الصفحة الرئيسية
n.png

احسان عبيد: ضبع في المضافة (قصة حقيقية)

ربما كان عمره 4 سنوات عندما توفي والده، وعاش وحيدا في كنف والدته التي صارت له أما وأبا في الحنان وفي الأمان.أ أحسان عبيد
.
بدأ موسم الحصاد.. كانت تأخذه أمه معها إلى الحقل لتجمع غلالها، فينام هناك على عديلة سميكة مصنوعة من الصوف، ويتغطى بما تيسر، ويبقى تحت رعاية عين الوالدة حتى العودة.
.
ذات يوم، سرت والدته لأن الندى طفح منذ المساء على غير عادة، وهي لا تعرف الوقت، ففي القرية كلها لا يوجد 5 أشخاص معهم ساعات.. المهم أنها أركبته أمامها على الحمار ومشى ركبهم.
.
كان الحقل بعيدا، ويبدو أنها سرت مبكرة أكثر من اللازم كونها لم تصادف أحدا ساريا على حقله، لكنها وبمنتصف الطريق رأت بين العتمة الشديدة وغطيطة الندى عينين تسرجان ضوءا، فعرفت على الفور أن هذا ضبع لأن الحمار ارتاع منه الحمار فورا فتوقف مكانه ولم يمش.
.
أدركت أنها في ورطة، ومن المتعارف عليه أن الضبع سيأخذ صيده بأية وسيلة.. إما أن يسطح خاصرة الحمار فتندلق أمعاؤه ومصيره الموت، وهذه خسارة تكسر الظهر بالنسبة لها، أو أنه سيعدو على الطفل ويجره ولن تستطيع اللحاق به عندما يركض، والروايات تقول: أن الضبع قادر أن يجر بغلا نافقا.. فعمدت إلى وضع ابنها داخل العديلة (تشبه الشوال لكنها أكثرا سماكة بحوالي 5 أضعاف) حماية له، ووضعته تحت بطن الحمار (بين قوائمه) فربما يرفس الحمار الضبع لو تقدم.
.
فكرتْ أن تأخذه بالصوت والصراخ، فصوت الليل يُسمِع البعيد البعيد.. من جهة ترعبه، ومن جهة كأنها تطلب الفزيع والنجدة وصارت تقول للضبع:
.
أبو الفطّس أرجع.. تمسك بالحجارة وتضرب وتدور حول الحمار، فيختفي، ثم يظهر.. فتصيح به: ياما عند وليدي، حياتي قبل حياتو.. خسيت تاخذ فايز مني.. وتضرب بالحجارة ضربا غريزيا لا على التعيين..
.
ربما وجد الحمار فيها ملاذا فبدأ ينهق نهيق الخوف المتتابع، والمفروض أن تبادله الحمير الصوت إذا سمعته، لكن من ذا الذي سيفكر أن هذا الصوت هو استغاثة حمار؟ كانت تدور حوله بشكل متواصل.. لكأن الحجارة انتهت من ساحتها الضيقة ولا تستطيع الابتعاد.. سحبت مقود الحمار من رأسه فأصبح بيدها كالحبل تلوح به وتدور..
.
مرت أكثر من نصف ساعة على هذه الحالة.. وانتهى صوتها فصار مبحوحا من كثرة الصياح.. فجأة سمعت صوت طبّاش (جرس كبير يوضع على رقبة الجمل القائد) فصاحت بأعلى صوتها:
.
وين راحوا النشامى؟
وين راحو بني معروف؟
وين راحوا مهببين الريح...
افزعوا لي..
يا سامعين الصوت
اكسبوا حسنة هاليتيم.
راح ياكلنا الضبع.
.
سمع السراة صوتا.. أوقفوا صوت الطباش.. وآخر ما سمعوه من المرأة (النخوة.. راح ياكلنا الضبع) فجاءها الجواب من بعيد: ابشري.. ابشري ياما عندك.. جيناك بظهر الخيل.. بس أحكي خلينا نعرف مكانك..
.
وما هي إلا دقائق حتى كانت مطبقات المسامير، تعدو ضبحا، وتوري قدحا.. هذا يركب الجلفا، وهذا يعتلي الحمدانية، وثالث يمتطي أم عرقوب فأحاطت بها الخيل تنخر.. وطبيعي أن الضبع هرب واختفى، وعلى الفور سحبت ابنها من العديلة ووضعته في حضنها وبدأت تنتحب وتبكي.
.
مضى على هذه الحكاية 22 سنة، صار ابنها شابا.. وفي ليلة من ليالي الشتاء كان ساهرا مع الشباب في مضافة أخواله.. وأراد أن يغادر السهرة مبكرا، فصار الساهرون يسخرون منه مازحين لأنهم يعرفون قصته منذ أن كان صغيرا:
.
- إسهر .. شو خايف من الضبع إذا بتروح متأخر؟
- خيو نحنا منوصلك على البيت.
- يامعزب عندك شي عديلي خليه ياخذها معو؟.. ومن هذا الكلام.
.
ذهب إلى البيت محتقنا من الغيظ.. أخذ البارودة، وأخذ العديلة إياها ومصباحا يدويا، وفك حبل الدلو وأخذه، كما أخذ (خلال) الكدانة.. ومشى بتلك الظلمة صوب تل الشيح حيث تكثر مواكر الضباع (المسافة من 7 إلى 9 كم)..
.
دخل عددا من المغائر الفارغة، وأخير حظي بضبع، ما أن رآه ولقح عليه الضوء حتى فغر الضبع فاه.. رمى فايز العديلة على رأسه احتراسا من عضته، ورمى بنفسه عليه.. أدخل (خلال) الكدانة بين فكيه وبلّمه (أي لف حبل الخلال على فم الضبع كي لا يستطيع فتحه) وربطه بحبل الدلو من رقبته، وجرّه عائدا إلى المضافة، حيث مازال الساهرون يلعبون الورق..
.
حرر الضبع من المقود والبلام قبل أن يدخل.. دفر الباب ورمى بالضبع بينهم، فتقافزوا كما الجنادب المحروقة الجناحين من الرعب والخوف..
.
ترك الضبع بينهم في المضافة.. وانصرف.
.
• احسان
• الجلفا والحمدانية وأم عرقوب هي أسماء لأصائل الخيل وأرسانها .
• الخلال هو قضيب من الحديد يشبه المسلة، قطره 6 مم وطوله حوالي 30 سم.
• الكدانة: نوع من القماش المتين ملفوف ومحشو من الداخل بالقش الطويل، قطره حوالي 15 – 20 سم وطوله أكثر من متر، يلفونه على رقبة الخيل والبغال لتثبيت باقي الأدوات في مواسم الفلاحة والبيادر ويربط من طرفيه بـ الخْلال.
• مطبقات المسامير: كناية عن الخيل ذات النعال الحديدية المثبتة بالمسامير.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

July 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
3438592