي وأرتين مادويان وغيرهم. غير أن هذا لم يمنع بقاء السلطة الرئيسية بقيادة خالد بكداش.

* إذاً، ما الأسباب التي دفعت الحزب في لبنان كي ينفصل ويستقل كلياً عام 1964 عن القيادة في سورية؟

** عقب نجاح الرفيق بكداش، في انتخابات دمشق النيابية عام 1954، طلب من فرج الله الحلو ونقولا شاوي وحسن قريطم.. أي قيادة الحزب في لبنان، الحضور إلى دمشق، بغية العمل في جريدة الحزب، وغيرها من مهام، الأمر الذي أدى إلى وجودهم المستمر في دمشق، عندئذ أصبحوا يراقبون تصرفات الأمين العام (بكداش) عن قرب. وكذلك مواقفه التنظيمية التي كانوا يرون فيها إضعافاً للحزب في لبنان. لهذه الأسباب جرت محاولات جدية للانقسام الكلي، وقد حصل ذلك في خريف 1964. وكان بالإضافة إلى الجوانب التنظيمية أسباب سياسية، هي الموقف من الناصرية ومن عبد الناصر، فالحزب الشيوعي السوري كان شديد الانتقاد لعبد الناصر في تلك الفترة، بينما اللبنانيون كانوا متأثرين بالسوفييت في نظرتهم إلى عبد الناصر بمعنى آخر كانوا متفقين.

* متى بدأت بوادر انقسام الحزب الشيوعي السوري _داخل سورية_ على نفسه؟

** قد تكون بوادره ظهرت بعد المؤتمر العشرين عام 1956 في الاتحاد السوفييتي، إذ نشطت سنتذاك الكتلة الشيوعية ضد عبادة الفرد (المقصود إدانة خروتشوف لديكتاتورية ستالين في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي).

على الصعيد الداخلي، ضمن سورية، طالبنا بانعقاد لقاءات حزبية دورية، واستفحل الخلاف في عامي 1968-1969 وسببه كان تنظيمياً، بالدرجة الأولى.. إذ من غير المعقول أن تنقضي 25 سنة دون أن يعقد الحزب مؤتمراً‍!‍ فمنذ عام 1943-1944 لم يعقد مؤتمراً، وهذه الظاهرة لم يكن ممكناً القبول بها‍!

* كما أعرف, إن المؤتمر الثالث لحزبكم عُقد أواخر أيار 1969، هل عانيتم أثناء التحضير لانعقاده صراعات تنظيمية، ولاسيما تفصله عن المؤتمر الثاني مدة زمنية طويلة نسبياً؟ وما هي أبرز القضايا التي طرحها؟ وفي أية أجواء عُقد؟

** لاشك أنه احتدمت في المؤتمر صراعات تنظيمية، كما طرح وأثار قضايا فكرية، إضافة إلى وضعنا لمشروع برنامج للحزب.

القضايا التي أثرناها هي.

_ قضية فلسطين وموقف الحزب من قرار التقسيم (من المعروف أن الحزب الشيوعي السوري لم يُدِن قرار التقسيم في حينه).

_ الموقف من الأمين العام (المقصود خالد بكداش).

_ الموقف من التنظيم الشيوعي الموحد، معنى هذا التنظيم الشيوعي الواحد لكل بلدان العالم العربي، إذ سبق أن طُرح هذا الشعار، فيما مضى.

المؤتمر الثالث، عُقد في أجواء هزيمة حزيران، وفي جو نصف سري، نصف علني. أجواء هزيمة حزيران فرضت ظهور تيارين، الأول منهما يرفع لواء الأممية، كان يقوده الرفيق خالد بكداش، والثاني كان يرفع لواء القومية، وكان يقوده المكتب السياسي (إبراهيم بكري، ظهير عبد الصمد، دانيال نعمة، رياض الترك)، وأصبحت القومية تهمة، كأنني بالأممين تجاهلوا أثر هزيمة حزيران التي رفعت وتيرة المشاعر القومية؟

* وهل بقي التيار الأممي الذي يقوده بكداش مصرّاً على عدم الإدانة لقرار التقسيم؟

** في رأي بكداش أنه لم يخطئ، ولم يتوانَ عن تمنيه قبولنا قرار التقسيم في ذلك الحين، لأن رأيه أن مشاكلنا كلها كانت قد حُلت لو قبلنا.

* بالنسبة إلى قضية الحزب الشيوعي الواحد، كيف حُسم أمرها؟

** بغية حلّ هذا الموضع لجأنا إلى الاتحاد السوفييتي، وعلى ما أذكر أن الذي كان يقود المباحثات من الطرف السوفييتي هو يفغيني بريماكوف، وكان مع بريماكوف شيوعي تتري، يُدعى كتاؤولي، وقد تدخل هذا الأخير مرة واحدة قال فيها: "إن الفصل الذي كُتب عن فلسطين والصهيونية هو من أفضل ما كُتب في الأدبيات العربية عن هذين الموضوعين". ولأن كتاؤولي قال هذا منع من الكلام فيما بعد.. على ما يبدو كان يوجد قرار لدى السوفييت بأنه لا توجد أمة عربية، بل هي أمة في طور التكوين (كان هذا الكلام عام 1971). والمفارقة تكمن أن العلماء السوفييت أنفسهم، في لقاء لهم مع الحزب الشيوعي العراقي، وافقوا على وجود أمة عربية، لكن إلى جانبها أمة كردية.

كمكتب سياسي لم نقبل بهذا، لكن الرفيق بكداش قَبِلَ ونشر محاضر تلك الجلسات وآراء الخبراء السوفييت، ومن ضمنهم بريماكوف الذي يرى أنه لا وجود لأمة عربية، بل هي أمة في طور التكوين، وقد استخدم الرفيق بكداش ما نشره أداة في الصراع داخل الحزب بين الأممين والقوميين.

الصراع داخل الحزب كان قد أرخى بظله على منظماتنا الحزبية الطلابية في أوربا، فسعيت لحله، والأمر نفسه فعلته في المجر سنة 1971 ليلة عيد الميلاد، وكان نتيجة ذلك أن عيَّد الطلاب القوميون (المكتب السياسي)، والأمميون (جماعة بكداش) سوية، في حين عيّدت وحيداً. بعد أن سويت الخلاف في الخارج، عُدت إلى سورية، ووجدت أثناءها الرفيق خالد يعقد اجتماعاً في المكتب السياسي، يحضره رياض الترك وإبراهيم بكري وظهير عبد الصمد ويوسف الفيصل وعمر قشّاش، حينها قدمت تقريراً عما فعلته في أوربا، ووافق الطرفان على نشاطي هناك وعدّوه ايجابياً وبناءً إذ ساهم في توحيد الحزب.

* ما الدوافع التي جعلتك تسعى إلى التسوية، والاختلاف الفكري بينكما أصبح عميقاً؟

** كان سيعقد اجتماع للجنة المركزية للحزب، لذا رأيت أن نتراجع عن بعض القضايا الفكرية المبالغ فيها، طبعاً إذا كان هذا يوحد الحزب، وسبب ذلك أيضاً أننا كنا قد وصلنا مع الرفاق السوفييت إلى دعوة لحزب شيوعي عربي واحد، قد يكون مكتباً للتنسيق بين الأحزاب الشيوعية الأخرى.

في رأيي هذا موقف ايجابي ومفيد للجميع، شرط أن يكونوا هم _أي السوفييت_ مع حقوق الشعب العربي في فلسطين.

بمعنى آخر نتجاوز إدانات تقسيم فلسطين من قبل الحزب، شرط أن يكون الرفاق السوفييت مع حقوقنا في فلسطين.. عملياً كانت أية إدانة للتقسيم هي إدانة للسياسة السوفييتية، وكذلك أية إدانة، في هذا المجال، لخالد بكداش، كانت تعدُّ كأنها إدانة للسوفييت.

* كان يوجد لديكم مواقف من الأمين العام، بماذا تتمثل تلك المواقف؟

** هذه تدخل في إطار القضية التنظيمية، إذ كان يوجد تأكيد على العمل الجماعي ضد عبادة الفرد.

* كررت عبادة الفرد أكثر من مرة، ألهذه الدرجة كانت تلك العبادة طاغية؟

** المقصود مواقف الرفيق خالد بكداش الفردية، وهذه الظاهرة كانت على مستوى الحركة الشيوعية العالمية التي ركبت الموجة متأثرة بستالين (العظيم) فأحب الجميع التشبه به، متصرفين كما يتصرف. لكن بعد المؤتمر العشرين للحزب في موسكو، صدر قرار يمنع وجود عبادة الفرد، لكن يوجد فرد شغيل، ويوجد أفراد عاجزون عن العمل، وكي يدافع الرفيق بكداش عن نفسه اتهم فرج الله الحلو ونقولا شاوي بالعجز وعدم القدرة على العمل، في حين هو القادر.

كما قلتُ لك هذا القرار جرى عندنا بعد المؤتمر العشرين في موسكو، تأييداً لخروتشوف (إذ أدان خروتشوف ديكتاتورية ستالين) إضافة إلى تبرئة النفس من ظاهرة التأليه.

* ما هي قصة المؤتمر الذي عُقد في حلب، آذار سنة 1972، وأسقط فيه عُمر قشاش؟

** كنّا قيد التحضير لعقد مؤتمر في دمشق، غير أن (الأممين) سارعوا إلى عقد مؤتمر في حلب أسقطوا خلاله عمر قشاش لأنه كان محسوباً على جماعة (المكتب السياسي) هذا ولم يأتِ (الأمميون) إلى مؤتمر دمشق خوفاً من أن يسقط فيه أنصارهم، لذلك عقدوا مؤتمراً خاصاً بهم، رداً على مؤتمر اللجنة المنطقية في دمشق، أصدروا في نهايته بياناً.

المكتب السياسي أدان بيانهم، وانقسم الحزب على هذا الأساس، بالطبع بُذلت جهود كثيرة من أجل إعادة توحيد الحزب، وكان هناك مفاوضات مختلفة ولقاءات عديدة مع السوفييت لأجل هذا الغرض.

* من خلال حديثنا، تبين لي أنكم كنتم تلجؤون إلى السوفييت في كل صغيرة وكبيرة. ألهذه الدرجة كنتم تبعيين لهم؟

** هذا الكلام فيه الكثير من المبالغة، الموضوع أنه كان هناك حركة شيوعية عالمية، والسوفييت هم المرجع الكبير في هذا الشأن، وللإنصاف لم يحاول الرفاق السوفييت أن يفرضوا علينا أي حلّ، بل كانوا يقدّمون آراءهم، وقد كانوا حريصين على وحدة الحزب، إذ كانوا يرونها ضرورية، لأسباب وطنية وقومية، ولاسيما في الصراع مع الصهيونية، كما كانوا يرون أي انقسام في الحزب هو خدمة للإمبريالية العالمية وبالتالي للصهيونية.

ناهيك عن أن مواقفهم كانت تنطلق من فهمهم للماركسية اللينينية، والظروف الراهنة، وكانوا يقولون أنتم من يقرر في كل قضية من قضاياكم، نحن نعطي وجهة نظر فقط. وقد كان من ضمن هؤلاء السوفييت كيرلينكو، الذي كان ترتيبه الثاني في الحزب بعد بريجينيف.

* إذا كان دور السوفييت يقتصر فقط على تقديم وجهات نظر، فلماذا كان لبريماكوف موقف يتمثل في أنه: "لا يوجد أمة عربية، بل هي أمة في طور التكوين" كما لاحظنا في الحوار؟

** كان بريماكوف حينئذ يقدم وجهة نظره كمحلل علمي، وإن كان برأيي أن تحليله لم يكن علمياً، وإنما كان يعكس مصالح وآراء معينة.

* في إحدى المرات التي ذهبتم فيها إلى الاتحاد السوفييتي، طالبت أن يذهب معكم رياض الترك، لماذا أصررت على ذهاب رياض الترك معكم إلى موسكو؟

** طبعاً، على الصعيد الشخصي، رفضت أن أذهب إن لم يذهب رياض الترك الذي قال لي حينها. أنتَ تمثلنا. فأجبته. أنا لا أمثلّك إطلاقاً، أنت تمثل نفسك، اذهب وتحمّل مسؤوليتك. وفعلاً ذهبنا. وهناك سايروه ولاطفوه، حتى كيرلينكو دعاه _أي لرياض_ قائلاً له: "أنا أدعوك أن تأتي في الصيف نقضيه معاً". وسبب هذه الدعوة شعورهم أنه متشدد من خالد بكداش. لماذا؟ هذا موضوع ثان.

في موسكو، احتج الرفيق بكداش، إذ كيف نذهب نحن من المكتب السياسي أربعة، في حين يذهب من طرفه هو ثلاثة فقط. فأجابه السوفييت الموجودون. لأن دانيال رفض أن يأتي إن لم يأتِ رياض، باعتباره لا يمثلّه.

أصررت على ذهاب رياض كي يتحمّل مسؤوليته فيما يتعلّق في الموقف من وحدة الحزب، وعندما صار مجالٌ للوحدة _عام 1973- رفضها‍!. اعتقادي أنه لو أتاها هو ورفاقه آنذاك، لكانت أشياء كثيرة قد حُلت.

* من كان مع رياض آنذاك، أو من كان تبنى موقفه؟

** بدر الطويل، يوسف نمر، نبيه جلاجح.. إلخ، لكنهم شيئاً فشيئاً تركوه، وهم الآن في صفوف الحزب، إذ نعمل سوية.

* هل أفهم من هذا أنك تحمّل رياضاً المسؤولية في انشقاق الحزب؟

** رياض الترك مثله مثل خالد بكداش في انشقاق الحزب.

* الخلاف الثاني في حزبكم جرى عام 1979، فماذا عنه؟

** الحديث عنه صعب، لأني لا أملك وثائق[2].

* يقال إن من أهم أسباب الخلاف الذي أدى إلى انقسام نهائي عام 1986، وثيقة كان قد كتبها بكداش ولم تكونوا موافقين عليها كمكتب سياسي، على ماذا كانت تنطوي تلك الوثيقة؟

** الحقيقة يوجد أكثر من سبب وموقف، غير الوثيقة، التي كان يقول فيها الرفيق خالد: "نحن مع الاتحاد السوفييتي كيفما كان".. طبعاً هذا غير معقول، وقد بعثت برسالة له وللرفاق السوفييت، مبيناً وجهة نظري حول الآراء التي تضمنتها وثيقة الرفيق خالد.. إذ من غير المعقول أو المقبول أن نوافق الاتحاد السوفييتي كيفما كان! هذا الكلام غير معقول ولا مقبول لا شعبياً ولا حزبياً ولا رسمياً‍! (مستدركاً) تصور أنه أحياناً كان يكتب: "لكل مناضل وطنان، وطنه والاتحاد السوفييتي"!

أيضاً هذا غير معقول! وفيه مبالغة‍! عبد الناصر كان مناضلاً، وصديقاً للاتحاد السوفييتي، لكنه لم يكن يعدّ الاتحاد السوفييتي وطنه، بل وطن أصدقاء.. كما ترى، كلام خالد لم يكن كلاماً مسؤولاً، ولا يساعد الحزب على الانتشار في أوساط كثيرة.

من أسباب الخلاف ومن ثم الانقسام، ما يتعلق بالنظام الداخلي للحزب. وقد كتبت حينئذ، مذكرة تحدثت فيها بوضوح إلى عدم احترام الرفيق خالد، الأمين العام للحزب، للنظام الداخلي! (قرأت المذكرة، وفيها ما يتحدّث عنه دانيال نعمة. المحاور).

الآن تأتي أم عمار (وصال فرحة) وتقول لك. دانيال نعمة يتحدث بهذا، وفي هذا الوقت كي يرضي الأمريكان والصهاينة.

ناهيك عن أننا كنا قد توصلنا في اتفاقية دمشق إلى 11 نقطة تتعلق. بتاريخ انعقاد المؤتمر وشروط انعقاده، وكيفية التصرف فيه... إلخ.

وقد وافقتُ أثناءها أن يكون للرفيق خالد أعضاء في اللجنة المركزية، أكثر مما لجماعة المكتب السياسي.

* بما أنكم وصلتم إلى كل هذا الاتفاق والانسجام، فلماذا كان الانقسام؟

** الرفيق خالد وافق، إنما زوجته لم توافق على الاتفاقية.

* هل معنى هذا أنها _أي وصال_ سبب الانقسام الأخير؟

** برأيي أنها من عوامله الرئيسية.

* ما تأكيدك على ما تقول؟

** بعد أن وُقعت الاتفاقية بالإجماع، تقرر أن يُقام على شرف هذا الحدث، نظراً لأهميته التاريخية لحزبنا، حفلة يحضرها جميع أعضاء اللجنة المركزية، يجري فيها تبادل الكلمات وتأكيد موافقة اللجنة المركزية على هذه الاتفاقية، وحدد الزمان والمكان، واتخذت التدابير اللازمة لنجاح هذه الحفلة. لكن حدثت أشياء غير قليلة، لافتة للانتباه، قد يكون أبرزها تأخر الرفيق خالد بكداش الأمين العام، عن الموعد المحدد أكثر من نصف ساعة، من ثم أتى وحده خلافاً للعادة. وتبين لنا أنه لم يتمكّن من إقناع زوجته الرفيقة أم عمار بالحضور (وهي عضو في اللجنة المركزية للحزب)، وكان ذلك مثار التحليلات والتعليقات المختلفة، تناولت دور الرفيقة أم عمار في المواقف الراهنة للرفيق خالد بكداش.

وإذا أردت المزيد من الاستدلالات، فبإمكانك أن تعرف ذلك من مجرد كونها أمين عام، وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على أنها كانت تخطط من هاتيك الأيام لتضييق الحزب، إلى درجة يصبح معها ملكها‍!‍

منذ فترة علمت عن طريق الرفيق عبد الكريم[3] أبا زيد أن صهرها السابق قدري جميل قال في ذلك اليوم: "إن اللجنة المركزية للحزب رجل واحد, هو وصال فرحة". ذلك لأنها رفضت حضور حفلة لمناسبة اتفاقية رعاها الرفاق السوفييت.

* في الوقت الحالي، لماذا لا تقبلون دعوة قدري جميل الهادفة إلى توحيد الحزب؟

** هذا موضوع آخر، أولاً دع قدري يحدثّك عن دوره في تعميق الخلافات في الحزب، من يرد التحدث بالوحدة فعليه أن يدل على أعماله السابقة ضدها، على الأقل حتى يقتنع الشخص منّا برأيه؟‍!

* بعد كل هذه الخلافات بين المكتب السياسي _وأنت منه_ والأمميين، كيف وصلت إلى الجبهة ممثلاً حزبك؟

** بعد توقيع ميثاق الجبهة، اجتمعنا في بيت أحد الرفاق الشيوعيين (موريس صليبي)، حيث أقررنا الموافقة على الميثاق المذكور، الذي شاركنا في صياغته (يوسف الفيصل عن الجانب الشيوعي)، وفي أحد اجتماعات اللجنة المركزية أقرت اللجنة بالإجماع أن يكون ممثلا الحزب في الجبهة خالد بكداش ودانيال نعمة.

إذ لم تقل اللجنة ظهير عبد الصمد أو إبراهيم بكري أو رياض الترك، وعلى الصعيد الشخصي لم أطلب من أحد أن يصوّت لصالحي أو ضد أحد من رفاقي، ناهيك عن أني لم أقترح نفسي. وأُرسلت رسالة إلى الرئيس (حافظ) الأسد تعلمه أن ممثلَيْ الحزب الشيوعي هما بكداش ونعمة. وقد كان ذلك في أواسط آذار 1972.

* ثمة شائعة سرت في ذلك الحين، مفادها أن خالد بكداش طلب من الرئيس الأسد الاستغناء عنك، ووضع بديل مكانك، ما مدى صحة هذه الشائعة؟ وماذا كان موقف الرئيس الأسد؟

** هذا صحيح، فقد أرسل الرفيق خالد رسالة إلى الرئيس الأسد (رحمه الله) يطلب فيها تغيير دانيال نعمة ووضع آخر مكانه، وقد كان ذلك في 3 نيسان 1972. غير أن جواب الأسد كان بالرفض، مضيفاً _أي الأسد_ أن معه رسالة من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، بالإجماع تقترح دانيال نعمة، وفي حال اقترحت اللجنة وبالإجماع تغييره يُغيره.

* برأيك ما مبررات الرئيس الأسد آنذاك لرفض طلب بكداش؟

** بتقديري لأن الحزب عملياً كان مقسوماً إلى حزبين، وفي حال قبل الرئيس طلب بكداش، فهذا يعني أن الحزب الثاني _أي نحن_ سنبقى خارج الجبهة‍! لذلك رفض الرئيس الأسد إزاحة دانيال نعمة.

أحب أن أضيف، في هذا السياق، أن الرئيس حافظ الأسد، التقى سنة 1972, بعد تشكيل الجبهة, برياض الترك مرتين، محاولاً إقناعه بدخول الجبهة، إلّا أن رياضاً كان يرفض، ولو قَبِل لكان سيحلّ مكاني، وكان يوجد رغبة عند بعض رفاقه أن يقبل، لكنه كان يرفض، وتستطيع أن تسأل يوسف نمر وغيره من الذين كانوا معه.

* كي نطوي صفحة حزبكم، اسمح لي بهذا السؤال: تشكّل لدي انطباع من خلال حوارنا تحميلك خالد بكداش مسؤولية انقسام حزبكم، كأن ما بينكما هو شخصي. تُرى هل ثمة مشكلة شخصية بينك وبينه؟ أم أن انطباعي مجرد وهم؟

** بالتأكيد انطباعك وهمي، فليس لدي أية مشكلة شخصية مع أي رفيق في حزبنا، وقد قضيت سنوات عديدة تحت قيادة خالد بكداش. وفي فترة من الفترات لم أكن أسمح لأحد في الدنيا أن يمسه ولو بكلمة.. الآن عندما أتحدث عنه يبقى في ذهني أنه من الرموز الشيوعية التي لعبت دوراً كبيراً بسبب من احتلاله موقعاً كبيراً. ومن يحتل الموقع الكبير فسيكون خطؤه كبيراً في حال أخطأ، على عكس الصغير عندما يرتكب الخطأ.


القسم الثاني من الحوار مع القيادي الشيوعي دانيال نعمة

 * يرى بعض المفكرين أن الشيوعية تخطاها الزمن، وبعضهم الآخر يرى أنّها لم تفعل شيئاً سوى أنها أظهرت للرأسمالية عيوبها، وقد استفادت الأخيرة من تلك الدروس والعبر، إذ أصلحت ما أمكنها من ذاتها، لذلك استمرت. أ دانيال نعمة

بعد سقوط المعسكر الاشتراكي، قد يكون عدد الشيوعيين في العالم كبيراً، لكن أين ترى أثرهم  وفاعليتهم فيما يجري في العالم من متغيرات؟

** ­مثل مَن مِن المفكرين يقول ما ذكرته؟

* منهم مفكرون عرب! فأنطون مقدسي يرى أن الشيوعية تخطاها الزمن، في حين محمد عابد الجابري يرى الرأي الثاني، ناهيك بأن أنطوني جيدنز (منظّر حزب العمال البريطاني) يذهب إلى ذينك الرأيين مجتمعين!

** لن أدخل في نقاش حول آراء من ذكرت، فهذا شأن كل واحد منهم، ولكني أقول: إن انهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي بعد بلدان أوربا الشرقية قد ترك أثره العميق على المفكرين جميعاً من كل المدارس يمينية ويسارية، فمفكرو الرأسمالية عدّوا هذا الانهيار دليلاً على أن الرأسمالية، وليس الاشتراكية مثلاً، هي نهاية التاريخ، رغم أن التاريخ لن يكون له، باعتقادي، نهاية على المدى المنظور. هؤلاء المفكرون­ أي مفكرو الرأسمالية­ يتناسون أن الصين وهي البلد العظيم الذي يشكل سكانه خمس سكان العالم، مازالت تغذُّ السير على طريق البناء الاشتراكي، مهتدية بالتعاليم الشيوعية، فهي تبني وتطور اقتصادها الوطني في جميع المجالات, كما يتناسون وجود بلدان اشتراكية أخرى صامدة، مثل كوبا وفيتنام وعدد من الأحزاب الشيوعية التي تتابع نضالها مهتدية بتعاليم الماركسية والماركسية اللينينية، وبعضها وصل إلى الحكم عن طريق الانتخابات الديمقراطية (الحزب الشيوعي في مولدوفا). أما المفكرون في المدارس الأخرى فيحتاج أمرهم إلى نقاش آخر خاص ومختلف.

  * لكن أين دورها على الصعيد السياسي العالمي؟ بمعنى إذا قالت الصين لأمريكا إنها تعارض احتلال الأخيرة للعراق فهل سيتغير من الواقع شيء؟ وهل ستكون مؤثرة كدولة شيوعية على القرار الأمريكي، في شأنٍ كذاك؟

  ** ألا تعتقد معي أن هذا موضوع آخر، موضوع سياسي، وأن طرح هذا السؤال على هذا النحو يدل على تجاهل للوضع الدولي في واقعه الملموس. فأنت تعلم أن أمريكا تتصرف تصرف القطب المهيمن أو الذي يريد فرض هيمنته المطلقة، وأن التصدي لمحاولاتها هذه يقتضي مواجهة يشارك فيها كل بلدان العالم.. رغم ذلك أعود لأقول: إنني أتحدث عن الشيوعية كنظام اجتماعي للمستقبل، وبرأيي أن ما تفعله الرأسمالية الآن يؤكد أن المستقبل للاشتراكية، فما فعلته الأولى وما تفعله الآن هو تقسيم للعالم، بين مجموعة دول متطورة، في حين أكثرية العالم متخلفة، هذا ما نلحظه ما بين دول الجنوب حيث يعشش الفقر والتخلف والمآسي، ودول الشمال حيث الاحتكار والبطر ونهب الآخرين... هذه كلها عيوب الرأسمالية. لذا أرى أن كل ما تفعله الرأسمالية يؤكد أن المستقبل ليس لها بل للاشتراكية، ولا بد للناس أن ينهضوا مرة ثانية.

      عندما حصلت أزمة اقتصادية في العالم, عام 1929، اجتاحت بالطبع الولايات المتحدة الأمريكية، أخذ روزفلت حينذاك الكثير من ملامح النظام الاشتراكي، وطبقه من أجل إنقاذ الرأسمالية، واتُهم أنه يتأثر بالشيوعية، وسُئل فيما بعد عن ماركس وعما إذا كان ينبغي تدريسه؟ فأجاب: "نعم ينبغي أن يُدرّس، فماركس مفكر عبقري عالمي، لا يصح تركه للشيوعية". إذاً النظرية والعقيدة والتجربة التي مرت لن تذهب سدىً أبداً.

 *­ في الوقت الحالي أين تجد أثر الشيوعيين وفاعليتهم فيما يجري في هذا العالم من متغيرات؟

 ** في جوابي على هذا السؤال أود القول أولاً: رغم الانهيار الذي حصل فلا أحد يستطيع أن ينكر تجربة الشيوعية والشيوعيين في القرن المنصرم, ولن يستطيع أحد محو آثارها، والبصمات التي تركتها على مسيرة البشرية تاريخياً واضحة، وأودّ القول ثانياً: إن دولاً كبيرة كالصين وأخرى صغيرة ككوبا وفيتنام، ماتزال تبني مستفيدة من دروس التجربة منطلقة إلى الأفق الاشتراكي. ثم هل هنالك بلد في العالم لا يوجد فيه أحزاب شيوعية وحركات يسارية تتابع النضال؟

       من جهة أخرى كيف ترى المظاهرات التي جرت في إيطاليا وفي بلدان أوربية أخرى، وغيرها فيما يخص التعاطف مع القضية الفلسطينية والدفاع عن الشعب الفلسطيني والشعب العراقي، أليس الشيوعيون جزءاً منها؟

        ما تكتبه جريدة "النور" في سبيل الدفاع عن العراق مثلاً، أليس عملاً ضمن الفكر الشيوعي؟ أليس من نشاطهم؟

        بالتأكيد ليست فاعليتهم كما كانت إبّان وجود الاتحاد السوفييتي، ولو كان موجوداً الآن لما كان بإمكان أمريكا وإسرائيل أن تتماديا كما تفعلان الآن. وما أفهمه منك أن المطلوب من الشيوعيين أن ينشطوا أكثر كي يستعيدوا مكانتهم في العالم.

* باعتباركم حزباً يشكل جزءاً من الأحزاب والتحركات التحررية في العالم، إذ تناضلون من أجل الطبقة العاملة، الفقيرة... إلخ. تُرى هل حققتم شيئاً للطبقة التي تناضلون من أجلها؟

** صحيح أن حزبنا حزب شيوعي: أي حزب طبقي وأنه جزء من حركة التحرر الوطني العربية، وجزء أو كان جزءاً من الحركة الثورية والحركة الشيوعية العالمية، ولكنه حزب نشأ قبل قرابة ثمانين عاماً في بلد معين وفي ظروف معينة، ولهذا فإنّ نضاله وبرامجه قد تناولت جميع قضايا هذا الوطن في كل مرحلة من مراحل تطوره: قضايا الظفر بالاستقلال ثم حمايته، قضايا الحرية والديمقراطية، قضايا العمال والفلاحين والمثقفين، وقضايا الدفاع عن الوطن، قضايا الإصلاح الزراعي والتأميم وبناء الاقتصاد، قضايا فلسطين والوحدة العربية، قضايا التحرر العالمي والنضال ضد الإمبريالية والصهيونية وفي سبيل السلام العالمي ضد الحروب النووية.

        كل إنجاز تحقق للطبقة العاملة هنا، لعب النظام الاشتراكي العالمي، وحزب الشيوعيين السوريين دوراً فيه. واليوم أيضاً يتابع الحزب نضاله الخاص وفي إطار الجبهة الوطنية التقدمية، من أجل جميع هذه الأهداف، وفي سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية بين جميع أبناء الوطن, وبالنسبة للكادحين بسواعدهم وأدمغتهم.. إلخ. وهكذا يمكن القول بثقة ودون تردد إنه حقيقةً لا يوجد تقدم جرى في هذا البلد إلا وكان لنا دور ورأي فيه. مثلاً الإصلاح الزراعي الذي تم وما يخص الفلاحين، لو عدت إلى تاريخ الحزب الشيوعي السوري ونشاطه، هل يمكن أن تتجاوز ذلك الدور؟ وبإمكانك أن تعود إلى المؤرخ عبد الله حنا، وما كتبه فيما يخص القضية الفلاحية، في كتاب صدر له، يتحدث فيه عن دور الشيوعيين في هذا المجال بالملموس، من خلال القرى التي زارها. ولقد لعب الحزب دوراً أساسياً في تشكيل النقابات العمالية في الثلاثينيات، وفي عام 1946 نظم الحزب حملة واسعة من أجل قانون العمل، ونجح في عرضه على المجلس النيابي وإقراره، وهذا أول قانون عمل في سورية.

 * بوصفكم حزباً من أحزاب الجبهة تشاركون المعارضة السياسية في سورية مطلبها الملح، ألا وهو الديمقراطية. غير أن لدي سؤالاً: إذا كنتم كحزب شيوعي سوري (جناح يوسف الفيصل) تؤمنون حقاً بالديمقراطية، تُرى لماذا مُذ انشققتم عن بكداش، قيادتكم هي هي؟[4] هل أفهم من هذا أن الوعي الجماعي والكفاءات في حزبكم تختزل بشخص أو شخصين؟ أم ترى أعلن الرحم الشيوعي السوري عقمه عن إنجاب قياديين جدد؟

 ** هذا السؤال ليس دقيقاً كما أعتقد، وهو يدل فيما يدل, مع كل الاحترام لك  وللسؤال، على أنك لست على اطلاع كاف على تاريخ الحزب وتطور مسيرته.

       أولاً-  نحن لم ننشق عن خالد بكداش، ولم نقسم الحزب في أي يوم من الأيام، ومن جهتي لم أكن يوماً طرفاً في أي انشقاق أو عاملاً له.. والذي قسم الحزب أولاً ثم آخراً معروف جيداً، معروف في الحزب وفي المجتمع، والشاهد هو نضالنا المبدئي العنيد من أجل المؤتمر الثالث. وفيما بعد أقول هذا ليس أبداً من أجل تبرير ما هو قائم الآن، فنحن في القيادة في أعقاب مؤتمرات معروفة وانتخابات معروفة. ولا يعني هذا أبداً أن التجديد ليس ضرورة. فعلى العكس هو ضرورة اليوم وغداً وفي كل مرحلة، شريطة أن يتم على أسس مبدئية ووفق معايير شيوعية حقيقية. وأضيف أن تداول السلطة في الحزب كما في المجتمعات الديمقراطية ومجتمعات الديمقراطية الشعبية هو أمر مهم وينبغي احترامه. لكن لا يجوز الأخذ به ميكانيكياً، فهناك أحزاب لجأت إلى التجديد الميكانيكي ووجدت نفسها في مأزق وأمام صعوبات جمّة. والتغيير والتجديد عندنا هو الآن مهمة أساسية وسنعمل على تحقيقه كاملاً، وبما يخدم سياسة الحزب ومستقبله ويكون في مصلحة البلاد، وبالنسبة لقيادة الشباب، فنحن عندنا كفاءات كثيرة، وينبغي أن تنتخب وأن تعطى الفرص. وإذا كانت هذه القضية متعلقة بي وحدي، فأنا مستعد أن أعود عضواً عاملاً عادياً في الحزب كما كنتُ سابقاً، وعلى استعداد تام لأن أتخلى عن كل شيء عدا عضويتي في الحزب الشيوعي.

­ * إذاً بما ذا تفسر لي، مذ وعيتُ على الحياة السياسية في سورية، يوسف الفيصل هو الأمين العام للحزب، ودانيال نعمة ممثل الحزب في الجبهة، إضافة إلى مركزه عضواً في المكتب السياسي؟ ألا يعني هذا تلقائياً أن الكفاءات حُصرت بكما؟

 ** من الطبيعي أن تتساءل وأن يتساءل غيرك: لماذا يوسف الفيصل ولماذا دانيال نعمة؟ ولكن هذا كله يدل على أهمية التعرف على مسيرة الحزب على امتداد العقود الثمانية المنصرمة..

        فأنا أول مرة سمعت بيوسف الفيصل كان ذلك عند الهجوم على مكتب الحزب في دمشق عام 1947 بعد قرار التقسيم (المقصود قرار تقسيم فلسطين).. وتعرفت عليه بعد ذلك، وكانت لنا مسيرة مشتركة: اتفقنا واختلفنا واتفقنا ونتابع العمل معاً في إطار مؤسسات الحزب وتحت إشرافها ومراقبتها..

        هذا جانب. والجانب الآخر الذي أودّ قوله بصراحة: إنني لم أقترح نفسي في أي يوم لأي مركز من المراكز في الحزب والدولة، وكنت دائماً جاهزاً لتلبية أي طلب ولتنفيذ المهمات الصعبة، لن أزيد فأتحدث عن مظاهرة 10 آب عام [5]1951 إذ اعتقلت وعُذّبت ولا أدري لماذا بقيت روحي متمسكة بجسدي متعلقة به، أو أتحدث عن اعتقالي في اللاذقية محامياً وسوقي إلى تدمر عام 1953, فقد أكون ملزماً بكتابة شيء من السيرة الذاتية لمصلحة الحزب والحزب وحده.

        وأضيف أني كنت في المؤتمر السابع الموحد أطلب إعفائي لأسباب ليس مفيداً ذكرها الآن، لولا أن الرفيق الأمين العام (يوسف الفيصل) تدارك ذلك لرأي ارتآه هو. وأضيف أنني على الصعيد الشخصي قدمت طلباً لرفاقي في المكتب السياسي بغية إعفائي من الجبهة منذ عام 1992 وقوبل بالرفض.

       أما بالنسبة إلى قضية التجديد في قيادات الحزب وتقديم الشباب، فهاتان قضيتان مطلوبتان تماماً، والمهم أن يتم ذلك على أسس مبدئية ومن منطلق مصلحة الحزب والشعب.

 * معظم أحزاب الجبهة شهدت وراثة الأبناء لمراكز آبائهم، وأنت تعرف هذا، هل سنشهد الشيء نفسه في حزبكم؟

 ** كأنك لست مطلعاً على جبهتنا. عندما توفي الزميل الأخ أحمد الأسعد، حاول ابنه أن يحلّ مكانه، وكذلك حاول ابن الأخ والمناضل الوطني عبد الغني قنوت أن يحلّ مكان أبيه، وكنا نحن في اجتماع في الجبهة، آنذاك قلت للمجتمعين: إذا دخل هؤلاء وحلّوا مكان من رحلوا فسأترك الجبهة دون أن أعود إليها، مفضلاً بقائي عضواً عاملاً في حزبي. يومذاك تدخلت الرفيقة أم عمار (وصال فرحة) وقالت: هذا تدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب. ربما تصورت أني أعنيها. فأجبتها: أنا لا أتدخل في الشؤون الداخلية لأي الحزب، ولكني كمواطن من حقي أن أبدي رأيي.

       وأستطيع أن أضيف لك بأنه طُلب من ولدي خالد أن يُرشّح نفسه في المؤتمر الثامن والتاسع لعضوية اللجنة المركزية، ولكنه في المرتين رفض قائلاً: أفضّل أن أكون عضواً عاملاً في فرقة حزبية على أن أحتل مركزاً ولا أقوم فيه بأي عمل.

 * فسر لي قبولكم كأحزاب جبهة، للعرف المتبع الذي بات يعرف بقوائم الجبهة، سواء  أثناء انتخابات مجلس الشعب، أو انتخابات النقابات العمالية وغيرها، علماً أنها طريقة مخالفة للقانون؟

 ** لا.. ليست طريقة مخالفة للقانون، والآن يبحث هذا الأمر في ضوء انتخابات الإدارة المحلية، وقد قلنا رأينا في هذا الموضوع.

 * لكن ما ذكره ­منذر موصللي عضو مجلس الشعب السابق­ في إحدى مذكراته التي رفعها إلى رئاسة مجلس الشعب السابق، يؤكّد لنا أن قوائم الجبهة مخالفة للقانون!

 ** أصلاً منذر موصللي نفسه نجح في انتخاباته السابقة على إحدى هذه القوائم!

 * وهو لم يبرئ نفسه من المخالفة القانونية فيما كتب؟

 ** إذا تابعت الانتخابات في ظل الديمقراطية البرجوازية (يقصد فترة حكم البرجوازية الوطنية في خمسينيات القرن الماضي 1954-1958في دمشق) كانت تتشكل آنذاك قوائم بين الأحزاب، والجبهة الآن تعمل الشيء نفسه أو ما هو قريب منه.

 * صحيح، لكن في تلك الأيام، لم يكن مؤكداً نجاح تلك القوائم. أما الآن فالقاصي والداني يعرف أن قوائم الجبهة الوطنية ناجحة سلفاً، سواء انتخبت أم لم تنتخب!

 ** هذا الكلام وإن كان فيه الكثير من الصحة، إلّا أنه يمكن على الأقل نظرياً خرق قوائم الجبهة فيما إذا كانت الانتخابات نزيهة تماماً، أليس كذلك؟

        ­شخصياً، في فترة من الفترات انتخبت أناس ذوي كفاءة اقتصادية كبيرة[6]، وربما كنت قد انتخبت غيرهم من المستقلين، وفي الوقت نفسه صوتّ لقائمة الجبهة، وقد أكون شطبت منها اسماً أو اسمين ولكن أبداً ليسوا من مرشحي أحزاب الجبهة.

        ما أريد قوله لماذا نقبل تحالفاً في إطار الديمقراطية البرجوازية، ونرفض تحالفاً تقوده الجبهة؟

* ربما لأن تحالف الجبهة له طابع قسري بالنسبة للمنتخب، وإن أنت سألت أي فلاح في هذا البلد عن الانتخابات والجبهة، فسيقول لك إن الجبهة ستنجح، وإن كان هذا الفلاح لا يعرف ما هي الجبهة وما الأحزاب أو القوى التي تمثلها!

­** لا شك يوجد مآخذ على الجبهة، على الصعيد الشخصي أريدها أن توطّد صلاتها بالناس. مثلاً كان من المفترض قبل الانتخابات السابقة لمجلس الشعب أن تنزل وجوه جديدة ومقبولة، وأن يكون لها برامج بحيث يجري الاتصال بالناس على أساس هذه البرامج ودعوتهم للتصويت للقناعة بالبرامج وليس للأشخاص. لذلك لا أعترض على الجبهة من حيث قائمتها المشكلة، وإنما اعتراضي على أسلوب الالتقاء مع الناس وطريقة دفعها للتصويت، ينبغي أن يكون هناك جسور ممدودة وحوار مع الآخر ولقاءات مع جماهير الشعب... إلخ، لكن كما قلت لك، على أساس برامج.

* إذا انتقلنا للحديث عن الجبهة دعني أسأل بداية: الجبهة... دخلتموها كأحزاب، آمنين، متضامنين، متفقين، تُرى لماذا خرج منها جمال الأتاسي بعد سنتين من تأسيسها؟

** اسأل جمال الأتاسي هذا السؤال، أو أنصاره وجماعته، فجمال الأتاسي رحمه الله أحد موقعي ميثاق الجبهة ونظامها الأساسي. ولا أدري إذا كان قد تحفظ على مسألة حظر العمل بين الطلاب كما فعل الحزب الشيوعي السوري.

* هل أحد منكم سأل عن سبب خروجه؟

­** لماذا سنسأل؟!

* أنا أسألك!

­** وبدوري أعيد السؤال إليك!

* بصفته رفيقكم في التحالف الجبهوي؟

­** وترك.. اتصلنا به نحن وجماعة الرفيق خالد بكداش، وطالبناه أن لا يخرج، وبرأيي أن خروجه ألحق ضرراً به وبالبلد.

*على البلد! كيف؟

** لأنه لو لم يخرج لكنا وفرنا أشياء كثيرة، كنا حافظنا على قاعدة أوسع للجبهة، وساعدنا على سدّ الثغرات في العمل الجبهوي، وربما كان ذلك قد حدّ من تطرف القوى الأصولية وغيرها.

        لكن هذا لن يمنعنا من القول إن عنصرين أضرا كثيراً بالجبهة الوطنية التقدمية وبمسيرة العمل الجبهوي: انقسام الحزب الشيوعي حتى قبل أول اجتماع للقيادة المركزية، وخروج المرحوم جمال الأتاسي من الجبهة وما تبع ذلك.

 * هل أفهم من هذه الـ(وما تبع ذلك) أن وجود معارضة سياسية يعدُّ خطأ؟

 ** أنا لم أقل ذلك أبداً، ولن أقوله في يوم من الأيام.

­ * قلت: (كنا وفرنا أشياء كثيرة) ثم ألا ترى وجود المعارضة، أية معارضة لأي نظام، قوة للنظام؟ على الأقل تجنبه الوقوع في ثغرات وعثرات وربما كوارث؟

 ** وهل هي وأعني هذه المعارضات وليس المعارضة الموحدة من دون ثغرات وعثرات؟ لكن هذا لا يمنعنا من القول بضرورة وجود الآخر. حتى لو كان هناك حزبان يساريان، تقدميان، اشتراكيان، أحدهما يحكم والآخر ضروري للحاكم، بحيث إذا أخطأ هذا يردّ عليه ذاك، وإذا أصاب يشجعه.

        لا شك أن وجود المعارضة العلنية وفي إطار القانون ضرورة قصوى، ولكنني لا أعتقد أن كل معارضة أياً كان نوعها هي مفيدة قطعاً، وبالضرورة فهناك معارضة موضوعية بنّاءة وواقعية أو هكذا ينبغي أن تكون وهناك أنواع أخرى من المعارضات. وكما من حق أي مواطن أن يكون له رأي في الدولة ونظام الحكم والجبهة وهذا الحزب أو ذاك، فمن حق المواطن الآخر أن يكون له رأيه في كل نوع من أنواع المعارضة. فأنا أرى خيراً في كل معارضة موضوعية وبنّاءة، وأدعي للحوار معها، وأرى الشرّ في كل معارضة إذا كانت على غرار طالبان، أو كانت معارضة تتستر بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتفكّر بالركوب على دبابة أمريكية مثلاً وتنكر على الآخر – الذي هو السلطة والنظام – أية إمكانية للإصلاح وللتطور والتحديث، واعتقد أن هذا كلامُ مفهومٌ[7].

        لكن بالنسبة لجمال الأتاسي، فأنا بالضبط لا أدري سبب خلافه مع النظام، ربما قالوا, أو قال بعضهم, إنه كان يريد شراكة أكبر مع البعث في السلطة.

* وأين الخطأ في هذا؟

** أنا لا أقول هذا خطأ أو صواب، فمن حق كل إنسان أن يفكر كما يشاء، وأن يكون له الطموح الذي يريد شريطة أن يكون مشروعاً وعقلانياً.. وإنما أودّ أن أذكّر بأمرين: بأن كل تحالف بين أحزاب وقوى إنما يعكس نسبة قوى معينة في مرحلة معينة، ولا يمكن لحزب أن يكون له دور أكبر من نسبة قوته في هذا التحالف. طبعاً مثل هذه النسبة ليست ثابتة، وهي قد تتدنى في حال انقسامات الأحزاب، وقد ترتفع في حال وحدتها ونموها وتنامي صلاتها بالناس وبجماهيرها خصوصاً. (هنا يخرج الأستاذ نعمة جريدة (قاسيون) ويقرأ افتتاحية لقدري جميل تحت عنوان (الجبهة والتحالف المتكافئ)، ويقول: هذا كلام في منتهى التضليل والديماغوجية). لنفترض أن قدري جميل, الذي سلك طريق الانقسام لأسباب لا تخفى, قد استطاع, ولن يستطع لعوامل موضوعية وذاتية, أن يوّحد كل الشيوعيين، فهل يصبح متكافئاً مع الأحزاب الأخرى؟ هل يصبح متكافئاً في الظروف الراهنة مع البعث؟ أقول هذا رغم أنه من حق كل حزب أن يناضل كي يصبح متكافئاً مع الآخرين، وكي يكون له دور أكبر في حل مشاكل البلد على أسس مبدئية وصحيحة وعبر النضال وعبر الحوار.

 * في ظل ما جرى لا.. لا يمكن.

** لذلك أرى أن منطق قدري جميل الآن ينطوي على قدر كبير من التضليل والديماغوجية، وهنا يحضرني نبيل الهلالي (هو ابن أحد رؤساء وزراء مصر السابقين وكان عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي المصري). إذ كان قد كتب كتاباً حول العمل الجبهوي، يتحدث فيه عن الدور القيادي، وكيفية بناء الجبهة، إذ يقول متحدثاً عن التكافؤ والقيادة: "ديمقراطية الجبهة تتطلب معالجة صحيحة لمشكلة بالغة الحساسية والأهمية، هي مشكلة قيادة الجبهة. من المتوقع ومن الطبيعي أن تتطلع كل أطراف الجبهة إلى موقع القيادة، وهذا التطلع وهذا الطموح أمر طبيعي ومنطقي، ولا يتحقق بالقسر والفرض، ولا يتحقق بادعاء حق موروث، ولا بالتمسك بحق مقرر في النظريات، ولا يتحقق بالمناورات وراء الكواليس. قيادة الجبهة لا تدّعي، ولا تفترض، لا تنتزع ولا تصطنع، ولا تتحقق بعملية قسرية، حكر القيادة بهذا الفصيل أو ذاك لا يمكن أن يكون شرطاً مسبقاً لدخول الجبهة. اكتساب موقع القيادة عملية نضالية تحكمها توازنات القوى...إلخ". الأمر الذي يدفعني إلى سؤال كل شيوعي مصري عندما أراه، عما إذا كان نبيل الهلالي قد حقق الجبهة التي كان يتصورها أم لا!

       ما أريد أن أصل إليه أن الذي يفرض الشراكة هو نسبة القوى. وفي السياسة ثمة تحالفات وشراكات، وقدري جميل يعمل في عالم المال ولديه ثروة وشركات، اسأله كيف يتقاسم الأرباح مع شركائه؟ أليس حسب رأس مال كل منهم؟!

 * من المعروف أنه عندما حصل الانشقاق الأخير في حزبكم (بكداشيين­ وفيصليين) حاول المرحوم عبد الغني قنوت التوفيق بينكما وإصلاح ذات البين، وقد جمعكما في منزله أكثر من مرة لأجل هذا الغرض، دون نتيجة.

        لماذا وقفتم كشيوعيين (فيصليين وبكداشيين) موقف المتفرج إزاء الخلافات والانشقاقات التي حدثت داخل حركة الاشتراكيين العرب؟

 ** ماذا كان يمكن أن نفعل، لقد عددنا ذلك خطأ كبيراً، وقد حاولنا مرات كثيرة الإصلاح إبّان الانقسام الأول الذي حدث بين الأخوين المرحومين عبد الغني قنوت وعبد العزيز عثمان، لكن إذا كان الأخ عبد الغني قنوت، وهو الآن في دار الآخرة، قد رفض الأحزاب، فماذا كان يمكن أن نتصرف وما نفع تدخلنا؟

 * هل أفهم من هذا أن عبد الغني قنوت كان مسؤولاً عن انقسامهم؟

 ** لا أريد أن أقول هذا، تستطيع أن تسألهم، لكن نحن نرى أن انقسام الأحزاب إساءة للأحزاب عموماً وللجبهة والوطن خصوصاً.

­ * هل صحيح أن عبد الغني قنوت هدد بالخروج من الجبهة، عندما انزعج البعض (ممن يملكون حصة الأسد في الجبهة) من الشيوعيين، بسبب إثارتهم لبعض المواضيع التي لم ترق لذلك البعض[8]؟

­ ** لا شك أن موقفه كان إيجابياً, إذ لم يندفع للتهجم علينا[9]ودعا إلى حل مبدئي، وأستطيع أن أضيف إنّ الذي لعب دوراً إيجابياً لصالحنا في هذا المضمار هو المرحوم الرئيس حافظ الأسد، والأستاذ عبد الحليم خدام كذلك، وآخرون دون ريب.

 * باعتبار أن أحزاب الجبهة، في معظمها، أحزاب أيديولوجية، وكما هو معروف أن الأيديولوجيا، أية أيديولوجيا ­تموت في حالتين:

        ­في حال حققت ذاتها وأهدافها، إذ لا مبرر لوجودها بعد ذلك.

        ­وفي حال مضى ردح طويل من الزمن لم تحقق فيه أياً من أهدافها، إذ ببساطة تكون قد برهنت عن فشلها الذريع.

        كأحزاب جبهة، وبلا استثناء، ماذا حققتم من أهداف أحزابكم؟ ماذا قدمتم للجماهير المنضوية تحت ألويتكم؟ بمعنى ما نسبة ما حققتموه من إيديولوجياتكم؟ بمعنى آخر ما مبرر وجودكم؟

 ** استقلال الوطن، أليس هدفاً من الأهداف الكبرى، وبناؤه ومتابعة مسيرته ومستقبله أليس من الأهداف؟

 * لكن الذي وضع اللبنة الأولى في صرح الاستقلال هم الثوار الأوائل (صالح العلي، هنانو، سلطان الأطرش...)، ثم أكملت الطريق إليه البرجوازية الوطنية التي كانت تحكم آنذاك، من غير أن نغفل هزيمة فرنسا أمام ألمانيا.

 ** غير أننا لا نستطيع أن ننكر دور الأحزاب في هذا، أو أن نقول إنها لم تفعل شيئاً، فهذا غير صحيح؟! من جهة ثانية لا شك أن هزيمة ألمانيا الهتلرية هي التي فتحت الطريق واسعاً أمام استقلال سورية.

* حسناً، ما هي الأهداف الكبيرة التي حققتها هذه الأحزاب، أو بعضها، غير الاستقلال؟

** لا نستطيع أن نحقق الأهداف كلها دفعة واحدة. يذكرّني سؤالك بمقال كتبه المطران جورج خضر (مطران جبل لبنان)، إذ كتب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مقالاً في جريدة "النهار" البيروتية يقول فيه: "أكثر من سبعين عاماً من ثورة أكتوبر، لو كانت حققت أهدافها لما كانت انهارت". حينذاك خطر ببالي أن أرد عليه حيث كتب، وما زلت أشعر بالندم لأني لم أردّ، هاهي ذي المسيحية لها أكثر من ألفي عام، ولم تحقق أهدافها، بل هي على العكس منها، هل معنى هذا أنها يجب أن تُلغى؟ إذا كان ثمة مشروع نهضوي لم يتحقق فهل نكف عن النضال في سبيله؟

* أنا حددت الأحزاب كأيديولوجيا، أما المسيحية فنتعامل معها كظاهرة دينية.

** حسناً، الأيديولوجية الشيوعية هي أيديولوجية الطبقة العاملة التي تؤمن بأنه لا يصح للإنسان أن يستغل إنساناً آخر، ولا يحق لشعب أن يستعبد شعباً آخر، إذا لم يتحقق هذا اليوم، فهل معناه أن يسقط النضال في سبيله؟ في رأيي استنتاجك منطقي لكن السؤال غير منطقي.

        وهذا الحديث عن انتهاء أيديولوجيا معينة، هذا موقف غير علمي. وإن كان لابد أن أتحدث عن دور الحزب الشيوعي في البلاد، أستطيع القول إنه لعب دوراً مهماً في حياة البلاد، فقد كان دوره رائداً في نشر أفكار العدالة الاجتماعية والاشتراكية، وكان صلباً جداً في طرح موضوع الجلاء الكامل والناجز، ولعب دوراً هاماً في تحقيق فكرة الجبهة الوطنية.

        وللحزب الشيوعي أثره الكبير في تدقيق مفهوم الوحدة العربية، فقد كان الاتجاه سائداً حول فهم الوحدة الاندماجية، وهو الذي ناضل من أجل مفهوم الوحدة الفيدرالية أو الكونفدرالية ومفهوم أخذ الواقع الملموس بالحسبان. وأن فكرة التعددية التي تعدّ حالياً مفخرة لسورية كان للحزب دور رائد فيها خلال مناقشات ميثاق الجبهة. لقد كان الاتجاه نحو دمج الأحزاب تحت شعار فكرة الحركة العربية الواحدة، واعترضنا على هذه الفكرة على أسس مبدئية وأكدنا التعددية. ثم أليس للحزب الشيوعي تأثيره في صياغة ميثاق الجبهة.. وسابقاً لعب الحزب دوراً في صياغة مفهوم التأميم والنظرة الطبقية له وأشياء أخرى سابقة وراهنة.

* يجري الحديث بكثرة عن تطوير الجبهة، وتفعيل دورها، أستاذ نعمة، ما العوائق التي تقف أمام تطوير الجبهة، وقد مضى على مسيرة الإصلاح أكثر من ثلاثة أعوام، ولم نشهد سوى تطورات شكلية فيها؟ ثم ألا تعتقد أن أحزاب الجبهة قد حكمت على نفسها بالموت منذ تأسيسها وقبولها بالشروط التي ولدت بموجبها، وبالتالي هي لم تكن ­كما يرى البعض ­سوى واجهة إعلامية خلبية للنظام في مرحلة من المراحل؟

** يؤسفني أن أقول لك إن هذه الفكرة التي تطرحها خاطئة من أساسها. مثل هذه الفكرة قالها رياض الترك، وكان لا يزال عضواً في المكتب السياسي، في قصر الضيافة في دمشق، حيث كنا مدعوين إلى حفلة غداء عند عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي اسمه مازروف. وكنا حينئذٍ قد وقعنا ميثاق الجبهة، إذ قال الرفيق الترك لمازروف الذي كان يزور دمشق: "اليوم دققنا آخر مسمار في نعش الحزب الشيوعي السوري". برأيي أن ما قاله رياض آنذاك كان خطأ كبيراً، فمنذ ذلك اليوم حتى الآن مرّ أكثر من ثلاثين عاماً، ومع ذلك يعقد الحزب رغم انقساماته اجتماعاته في سورية، وحتى رياض الترك نفسه ما يزال يمشي تحت لافتة شيوعية، ولا أدري إن كان سيستمر تحت هذه اللافتة أم لا؟[10] أم إذا كان يدرك كيف تستغلها جماعة الردة الرجعية أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات[11].

        عندما وقعنا ميثاق الجبهة، كنا في وضع قطري معين، وكذلك في وضع عربي ودولي معينين، وأمام البلاد تحديات وأهداف كبيرة، سواء على مستوى البناء الداخلي، أم على مستوى تحرير الأرض والتصدي للمؤامرات الخارجية. والوضع الآن أنت تعرفه، هذا كله يقتضي تعاون الأحزاب. ثم علينا أن لا ننسى التاريخ، ففي تلك المرحلة كانت الصراعات الدموية هي السائدة بين التيار القومي والتيار الماركسي، وأحداث العراق، وما جرى خلال الوحدة السورية المصرية. لذلك كانت فكرة التعاون بين هذين التيارين هي الحلقة الأساسية.

* ما أقصده عندما وافقتم كأحزاب جبهة، باستثناء حزب البعث، على أن لا تعملوا ضمن الجيش وفي قطاع الطلبة، قد خسرتم الكثير من الدماء الشابة والجديدة التي كان يفترض أن ترفد أحزابكم طوال الثلاثين سنة الماضية، وهكذا حكمتم على أنفسكم بالضمور والتلاشي التدريجي؟

** أولاً الحديث عن العمل في الجيش وحق الأحزاب فيه، ليس موجوداً في أي بلد من بلدان الدنيا، وبضمنها أكثرها ديمقراطية، كفرنسا على سبيل المثال، فالأحزاب فيها لا تعمل ضمن الجيش، أما فيما يخص العمل في قطاع الطلبة، فرغم تحفظنا عليه، لم نمتنع ولم نُمنع عملياً عن العمل بين الطلاب، وكنّا سنوياً نرسل مئات الطلاب للدراسة في البلدان الاشتراكية، وحتى الآن لنا ممثل في اتحاد الطلبة السوريين.

        وفي أحد لقاءاتنا بالمرحوم الرئيس حافظ الأسد، عبّرنا عن تحفظنا، بشأن العمل ضمن صفوف الطلبة، وتمنينا عليه أن يأتي وقت يلغى فيه هذا الجانب.

        أما بالنسبة إلى ميثاق الجبهة، فإذا عدت إلى قراءته الآن، فستجده من أهم المواثيق، إذ تضمن أفكاراً وآراءً اتفق عليها الجميع، أهمها بناء الاشتراكية ­في ذلك الحين­ على أسس علمية، وأننا أصدقاء للاتحاد السوفييتي وللحركات الثورية التحررية في العالم.. إلخ.

        لا شك أن الحزب, ­وهذا ما قلته على التلفاز منذ فترة, القادر على المنح والرفع، والحجم والخفض والمنع، يدخله الناس لأغراض تتعلق بمصالحهم. على كل لن ندخل في هذا الموضوع الآن.

        لكن هل الطلاب، رغم أهميتهم، وحدهم من يغذون الحزب، أي حزب؟ عندك العمال الشباب، هؤلاء ألا ينبغي العمل في صفوفهم؟ لذا أرى بدلاً مما قاله رياض الترك أننا دققنا آخر مسمار، أنه كان يجب علينا أن نتابع نشاطنا حزباً موحداً, لا أحزاباً متصارعة, أكثر بين الناس والعمال والطلاب والجامعات. في الوقت الحالي، الطريق مفتوحة أمام هذا كله، ومنذ فترة (في الاجتماع الدوري السنوي لفروع أحزاب الجبهة) عدت وأكدت في كلمتي هذا الموضوع، والدكتور محمد زهير مشارقة ذكر ما أنجز، وقال: ما لم أذكره أنا ذكره الرفيق دانيال في كلمته.

        البعض يقول: لو كنا ننطلق من الوضع الداخلي لكنّا في المعارضة، وأنا أقول لأننا ننطلق من الوضع الداخلي يجب أن نكون في الجبهة.

 * هل تتصور أن يتحسن أداء أحزاب الجبهة في المستقبل، بمعنى أن تصبح أحزابها أحزاباً أكثر فاعلية؟

 ** (مستنكراً)، تسألني وكأنك لم تسمع كلمتي في هذا الشأن إبّان انعقاد مؤتمر فروع أحزاب الجبهة؟!

 * بلى سمعتها.. لكن ليس كل ما نسمعه أو كل ما يقرر يُنفذ ويطبق. فالسيد الرئيس ­على سبيل المثال­ أصدر الكثير من القرارات، هل طُبقت ونُفذت كلها على أرض الواقع؟ أنتم الآن طالبتم ما طالبتم به، لكن ما هي النسبة التي سنشهدها مطبقة على أرض الواقع؟

 ** أنا قلت إنه ليس كل انتقاد للجبهة هو عداء لها أو عداء للنظام، نحن نريد جبهة فاعلة، وكي تكون فاعلة، يجب أن تكون أحزابها فاعلة، وقلت إن المتغيرات في العالم انعكست على الجبهة وعلى أحزابها.

        أما ماذا تحقق من مطالبنا، فأنت تعلم أننا نعقد المؤتمرات، ونصدر الوثائق، ونتدخل في كل القضايا، (مستدركاً) الآن نبحث قضية الإصلاح الاقتصادي والإداري، ناهيك بأننا نصدر صحفنا!

 * إذاً بماذا تُفسر لي عدم وصول جريدة يصدرها حزب من أحزاب الجبهة إلى قرائها بسبب من عقلية رقابية تُقدم على سحب الجريدة من الأسواق؟ مثلاً سُحبت جريدة (النور) ذات مرة بسبب مقال عن الشبيحة، ولم ترَ (النور) النور آنذاك إلا بأمر من السيد الرئيس؟

 ** هذه مرة حصلت من أصل مئة مرة (يقصد يوم تم سحبها بسبب نشر تحقيق عن الشبيحة).. (مستدركاًَ) ومن قال إنه في ظل التطور الديمقراطي لا تمنع جريدة أحياناً؟ نحن لا نوافق على ذلك، فحرية الرأي هي أحد الأهداف الأساسية.. ولكن حرية الرأي تبقى دائماً مرتبطة بالوعي وبفهم ضرورات الواقع.

 * هذا إن كان يوجد ما يوجب المنع!؟ أما الآن، فما هي المقالات الموجودة فيها، يحرّمها قانون المطبوعات السوري، حتى تمنع؟

 ** المهم الجريدة تمشي الآن، وإذا كان لابد من أن ألوم أحداً، فإنني ألوم دانيال نعمة، لأن عليه أن ينشط أكثر، وعلى رفاقه أن ينشطوا بين الناس أكثر، ومعهم (النور)، كي تصل إلى قرائها ومنتظريها.

 * منذ تأسيس الجبهة عام 1972 وقبل هذا التاريخ بعشر سنوات، حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، إضافة إلى أنه يملك معظم أجهزة ومفاصل الدولة، وله هو وأعضاؤه الأولوية في كل شيء. ألا يعني هذا تلقائياً أن أعضاء حزب البعث مواطنون من الدرجة الأولى، فيما أعضاء الأحزاب الجبهوية الأخرى مواطنون من الدرجة الثانية؟

­** بدلاً من أن تبحث عن نقاط الالتقاء التي وحدت وتوحد الناس، لماذا تبحث عن نقاط الخلاف والإثارة بين حزب وآخر؟ على كلٍّ هذا واقع يجب تصحيحه، وأعتقد أن قرار القيادة القطرية الأخير 408 هو حلقة في هذا الطريق.

        في الأنظمة الديمقراطية، التي ديمقراطيتها تقليدية وكلاسيكية، عندما ينجح حزب ما في الانتخابات، يضطر إلى إقامة تحالف من حزبين أو ثلاثة، وهؤلاء يتقاسمون المراكز حسب نسبة قوى كل حزب منهم، والأكثر نفوذاً بينهم يسعى إلى قيادة الدولة والمجتمع وفق وجهة نظره. إذاً حتى الأنظمة الديمقراطية الكلاسيكية المتعارف عليها، الذي يَحكم فيها هو الذي يقود. طبعاً يتم ذلك عبر انتخابات وبرامج، ويصوّت الشعب للبرامج..

* أخذت (النور) على عاتقها أن تمثل ألوان الطيف السوري، إلى أي حد تراها استطاعت أن تعكس تلك الألوان المختلفة والمتباينة؟

** إذا كنت تقصد من سؤالك، أن تعكس المعارضة وجهات نظرها عندنا، فبرأيي هذا حلم لها. المعارضة لديها طرقها وأساليبها الخاصة.. تستطيع أن تكتب في جريدة (النهار)، على الانترنت.. إلخ.

        أما نحن فليست مهمتنا احتضان أقلام المعارضة. على الرغم مما ذكرته لك أستطيع القول أن جريدة (النور) يصدرها الحزب الشيوعي، وتضم زاوية للرأي الآخر، ونشر فيها كتّاب عديدون، بعضهم ينتمي إلى المعارضة، وبعضهم بعثي الانتماء، (النور) تهتم بالمادة المنشورة هل تتفق مع سياستها أم لا؟

* هل أفهم من جوابك هذا أن المعارضة ­حسب رأيك­ تغرد خارج سرب الهمين الوطني والقومي؟

** لا.. أنا لم أقل إنها تغرد خارج السرب، أنا قلت ليست مهمة (النور) أن تعكس آراء لا تنسجم مع خطها وخط الحزب الذي يصدرها. إن خط الحزب هو خط اتفاق وتعاون في إطار الجبهة الوطنية التقدمية ومع كل قوة وطنية صادقة، نحن نؤيد الديمقراطية، نريد حرية الكلام، نريد نقداً موضوعياً.. إلخ، ونريد موقفاً عقلانياً من الآخر.

* إذا كنت تريد نقداً موضوعياً، فلماذا لم نشهد في جريدتكم مقالاً عن احتكار بعض المنتفعين والمتنفذين لاستثمارات معينة. أو مقالاً عن ضابط فاسد، أو مسؤول كبير فسد؟ أرجو ألّا تقول لي إنه لا يوجد عندنا مسؤولون كبار فاسدون.

** اضرب لي أمثلة على بعض ما ذكرت.

* مثلاً، لماذا لم تتطرق جريدتكم إلى خلاف سيرياتل مع أوراسكوم المصرية، علماً أن إثارة ذلك الخلاف في الصحف الخارجية كان القصد منه الإساءة إلى سمعة سورية على صعيد الاستثمار فيها، ومن المعروف أن سورية تمر بمرحلة حرجة اقتصادياً، مثلاً عندك الشائعة التي طالت ابن أحد المسؤولين وعلاقته بجلب النفايات الذرية إلى بلدنا، طبعاً لا ندري إن كانت صحيحة أم كاذبة، غير أنه موضوع لا يُسكت عليه، دانيال نعمة يشير أحياناً، في بعض افتتاحياته إلى فئات معينة اغتنت على حساب الجماهير الجائعة، من غير أن يسمي أشخاصاً بذواتهم، هل نفهم من هذا أن أولئك الأشخاص يتمتعون بالعصمة؟ ناهيك عن عدم التطرق إلى المساجين السياسيين بما يكفي، إضافة إلى أنك منعت لي نشر أكثر من مادة في جريدتكم.

 ** أولاً، دانيال نعمة ليس لديه أدلة ملموسة عن الفاسدين.

        ثانياً، إذا كنت تقصد بالفساد في أحد جوانبه، ظاهرة القصور والعقارات... إلخ. فعلى الصعيد الشخصي تحدثت عنه فيما سبق وفي غير مكان، وأعتقد أن كلامي وصل لمن ينبغي أن يصل إليه.

        أما بالنسبة إلى المعتقلين وغيرهم، فقد كتبت ضمن نطاق اطلاعي على حيثيات موضوعهم، وصدقني حتى الآن لم أطلع على حيثيات تلك التهم، لكن لاشك أننا من أنصار وجود قانون عادل وقضاء عادي ومستقل يحاكم الجميع ويخضع له الجميع.

        أما بالنسبة إلى ما منع لك، فهل تقبل أنت أن ننشر لك مواد تؤثر على علاقة الحزب بالآخرين؟

* ختاماً: هل سنشهد في المستقبل القريب تطوراً ملحوظاً في جريدة (النور) من خلال طريقة معالجتها للحدث السياسي وطرحها للقضايا والأمور المستقبلية المتعلقة بمصير سورية في ظل ما نشهده من تغيرات وعلى مدار الساعة في العالم؟

** سنعمل كي يكون هناك تطورٌ على مستوى البلد، ينعكس أكثر إيجابية على تطور (النور)، وغير (النور).

 

الهوامش

 


[1]-استقال من منصب الأمانة العامة, واحتفظ لنفسه بمنصب أُحدث له, فصار من خلاله رئيس الحزب الشيوعي السوري, وكما هو واضح من الاسم عبارة عن منصب فخري و رمزي يرمي إلى تكريم صاحبه لا أكثر.

[2]-علمت من الأستاذ لؤي نعمة, نجل المرحوم الأستاذ دانيال أنه كان لدى والده ما يكفي من الوثائق المتعلقة بالخلاف الذي حصل عام 1979 داخل الحزب الشيوعي, لكن الراحل آثر عدم التطرق إلى أسباب ذلك الخلاف لاعتبارات معينة. شخصياً أجهلها. وقد قُدر لي الاطلاع على تلك الوثائق في ربيع 2008.

[3]-شيوعي منذ أواسط خمسينات القرن الماضي, وكاتب ساخر, له كتاب بعنوان "شرّ البلية", إضافة إلى كتابته زاوية "دبابيس" الساخرة في جريدة "النور".

[4]-إذ من المعروف أن يوسف الفيصل بقي أميناً عاماً للحزب طوال عقدين من الزمن, في حين كان دانيال نعمة ممثلاً لحزبه في قيادة الجبهة الوطنية التقدمية منذ سنة تأسيسها عام 1972 حتى سنة رحيله أواخر 2003.

[5]-المؤرخ عبد الله حنا, يتحدث في كتابه "الحراك الشيوعي في سورية- الصعود والهبوط" الصادر عن دار نون4 في حلب عام 2008, عن مظاهرة آب 1951, ودور دانيال نعمة فيها والعذاب الذي تعرض له خلالها, كما يذكر قصة سجنه في عام 1953 في تدمر في عهد الرئيس السوري أديب الشيشكلي.

[6]-المقصود بالكفاءة الاقتصادية هو الدكتور عارف دليلة وقد كان اسمه مثبتاً في سياق الحوار, لكن عاد المحاوَر وعدّل فيه مفضلاً الصيغة التي ورد فيها, وذلك بعد اجتماع عُقد في الجبهة بقيادة الرئيس بشار الأسد. وكما أفادني الأستاذ نعمة آنذاك أنه سأل الرئيس عن سبب اعتقال د. دليلة . فأجابه الرئيس بأن ثمة تجريحاً شخصياً من قبل د. دليلة لشخصه (شخص الرئيس). وبافتراض أن الأستاذ نعمة أثار موضوع اعتقال د. دليلة مع الرئيس ارتأى عدم ذكر اسمه في الحوار, حتى لا تبدو المسألة ذات أبعاد(...), خصوصاً أنه كان من المقرر نشر الحوار في "النور" كما أسلفت.

[7]-كانت قناة الجزيرة القطرية قد استضافت في أحد برامجها, خلال إحدى مراحل هذا الحوار, المعارض رياض الترك وقد أدلى فيه رياض برأي يقطع فيه الأمل بالإصلاح في سوريا. فأضاف الأستاذ دانيال نعمة هذه الجملة رداً على كلام الأستاذ رياض من غير أن يسميه.

[8]-المفصود بهذه المواضيع هو إثارة الشيوعيين للقضية الكردية السورية, وهو ما لم يرق للسلطات البعثية في سورية.

[9]-أفادني الكاتب حمدان حمدان بأن الراحل عبد الغني قنوت قال للأستاذ عبد الله الأحمر في مكتبه, بحضوره, وكان سنتذاك عضواً في المكتب السياسي لحركة الاشتراكيين العرب: "إن الشيوعيين حلفاء تاريخيون لنا ولن نستغني عنهم, إذا طردوا من الجبهة سنترك نحن الجبهة كذلك".

[10]-غيّر التيار الذي يتزعمه رياض الترك اسمه في المؤتمر الرابع الذي عُقد في آواخر عام 2005 بدمشق, وأصبح اسمه "حزب الشعب الديموقراطي" عوضاً عن الاسم الذي كان يُعرف به, أي "الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي".

[11]-يقصد دانيال نعمة بذلك, تأييد رياض الترك للأصوليين الإسلاميين ممثلين بالإخوان المسلمين, وأحداث العنف التي شهدتها سوريا في المرحلة التي يعنيها نعمة, وعدم إدانة تيار الترك لتلك الأحداث.

August 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 31 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
عدد الزيارات
3683266