الصفحة الرئيسية

الجامعةُ في طرطوس.. هل هي حلمٌ عَصيٌّ على التحقيق؟

حتّى عام 2000 لمْ يكن يوجدُ في سورية سوى الجامعاتِ الحكوميّة، وهي جامعةُ دمشق، وحلب، وتشرين في اللاذقية، والبعث في حمص، وجامعة الفرات (دير الزور).

بعد تسلّم الدكتور بشار الأسد سُدّة الرئاسةِ، شَهِدَت سورية طفرةً في ولادةِ الجامعات، وأكثرها الخاصّة، إذْ بلغَ عددها نحو 20 جامعةً خاصّةً (طبعاً، لا يوجد لأيٍّ منها ترتيبٌ ضمنَ أفضلِ 500 جامعةٍ في العالمِ بحسب مؤشّر Shangahai Ranking منذ انطلاقته عام 2003، شأنها في هذا شأنُ بقيّةِ الجامعاتِ السوريّة والعربيّة الحكوميّة والخاصّة) كجامعةِ "القلمون" في دير عطية بريف دمشق، وجامعة "الأندلس" في القدموس بريف طرطوس، و"الحواش" في وادي النصارى بريف حمص، أضف إلى ذلك جامعة الشهباء، و إيبلا... إلخ. وحكوميّة كجامعةِ حماة، وجامعة طرطوس التي ستكونُ محطّة حديثنا.

وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ نحو نصف الجامعات الخاصّة تمَّ ترخيصها بعد عام 2011، جرّاءَ دخولِ سورية في مرحلةِ عدم استقرار في كثيرٍ من مناطقها بسببِ وقوعِها في براثِن الحرب، حتّى أنَّ الحربَ فرضت على بعضِ الجامعاتِ الخاصّة استئجار فنادقَ كي يتلقّى الطلّابُ محاضراتهم فيها بسببِ تضرُّرِ بعضِ تلك الجامعات بحكمِ وجودِها في مناطق اشتباك.. طبعاً، عادت تلكَ الجامعاتُ إلى نشاطِها واستقبال طلّابها في مبانيها، بعد انعدام التوتّر في مناطقِ تواجدها، كما حصلَ في جامعةِ القلمون التي تضرَّرت بفعلِ أحداثِ جبال القلمون أواخرَ عام 2013 وانقطاع طريق دمشق- حمص أكثر من 20 يوماً.

بالعودة إلى جامعة طرطوس الحكوميّة، فقد صدرَ قرارُ استملاكِ أرضٍ كبيرةٍ مساحتها 70 هكتاراً شمال مشفى الباسل، عام 2007، لإقامةِ مباني تلك الجامعة الحكوميّة مع كلّ ما يلزم لها.. سنتذاك، توهّم أبناءُ المحافظةِ (الذين يشعرونَ بالغُبن قياساً بأبناءِ محافظاتٍ أُخرى) أنَّ تنفيذَ البُنى التحتيّة للموقعِ وإشادة المبنى الإداريّ للجامعةِ وبعض كلّياتها لنْ يستغرقَ أكثر من 7 سنواتٍ، وعمليّاً هذا ما وعدَ به كثيرٌ من المسؤولين، ومنهم الدكتور وائل الحلقي عندما كانَ رئيساً للوزراء، خاصّةً أنَّ وضعَ البلدِ كان جيّداً جدّاً من حيث الإمكاناتِ والموارد الماليّة والنواحي الأمنيّة والاقتصاديّة.. وسواها.

وتأتي أهمّيّةُ هذه الجامعة الحكوميّة كون التعليم الجامعيّ الرسميّ بَقِيَ في الصدارةِ في ظلِّ ارتفاعِ أقساطِ التعليمِ الخاصّ بصورةٍ لا طاقةَ لمعظم السّوريّين على احتمالِها، ولا سيّما أنَّ معظمَ أبناءَ محافظة طرطوس من الفقراءِ وبقايا الطبقةِ الوسطى، ونادراً ما توجدُ طبقة ملّاك بينهم، فمثلاً يبلغُ الحدّ الوسطيّ في الفصلِ الدراسيّ الجامعيّ نحو 500 ألف ليرةٍ سوريّةٍ في الجامعةِ الخاصّة، ما يعني مليون ليرة في العام الدراسيّ (عدا السكن ونفقات السفر والطعام) في حين لا يتجاوز معاشُ الموظّف العادي في العام الواحد 700 ألف ليرةٍ سوريّة!

ناهيكَ عن أنَّ أقربَ جامعةٍ خاصّة إلى مركزِ مدينة طرطوس، تبعدُ عنه أكثر من ستّين كيلو متراً (جامعةُ الأندلس في القدموس)، فيما جامعاتٌ أُخرى كـ(الحواش والوادي) تبعدُ نحو 100 كم، وهذا البعدُ في المسافةِ يُشكّلُ أعباءً إضافيّةً للطالبِ وأهلهِ على حدٍّ سواء.

انطلاقاً ممّا سبق، تظهرُ الحاجةُ المُلحّة لإنهاءِ جامعة طرطوس الحكوميّة، لكن، ولأسبابٍ تتعلّقُ بالتقصيرِ واللامبالاة وعدم الحماس والفساد الإداريّ عند المعنيّينَ بهذا الصّرحِ العلميّ محليّاً ومركزيّاً، بَقِيَ وضعُ الأرضِ المُستملَكة على ما هو عليه دونَ أنْ تشهدَ أيّة خطواتٍ عمليّةٍ تُذكَر رغم الضرورة لإشادةِ مبانٍ لكليّاتِ طرطوس القائمة والتي كانت تابعةً يومها لجامعةِ تشرين (الهندسة التقنيّة- الاقتصاد- التربية- الآداب- الطب).

قبلَ الحربِ على سورية بنحو ثلاث سنوات، كانت جامعةُ طرطوس فرعاً من جامعةِ تشرين (مقرّها اللاذقية)، وبعد ذلك أُحدِثت كليّاتٌ عدّة، إضافةً إلى بضعةِ معاهد، ووجد هذا الفرعُ صعوبةً بالغةً بتأمينِ مقرّاتٍ مُؤقّتةٍ لها، ولمْ يلقَ ذلك الأمرُ استحسانَ الطلّاب ولا القائمين على الفرع أيضاً، وهو عمليّاً يسبّبُ معاناةً لطلابِ فرعِ هذه الجامعة، كما حدثَ منذ نحو العام مع طلّابِ كليّة الاقتصاد الذين حدّثونا عن مُعاناتِهم، خاصّةً في وقتِ الامتحاناتِ من خلالِ تفضيلِ طلّابِ كليّة الطبِّ عليهم في أماكن ومواعيدِ الامتحانات.

وفي بدايةِ 2015 أصدرَ الرئيس بشار الأسد المرسوم رقم 2 القاضي بإحداثِ جامعةِ طرطوس، التي كانَ عددُ كلّياتِها عشرة، إضافةً لثلاثةِ معاهد، جميعها في مبانٍ مؤقّتة غير مُناسِبة (مدارس). عمليّاً، هذه الجامعةُ، هي وريثةُ فرع جامعة تشرين في طرطوس.

اليوم ومع ازديادِ عددِ طلّاب جامعة طرطوس بعد انتقالِ أعدادٍ كبيرةٍ إليها في ظلِّ الأزمةِ والحربِ الدائرة رحاها، ومع الواقعِ غير المرضيّ حسب معايير التعليم العالي لأبنيةِ الكليّاتِ الحاليّة، ومع حاجةِ وزارة التربية الماسّة لتلكَ الأبنيةِ التي تستخدمها الجامعة (المدارسُ في سورية تتبعُ لوزارةِ التربية، فيما الجامعاتُ تتبعُ لوزارةِ التعليمِ العالي)، ومع أهمّية الاهتمامِ ببناءِ الإنسانِ بالتوازي مع إعادة بناءِ ما دمّرتهُ الحربُ والفكرُ التكفيريّ المُمنهج، يرى كثيرونَ أنَّ قيامَ الحكومةِ السوريّة برصدِ الأموالِ اللّازمة لاستكمالِ مشروع البُنى التحتيّة –لجامعة طرطوس- الذي بُوشِرَ به منذ نحو 8 سنوات، وللمباشرةِ بالمبنى الإداريّ للجامعةِ والمكتبة وبعض الكلّيّاتِ المدروسةِ أو قيد الدراسة...إلخ، هذا كلّه، باتَ أكثر من ضرورةٍ.

صحيحٌ أنَّ الجامعاتِ الخاصّة ساهمت بإيجادِ حلٍّ نسبيٍّ للتعليمِ في سورية، لكن ذلكَ الحلّ، قد لا يُناسبُ غالبيّةَ السوريّين. عدا أنَّ بعضهم يعتقدُ أنّ التعليمَ الجامعيّ الخاصّ لمْ يدخل إلى سورية انطلاقاً من حاجةِ النظامِ التعليميّ له، بقدرِ ما كان تلبيةً لحاجاتِ رجالِ الأعمالِ الجُدد من مُحدثي نعمة السُّلطة، فمجرّد إلقاء نظرةٍ على عيّنةٍ من الجامعاتِ الخاصّة ومَنْ هُم مالكوها الرئيسيّون يُؤكّدُ اعتقادُ ذلك بعضهم.

وما سبقَ ذكره، لا ينفي أنَّ الجامعاتِ الخاصّةَ قد عانت من التضخّمِ الحادّ الذي أدّى إلى تدنّي القيمةِ الحقيقيّةِ للأقساطِ التعليميّة. فرغم قيام تلك الجامعاتِ برفعِ الأقساطِ على الطلّابِ الجُدد، إلّا أنّها عَجِزَت عن ذلكَ بما يخصُّ الطلّاب القُدامى. فاستناداً إلى المادّةِ الثانية من قرارِ مجلس التعليم العالي رقم 84 للعام 2009، يعودُ تقديرُ زيادة الرسومِ والأقساطِ على الطلبةِ القُدامى المسجّلينَ في الجامعاتِ الخاصّة إلى مجلسِ التعليمِ العالي، ويصدرُ بقرارٍ من وزيرِ التعليمِ بناءً على موافقة المجلسِ الذي يأخذُ في الاعتبارِ معدّلاتِ التضخّم الجديدة. وقد طالبَت عددٌ من الجامعاتِ الخاصّةِ مِراراً بزيادةِ الرسومِ الجامعيّة، إلّا أنَّ الوزارةَ رفضت فتح هذا الباب في ظلِّ استمرارِ شبحِ التضخّم، وعدم وجود أيِّ آفاقٍ لكبحهِ في ظلّ استمرارِ الحرب.

الحديثُ عن التعليمِ يطولُ، بيدَ أنَّ رغباتِ آهالي وسكّان محافظة طرطوس، وقائمةَ رغباتِهم في هذا الجانب، ليست بالطويلةِ، إذْ إنّ كلّ مُناهم رؤية حكومةِ بلادِهم تفي ببعضِ وعودِها من خلالِ إنشاءِ مباني الجامعةِ أسوة بغيرِهم من محافظاتٍ سوريّة، وبعيداً عن الوعودِ الحكوميّة السّابقة التي لمْ يُنفّذ منها شيءٌ يُذكَر على أرضِ الواقع! ولا بأس مِنَ التذكيرِ أنَّ محافظةَ طرطوس، تُعرفُ بأنّها -دون مبالغة- خزّانُ سوريّة الثقافيّ.

أُبي حسن

آسيا نيوز

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

June 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
عدد الزيارات
3207270