الصفحة الرئيسية

اللواء علي سليمان يونس: زواج السماء

عن أنس بن مالك - ر ض - قال: {جاء أبو بكر إلى النّبيّ (ص) فقعد بين يديه فقال: يا رسول الله, قد علمتَ مناصحتي وقِدَمي في الإسلام وأنّي وأنّي .. قال: "وما ذاك؟ " قال: تزوّجني فاطمة. فأعرضَ عنه، فرجع أبو بكر إلى عمر فقال: هلكتُ وأهلكت. قال: وما ذاك؟ قال: خطبتُ فاطمة إلى النّبيّ (ص) فأعرض عنّي, قال عمر: مكانكَ حتّى آتي النّبيّ فأطلب منه مثل الّذي طلبت. فأتى عمر النّبيّ (ص) فقعد بين يديه فقال: يا رسول الله, قد علمتَ مناصحتي وقِدَمي في الإسلام وأنّي وأنّي .. قال: "وما ذاك؟ " قال: تزوّجني فاطمة. فأعرضَ عنه، فرجع عمر إلى أبي بكر فقال: إنّه ينتظر أمر الله فيها}.
أتاه عليٌّ (ع) يخطب منه ابنته فاطمة، والنّبيّ (ص) له الولاية العامّة على جميع المسلمين والمسلمات، وعلى ابنته ومن عداها، ولكنّه (ص) حفظَ لفاطمة كرامتها، ولم يعلن موافقته للزّواج قبل الاستئذان من فاطمة، وبعمله هذا أعلن أنّه لابدّ من موافقة البنت لأنها هي الّتي ستعيش مع زوجها، وتكون شريكة حياته ..
وأقول: [إنّ تزويج البنت بغير موافقتها إهدارٌ لكرامتها, وتحقيرٌ لنفسيّتها، وتحطيمٌ لشخصيّتها، وتصريحٌ عمليّ لها أنّها لا يحقُّ لها إبداء رأيها حول اختيار الزّوج, فكأنّها بهيمة أو داجنة تباع وتوهب بلا إذن منها أو موافقة].
فقال الرّسول (ص): يا عليّ قد ذكرها قبلك رجال، فذكرتُ ذلك لها، فرأيتُ الكراهةَ في وجهها. ولكن على رِسلك حتّى أخرج إليها. قام الرّسول (ص) وترك عليّاً جالساً ينتظر النّتيجة. ودخل على ابنته فاطمة، وأخبرها بأنّ عليّاً (ع) جاء يطلب يدها؛ أقول: {ربّما يحتاج الأب إلى أن يخبر ابنته عمّن جاء يخطبها, ويذكر لها أوصافه من حيث العمر, والمهنة, وبقيّة الخصوصيّات إذا لم يكن معروفاً، لتكون البنت على علم وبصيرة. ولكن هنا لا حاجة إلى ذلك، فعليّ ع أعرفُ من أن يُعرّف، وفاطمة تعرف عليّاً (ع) وتعرف سوابقه, ومواهبه, وفضائله، ولا تجهل شيئاً}. فاكتفى الرّسول (ص) بأن قال: "يا فاطمة, إنّ عليّ بن أبي طالب مَن قد عرفتِ قرابته وفضله وإسلامه، وإنّي قد سألت ربّي أن يزوِّجك خير خلقه، وأحبَّهم إليه، وقد ذكر عن أمرك شيئاً، فما ترين؟ " فسكتتْ، ولم تولِّ وجهها، ولم يرَ فيها رسول الله (ص) كراهةً، فقام وهو يقول: "الله أكبر! سكوتها إقرارها". اعتبرَ الرّسول (ص) سكوتها موافقة ورضىً منها على الزّواج، إذ لا ينتظر من الفتاة البكر الحييّة (ذات الحياء) أنّ تصرّحَ بموافقتها، بل ينتظر منها التّصريح بالمخالفة والرّفض عند عدم الموافقة، لأنّ الحياء يمنع التّصريح بالموافقة، ولا يمنع التصريح بالرّفض.
ورجع النّبيّ ص إلى عليّ (ع) وهو ينتظر، فأخبره بالموافقة، وسأله عن مدى استعداده لاتّخاذ التّدابير اللاّزمة لهذا الشّأن، إذ لابدّ من الصّداق, فلابدّ من رعاية جميع جوانبه، ولا يصحّ إهمال أيّة ناحية منه مع رعاية البساطة. فقال النّبيّ (ص) لعليّ (ع): "هل معك شيء أزوّجك به؟ " فقال عليّ (ع): "فداكَ أبي وأمّي! واللهِ لا يخفى عليك من أمري شيء، أملك سيفي ودرعي وناضحي (بعيري)!! " هذه ثروة عليّ (ع)، وجميع ما يملكه من حطام الدّنيا وهو مقبل على الزّواج. تلقّى كلامه برحابة صدر، وقال: "يا علي! أمّا سيفك فلا غنى بك عنه، تجاهدُ به في سبيل الله، وتقاتلُ به أعداء الله، وناضحكَ تنضح به على نخلك وأهلك، وتحمل عليه رحلك في سفرك، ولكنّي قد زوّجتك بالدّرع ورضيت بها منك، بِع الدّرع وائتني بثمنه!! " كان عليّ (ع) قد أصاب هذه الدّرع من مغانم غزوة بدر, وقد كان النّبيّ (ص) أعطاه إيّاها، وكانت تسمَّى (الحطميّة) لأنّها كانت تحطِّمُ السّيوفَ أي تكسِّرها.
باع عليّ (ع) الدّرع بأربعمائة وثمانين أو بخمسمائة درهم، وجاء بالدّراهم إلى النّبيّ (ص) وطرحها بين يديه، وتمَّ الوفاق على أن يكون ثمن الدّرع صداقاً لأشرف فتاة في العالم، وأفضل أنثى في الكون، وهي سيّدة نساء العالمين، وبنت سيّد الأنبياء والمرسلين وأشرف المخلوقين!! . زوَّجَ رسول الله (ص) ابنته الطّاهرة من عليّ بن أبي طالب ع بهذه البساطة والسهولة, ليفكِّكَ أغلالَ التّقاليد الّتي قيَّد النّاس بها أنفسهم، لقد صنع رسول الله (ص) ما صنع ليقتدي به النّاس الّذين هم دونه في الشّرف والمنزلة بملايين الدّرجات. وزوَّجَ ابنته وهي سيّدة نساء العالمين بمهر قليل كي لا تستنكف الفتاة المسلمة أن تتزوّج بمهر قليل. وغير ذلك من الحِكَم والفوائد الّتي لا مجال لذكرها هنا. أجرى الرّسول (ص) صيغة العقد في المسجد وهو على المنبر، بمرأى من المسلمين ومسمع. وهكذا سنَّ رسول الله (ص) الإشهاد والإشهار في عقد الزواج، وكميَّة الصّداق, كي يقتدي به المسلمون فلا يغالوا في الصّداق. وقال ص: (لا تغالوا في الصّداق فتكون عداوة). وجعل النّبيّ (ص) المهر الّذي جرت عليه السُّنَّة خمسمائة درهم، وتزوَّج رسول الله بزوجاته بهذا المبلغ من الصّداق, وكذلك الأئمّة من أهل البيت (عليهم السّلام) كانوا لا يتعدون هذا المبلغ في الزّواج.
باعَ عليّ (ع) الدّرع، وجاء بالثّمن للرّسول (ص)، فقسّم النّبيّ (ص) المبلغ أثلاثاً: ثلثاً لشراء الجّهاز، وثلثاً لشراء الطّيب والعطر للزّفاف، وثلثاً تركه أمانة عند أمّ سلمه, ثمّ ردّه إلى عليٍّ (ع) قبيل الزّفاف إعانةً ومساعدة منه إليه لطعام وليمة الزّفاف.
من الطّبيعي أنّ زواج عليّ (ع) من السيّدة فاطمة الزّهراء (ع) كان سببُ هَياجِ الحسدِ والعداء لدى البعض، فلا عجب إذا جاء إلى الرّسول (ص) أناسٌ من قريش فقالوا: إنّكَ زوّجتَ عليّاً بمهرٍ خسيس, فقال لهم: "ما أنا زوّجتُ عليّاً، ولكنّ الله زوَّجه ليلةَ أسرى بي عند سدرة المنتهى .. ".وقال (ص): "إنما أنا بشر مثلكم، أتزوّج فيكم وأزوِّجكم, إلاَّ فاطمة، فإنّ تزويجها نزلَ من السّماء." .... ... ***كان ذلك الزواج الميمون المبارك ,زواج الإمام علي بن أبي طالب من فاطمة الزهراء - صلوات الله عليهم أجمعين- في الخامس عشر من أيلول عام- 625 م ـ ...

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
3992443