n.png

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟

    علي سليمان يونس: أعشق الخريف...

    أعشقه لأنه يشبهني.. لأني أجد نفسي فيه, لأن عيناي رأت النور فيه لأول مرة, وأرضعتني والدتي (أدام الله عليها الصحة) أول رشفة حب فيه, أعشقه لأنني الآن في خريف العمر.. أعشقه لصدقه، لدفئه المتقطع، لحنانه وهو يعرّي الأرض من كسوتها، ليلبسها رداءً بألوان الشمس والتراب، أعشقه لمزاجه المتقلب، يأتي عاصفاً, ثم ما يلبث أن يبث الدفء في الأوصال..

    أعشق الخريف في حدته وسكونه، في لينه وعناده، في ليله ونهاره، أعشقه لأنه يطفئ حر الصيف، لأنه يهدهد أغصان الأشجار الخضراء فيحيلها إلى أقراط ذهبية يهديها إلى ذوات الخدور وربات الحجال.. فيه أنتطر السماء لتمطرنا من شآبيبها، لتروينا من عطشٍ أنهك قوانا، كم أعشق الرائحة المنبعثة من الأرض لحظة احتضانها وعناقها للمطر..

    وكم أعشق تلك السحب السوداء الداكنة المترددة في القدوم وهي تناجي نفسها, هل حان وقت الاقتراب، أم لا يزال لديها متسع من الوقت! فأقطع عليها خلوتها وترددها وأناديها: اقتربي هيا اقتربي، واذرفي الدموع غزيرةً، بللي بدموعك أيتها السحب الخريفية هذا الكون, لعل البلل يخترق الجسد ليصل إلى القلب فينعش النبض فيه، ويحيى الجسد..

    ولكن أناشدك أن تهطلي برقّةٍ، رأفة بخفقاته التي تعلو وتشتد ترحيباً بحزنك. كم تستهويني ألوان سماء الخريف بغموضها وشجنها، وتنعشني الرائحة المنبعثة من كوب القهوة صباحات الخريف، كم أعشق الهدوء والسكون وأنا اترقب لحظة احتضار الطبيعة وموتها تمهيداً لميلاد طبيعةٍ أخرى جديدة.. كم أنتظر لحظة عناق القطر للتربة، لتتولد في لحظة التحامهما رائحة الكون والحياة...

    وأخيرا هل يعقل - برغم غموضه ووحشته - أن يأتي يومٌ أكره فيه الخريف؟ كلا سأبقى أحبك يا توأم الحقيقة الخالدة التي تعري الروح من الزيف, كما تعري أنت الأرض لتبعث فيها الحياة من جديد..

    ***خربشات كنت قد نشرتها خريف عام 2015.

    November 2018
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    28 29 30 31 1 2 3
    4 5 6 7 8 9 10
    11 12 13 14 15 16 17
    18 19 20 21 22 23 24
    25 26 27 28 29 30 1
    عدد الزيارات
    4547300