الصفحة الرئيسية

احسان عبيد: ابن المحبوسي

جرت العادة في منطقتنا، أن يتوافد الناس بعد دفن الميت لمدة أسبوع بقصد العزاء وتسلية أهله في حزنهم.. وقد كنا في المضافة حوالي خمسة عشر رجلا.أ أحسان عبيد
.
دار الحديث حول الطب العربي، وصار كل واحد يروي قصة يعرفها.. أحد الموجودين، كان شابا في الثلاثين من عمره، ويبدو أنه لم يأخذ حظه العلم.. بدا ذلك لنا من طريقة حديثه.. قال:
.
بعضكم يعلم أن المرحومة أمي كانت تتعامل مع الطب العربي وتداوي بالحجامة، لكننا منعناها عندما كبرنا.. فالمداواة فيها شرط بالسكين وإسالة دماء وخفنا أن تبتلي الوالدة بأحد المرضى، فيأخذونها إلى السجن.. وستقول عنا الناس: أولاد المحبوسي.
.
ذات يوم جاءنا رجل لبناني طول بعرض وقال لنا أمامها: رأسي سيتفجر.. لم أترك حكيما عربيا أو أجنبيا في لبنان إلا وعالجني ولم أستفد شيئا.. فجاء من دلني عليك.. عالجيني ولك الأجر والثواب في الدنيا والآخرة..
.
قلنا له: عمي.. لقد تركت الوالدة هذا العمل منذ زمن، وأقلعت عنه.. أعاد الرجل حديثه ورجاءه مرّة ومرات، وكرر شرح عذابه من الألم ومشقة السفر.
.
في الغرفة الثانية قالت الوالدة: يا ابني حرام هذا الرجل إنه يتعذب، ومشكلته بسيطة تأخذ عشر دقائق.. ومن هون لهون قبلنا معها شفقة على حال الرجل.
.
فتحت صندوقها، وأخرجت عدة الحجامة وقد نهشها الصدأ.. فطهرتها بالنار، وجئنا إلى المضافة.. شقّت جرحا بصدغه الأيمن، وجرحا بصدغه الأيسر، وسال دم أسود (كما قال) بقدر فنجان القهوة من كل صدغ وعصبت رأسه..
.
بعد قليل، هجع الرجل، ولوى رأسه على الوسادة وانسدح.. وخلال دقيقتن أغمض عينيه ونام.
.
قال الشاب: بصراحة نحن خفنا.. طلبت الوالدة أن نخلع حذاءه ونغطيه.. ففعلنا.. وتركناه بالمضافة لوحده، وكل ساعة نأتي لنتقد وضعه ونطمئن على تنفسه.. بقينا على العمل من الساعة الحادية عشر صباحا وحتى الساعة الثانية عشر ليلا.. صار الأمر محيرا.. قال أخي الأكبر: سأنام عنده بالمضافة لعل حصل شيء.
.
في اليوم الثاني، بقي الرجل نائما، لم يحرك ولا حركة.. قلنا للوالدة: شو القصة؟ هذا الرجل بدون أكل أكثر من 24 ساعة، قالت: المسكين ينقصه النوم، فمنذ أيام لم يذق طعمه.
.
حوالي الساعة الثانية بعد الظهر، استفاق الرجل من نومه.. وضع يديه على رأسه.. لم يدر أين هو.. ثم صحصح قليلا.. وقال بعالي صوته: ما في وجع.. لم أعد أتألم.. بارك الله بك.. جزاك الله خيرا.. ونام ليلة ثانية ثم سافر.
.
بعد سنة جاء لزيارتنا هو وزوجته يحملان الهدايا.. جبنة وصنوبر ودبس خروب وسلة بيض بلدي.. ناما عندنا ليلتين، وطلبا أن نزورهم في لبنان، وبعد سنتين قرر أخي أن يذهب للعمل في لبنان، فزار الرجل وأحسن وفادته، وبقي يزوره.. وكان من مفاعيل الزيارة أن أخي أحب ابنة الرجل وأحبته وتزوجا..
.
أعتقد أن جميع السوريين الآن بحاجة إلى الحجامة.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

August 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 31 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
عدد الزيارات
3719897