n.png

    مفيد عيسى أحمد: راندوغرافيا.. جورجيت.. الدويلعة

    كنت مفلسا تماما... يعني و لا قرش، ذلك بعد منحى قسرياً إجازة بلا أجر لمدة ثلاثة أشهر من عملي، و كان على أن أتقدم بامتحان لمادة تاريخ العلوم أستاذها الدكتور طيب تيزيني، ثلاثة أشهر و انا اتدبر أمري دون أن أشعر أحدا بذلك، لكن في ذلك اليوم ضاقت بي الدنيا، لم أجد من أستطيع الاستدانة منه.
    خرجت من غرفتي جانب جامع البراء بن عازب، و مضيت مشيا إلى مفرق الدويلعة حيث استقليت باص الطبالة دون تذكرة، جلست على أحد المقاعد دون أن التفت لمن يجلس جانبي، سمعت صوتا ناعما يسألني :
    - كيفك جارنا..؟
    التفت فرأيت جانبي صبية يليق بها كل ما هو جميل و ناعم، ابتسمت و أكملت :
    - انا جورجيت جارتك في نفس الدخلة
    و زميلتك في الكلية... أدب فرنسي..
    وجهها يليق بأطفال الملائكة....قلت بارتياك:
    - تشرفنا أهلا جورجيت... عندك امتحان..؟
    - لسانيات... و انت..
    - تاريخ العلوم
    - أراك تحمل كتبا دائما...
    كنت ساجيب جورجيت... لكن الباص توقف ليصعد المفتش.... ارتبكت و انا افكر كيف ساخرج من الموقف...فكرت أن أقول " باص " تلك الكلمة التي يقولها كثيرون فيتركهم المفتشون... لكن خشيت عاقبة الأمر... لم أسمع بقية حديث جورجيت، وقف المفتش ملاصقا للمقعد و قال:
    - تذكرة.....
    لم أجب...تجاهلت الأمر عله يتغاضى عني خاصة و اني بجانب صبية جميلة...
    - تذكرتك... خصصني هذه المرة و هو ينظر إلى بشكل مباشر...و كأنه اصطادني...

    - ما معي تذكرة.....
    - اسمك...... و أخرج سجل الضبط ليحرر مخالفة...
    - لم أجب...و أشرت له أني لن ادفع فلو حرر الضبط على أن ادفع و انا لا احمل قرشا واحدا.
    كأنه فهم حالتي لكنه لم يتراجع بل قال بشيء من التشفي :
    - هويتك ...
    - ما معي هوية...

    صاح بسائق الباص:
    - عالمغفر.... باب توما..
    تطلع السائق في المرآة المعلقة أعلى واجهة الباص و ابتسم ابتسامة من اعتاد هذه المواقف...
    - لا داعي لذلك مو شايف انو طالب جامعة..... كان ذلك صوت جورجيت و قد اكتسب حدية واضحة...
    لم انس وجودها لكني تحاشيت النظر إليها خجلا..
    أتركه.... صاح أكثر من صوت.... حرام عليك... وقفت عليه... لو أنه ممن يقولون باص... كان دعس رقبتك...
    تراجع المفتش و هو يصيح:
    - خلص..... خلص فلقتونا.... نظر إلى مرآة السائق في الإمام و صاح:
    - روح عمي روح...... الله معو...
    و هم بالنزول... نهضت بسرعة.. و نزلت من الباص قبل أن يقلع...كان ثمة غصة في صدري لم أجد لها سبيلا....
    عدت إلى غرفتي مشيا...... و انا أدعو إلا أرى جورجيت ثانية....وإن صدفتها ساتحاشى النظر إلى عينيها..... ما الذي فكرت به....و ماذا حسبتني....
    نمت فترة ما بعد الظهر.... و في المساء جلست اقرأ سمعت صوت شاب يسأل عني... فخرجت من الغرفة، أقبل نحوي شاب طويل نحيل و قال:.
    - نبيل..... أخ جورجيت... إذا ما عندك مانع حابين انا و جورجيت... نشرب قهوة عندك..
    أو شاي.... أي شي...
    - بتشرف أهلا و سهلا....
    بعد قليل.... دخل نبيل و جورجيت....ابتسمت و هي تقول:
    - انا كمان ما كان معي و لا فرنك كنت دفعت مخالفة عنك....بس كان معي بطاقة....
    الأمر لم يكن كذلك.... و بالتأكيد جورجيت لم تكن مفلسة..... لكنها كانت رائعة في تبسيط ما جرى.....

    November 2018
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    28 29 30 31 1 2 3
    4 5 6 7 8 9 10
    11 12 13 14 15 16 17
    18 19 20 21 22 23 24
    25 26 27 28 29 30 1
    عدد الزيارات
    4581483