الصفحة الرئيسية
n.png

المستشار غادة اليوسف: نسيج المجتمع السوري.. اللحمة الوطنية وبساط الشراطيط..

سأحلم بدولة علمانية يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والإثنية. وربما سيطول حلمي هذا حتى لو تحقق ذلك بنصوص الدستور.. فتغيير النفوس أولى وأسبق من تغيير النصوص.. أ غادة اليوسف

أقول هذا بعد أن جابهتني مأساة مساء اليوم حين تلقيت اتصالاً من صبية تنتمي لأسرة من أحد المذاهب الاسلامية وقد أحبت شابا مسيحياً وتزوجته برضى أسرتها العلمانية.. وبرفض أسرته المسيحية في حلب. وهذا مخالف للقانون المستمد من التشريع الاسلامي! حتى يعلن الشاب إسلامه. وقد فعل رغم تبرؤ أهله منه وبسبب اشتعال الحرب اكتفى الزوجان بكتاب عرفي فقدته الزوجة حين اختفى الزوج في حمأة هذه الحرب وعلى الأرجح خطف وقتل من قبل الإرهابيين وتمكنت هي من الفرار إلى بلدتها في المنطقة الوسطى مع رضيعها ولم تعد تعرف عنه شيئاً, بقي الطفل مجهول النسب وقد بلغ سن المدرسة وفي تعليمات القبول في المدرسة حتى ماقبل بلوغ شهادة التعليم الأساسي الإلزامي يحق للمكتومين دخول المدرسة ريثما تستكمل الثبوتيات الموثقة لهويته..

وهذا القانون كان منذ ما قبل الحرب ومايزال سارياً.. وبعد أن داخت الصبية ألف دوخة واستعانت بالشهود والقضاء الذي رفض تثبيت النسب بناء على شهادة ذويها وبعد ألف وسيلة وحيلة لجأت إلى الإدعاء بأنها حملت منه (زنا).. فتم تسجيله على اسمها واسم الأب مجهول, هذا ماكتب في إخراج قيده.. ولايحق لها الحصول على دفتر عائلة.. وهو لايحق له اسم أب.. فتصوروا.

لا أدري ما الذي أعاد إلى ذاكرتي ماحصل منذ سنين بعيدة, وكنت يومئذ في حالة من البراءة تتجاوز الهبل بكثير.. وما أزال طبعاً حين قررت العودة إلى حمص لظروف صعبة لامجال لذكرها.. كان من جملة أصدقائي (المثقفين المتنورين العلمانيين جداً جداً ميخائيل سعد) صاحب دار الحقائق في بستان الديوان في حمص مكتبة رائعة.. وقد هاجر منذ سنوات إلى كندا وبعدها لا أعلم.. وتحول إلى قسيس! وفي هذه الحرب إلى (جبهة النصرة تمثلنا).. ماعلينا.. المهم يومئذ أراني وزوجته بيتا اشتراه على العضم في بستان الديوان.. فرحت حين علمت أن الطابق الأرضي للبيع وتحمست وطلبت منه أن يسأل عن سعره, فهو لايعدو أن يكون أكبر من جحر ولكنني رغبت في الحي فقال مستحيل! لماذا؟ لايبيعونك أبدا ففي هويتك اسم الأب أحمد ّ! شو يعني ؟ ولك مخاييل يعني في عندكن جحاش متل عندنا؟ ولم أكن اعلم بهذه التفاصيل...

صديق آخر مسيحي من أجمل وأروع الأصدقاء ومايزال محافظا على صفائه ووضوح رؤيته, وقد كشفت هذه الحرب كل المعادن وأثبت أنه من أكرمها.. عشق صبية مسلمة علوية وتزوجها فتبرأ منه أهله.. وقاطعوه لسنوات إلى أن صار عنده أبناء وبنات.. لا أعلم كيف تدبر أمر تسجيل زواجه.. ربما خارج (الوطن الحبيب).. طبعاً الزوجة بقيت بلا أهل فهي أيضا تبرأ منها أهلها وإن لم يصلوا إلى حد الذبح كماهي الحالة عند أخوتنا الموحدين (الدروز) أهل العقل...

في الحي الذي أقيم فيه الآن نسيج سوري بامتياز, رغم ماشرّخته الحرب. وهذا استثناء نادر أبناء قرى غالبية علوية.. ومسيحية وفلسطينية.. ولهذا دلالته.. سألت جارتي (المسيحية) يوماً لماذا رفضت تزويج ابنها من صبية رائعة مسيحية أيضاً؟ فقالت نحن موارنة وهي كاثوليك أو ربما أرثوزكس! صدقوني كدت أنجقم فكيف لو كانت مسلمة؟ أو بالعكس؟! تذكرت أن فلان الإسماعيلي أو الماخوسي أو المرشدي أو العلوي فكيف بالسنّي؟ يا ويلاه. الذي يرفض العلوي (النصيري) وكذلك الشيعي.. وكلاهما يرفضانه.. والدرزي؟ةيا إله الكون. ذبح ع البلوعة إن فكرت صبية مجرد تفكير بالخروج على العادات..

قبل انتعاش حراك الأخوان المسلمين في السبعينيات, كانت عماتي وأخوالي يتشاركون السكن والإقامة في أحياء حمص القديمة خلف القلعة.. وفي كرم الشامي.. وفي أكثر من حي.. ولكن بعد أحداث الآخوان نزحوا إلى أحياء يأمنون فيها وتركوا بيوتهم التي ورثوها أبا عن جد.. هذا واقعنا.. لا ننكر أن تاريخنا وماراكم بسبب التسلط الطائفي لما صار يسمى بالأغلبية ظلماً.. وإلغاء الآخر المختلف مذهبيا خاصة في حقبة الإحتلال (العثماني) وما ارتكب من مذابح بحق الأقليات.. وقبلها.. وقبلها وصولا إلى العصر الأموي, تسبب في ازدياد ثقافة الخوف والتشرذم والإنغلاق. وبقي في الذاكرة الكثير مما يسقي الذاكرة بسمومه.. ولكن بعد خروج العثماني وصعود المد القومي اضمحلت هذه الشروخ.. وكادت تلتئم إلى أن انتعش الإسلام السياسي.. وانعكس ذلك على الجميع بلا استثناء.. فالمصيبة لاتتوقف على احتراب سني شيعي (مفتعل).. فهذا حلّه في أروقة السياسة العالمية.. المصيبة فيما راكم الجميع في ذواكرهم من دفاتر الماضي العفن والفعل ورد الفعل وظلم الأغلبية التاريخي للأقليات والتعالي عليها وسلبها حقوقها الذي يصل وفق الفتاوى الباطلة إلى شيطنتها لتبرير سلب حياتها.. وخاصة بعد هذه الحرب القذرة والـ(ثورة) التي ترفع شعار إبادة كل مختلف طائفيا أو تهجيره أو فرض الجزية عليه إن لم يستتب, مع أنه من المنطقي وقد عمّ الألم الجميع, أن يكون الوعي قد استيقظ ولو بالحد الأدنى لا العكس.. ولكن للدم حين يسيل أن يثير أبشع الغرائز الوحشية.. دم الفقراء.. طائفة واحدة هم الفقراء المتذابحون تحت ألوية زعامات لاتعنيها دماؤهم بقدر مايعنيها أن تؤبّد زعاماتها لنتأمل في لبنان الحرب الأهلية.. والتي تذابح فيها كل شيء مع كل شيء! كل زعيم له جيش من الفقراء المتعصبين مات الفقراء.. ولم يصب أي زعيم طائفة (مذهبية-سياسية) بأذى.. إلا من أراحنا منه الموت الرباني.

في تسونامي أندونيسيا الذي أودى بالآلاف, رأيت كيف أن أمواجه غرّقت كل الوثائق والسجلات, وبقي الغرقى يصارعون ويصرخون ويبكون موتاهم بالطريقة نفسها.. ومنهم من مد يده لينقذ من كان متناحرا معه.. هل نحن دائماً بحاجة لإعصار.. أو عدو شامل لنردم بعض هذه الجدران أو كلها؟ إذن فلنحلم بالزلزال.. بساط الشراطيط لمن لايعرفه هو بساط يصنع بالنول اليدوي البدائي الذي انقرض.. حين كانت جداتنا في القرى يستفدن من بقايا الأثواب المهترئة فيقصونها على شكل شرائط ويلفونها كرات ويرسلونها إلى النول فينسج بساطا ذا خطوط عرضانية كل خط بلون من ثوب قديم.. يمدّ هذا البساط الذي يبدو جميلاً هههه في عتبات البيوت الريفية.. سهل الطي خفيف الوزن.. لايقي من برد.. ينفع في تمسيح أحذية الداخلين الموحلة.. وفيه الكثير من العقد .
من الضروري أن تُْعلمن النصوص.. وبقوة القانون يحقق العدل بين الناس جميعاً.. ولكن ماذا تفعل النصوص إن لم نغسل النفوس..؟

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

July 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
3438866