الصفحة الرئيسية
n.png

الشباب السوري ينتج خطاب المواجهة مع «داعش»

يُنظر الى الخطاب الديني على أنه من أهم العوامل المحركة للأزمة السورية في بداياتها، من خلال محتوى تكفيري تحريضي ذي مضمون طائفي، أثار النزعات وحرض الناس بعضهم على بعض، وصولاً إلى إصدار فتاوى تبيح المحظور، وتتجاوز كل الأعراف والتقاليد والقيم الإنسانية، أفضت في النهاية لاستجرار عشرات آلاف الشبان في العالم خلف هذا الخطاب، وتسليم عقولهم لمنظريه الذين دفعوهم في النهاية لقتل كل من يختلف معهم في النص والمعتقد والتفسير.شباب عند حفرة باتارب
إلا أن أصواتاً قليلة تجرأت على المجاهرة العلنية في التصدي لهذا الخطاب، وظل الأمر مقتصراً على صوت هنا وآخر هناك، من دون أن تلقى هذه الأصوات آذاناً صاغية، في ظل حالة من التمدد للخطاب التكفيري، نجم عنها في ما بعد مد تكفيري، تمثل في تنظيمات عسكرية مثل «جبهة النصرة» وتنظيم «داعش» اللذين يأتي المقاتلون للانضمام إليهما من مختلف دول العالم.
سوريا التي كانت المتضرر الأكبر من هذا الخطاب، تشهد اليوم محاولة لمواجهته وإطاحته، لمصلحة خطاب وسطي معتدل، يمثل الإسلام الشامي المعروف بابتعاده عن التطرف، وهي محاولة تأخذ تميزها من أن القائمين عليها هم من الشباب، فهل ينجح الشباب في استرداده وحماية بعضهم البعض من شبح هذا الخطاب الذي لم يعد يوصف بالمتطرف وإنما بـ «الداعشي» الذي بات مضرب المثل في التطرف.
وأعلن في سوريا عن تشكيل فريق ديني شبابي، أحد أهم أهدافه مواجهة الخطاب «الداعشي». ويقول المشرف على الفريق الشيخ عبد الله السيد: «نعتقد أننا كشباب لدينا القدرة على المواجهة، لأننا نمتلك ما افتقده غيرُنا من مرونة وجرأة في الطرح، إضافة لمهارات التواصل والقدرة على التعامل مع أدوات العصر. كما أن الشباب أقرب لبعضهم البعض، ولديهم القدرة الكبرى على المحاورة والإقناع وصولاً لمرحلة التحصين، عبر خطاب ديني معتدل يعتمد على العقل والحجّة والحوار ويسدّ حاجاتهم الروحية».
ويعد الخطاب الديني سلاحاً قوياً نجح التكفيريون في استخدامه، وهو ما يدركه الفريق جيداً. ويقول السيد: «كان أحد أهم أدواتهم نظراً لتأثيره الكبير، لكنهم ارتكزوا فيه على الوهابية كإيديولوجيا، وهي تعد المنبع الرئيسي للتطرف، لذلك نحن سنعمل على تطوير الخطاب الخاص بنا، من حيث الحامل والمضمون».
ولا يقتصر عمل الفريق على الشباب، وإن كان أحد أهم أهدافه استردادهم من أحضان الخطاب التكفيري. وقد أَطْلَقَ من أجل ذلك مبادرةَ «دحض أدلّة التكفير»، وهي تقوم على استقصاء الشواهد كافة التي يستمدّ منها التكفيريون، سواء من القرآن الكريم أو من السنة النبوية أو من كتب التاريخ والفقه، ثمّ تبيان تحريفهم لتفسير آيات القرآن، وكذلك الصحيح وتبيان أنهم يضعونه في غير محلّه.
وعلى سبيل المثال حديث «لقد جئتكم بالذبح»، الذي يستند إليه التكفيريون في تبرير أفعالهم، وهو حديث صحيح رواه أحمد في مسنده وابن حيان في صحيح وأصله في البخاري، يقدم الفريق الشبابي الأدلة الدينية على أنه حديث موجه لكفار وصناديد قريش فقط وتحديداً أبا جهل، عقبة بن أبي معيط، أبي بن خلف... إلخ. ويضيفون على ذلك أنه لم يثبت أن الرسول ذبح هؤلاء الأشخاص الذبح المعروف بالإمرار على الحلق، وإنما قُتلوا في المعارك التي خاضوها ضد الإسلام. ويمضون إلى أبعد من ذلك في تبيان خلاف التفسير مع الكتاب والسنة، فأما تعارضه مع القرآن فقد قال تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»، وأما السنة فقد قال رسول الله «إنما بعثت رحمة»، وأما الفعلية على سبيل المثال لا الحصر: قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي فقالوا يا رسول الله إن دوسا عصت وأبت فادع الله عليها فقيل هلكت دوس، قال: اللهم اهدِ دوسا وائت بهم.
وفي حديث آخر متفق عليه، فإن الرسول عندما ذهب الى الطائف ليدعو أهلها للإسلام رفضت دعوته، وتعرض للأذية والضرب بالحجارة حتى سال دمه، فنزل جبريل واستأذنه بأن يهدم الجبال على هؤلاء المشركين، لكن الرسول عفا عنهم، وقال: «لا بل أرجو أن يُخْرِج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئا».
مرونة الشباب تتجسد في تعاطيهم مع مختلف وسائل التكنولوجيا من «فايسبوك»، عبر صفحة الفريق الديني الشبابي، إلى «تويتر» وحتى «تليغرام» حيث قناة دحض أدلة التكفير التي يزداد متابعوها يومياً، كما أنهم يلجأون للحوارات المباشرة مع المنظمات الطلابية والمجتمعية. ويقول الشيخ ذو الفقار غزال إن هدف الحوارات المباشرة مع الشرائح المختلفة هو تيسير سبل التواصل مع الشباب المتدين وغيره، والتشاركية في صناعة خطاب ديني مجمع عليه وطرحه بطريقة عصرية، فما نحتاجه هو خطاب يخلق الوعي ويرسخه.
المشكلة ليست في محتوى خطاب الاعتدال وإنما في أدواته ومنابره ووصوله للمتلقي. هذا ما يقوله القائمون على الفريق، كما أنهم يشيرون إلى أن الخطاب التكفيري لم يتغلب بنوعية دعاته، وإنما تغلب بمنابره ووسائل الدعم النوعية التي امتلكها. ويقول غزال: «هناك مشكلة أخرى تتجسد في الحالة القطرية للخطاب الإسلامي، حيث أن لكل دولة خطابها الخاص المختلف عن باقي الدول، أي أنه ليس لدينا خطاب إسلامي شامل وإنما خطاب قطري، وهذا لا يعني أن خطاب الاعتدال في هذه الدولة أو تلك ليس صحيحاً، لكنه ليس جامعاً»، فيما يدعو مدير الفريق إلى تضافر جهود كل المنصفين والعقلاء والشرفاء والعلماء في الدول العربية والإسلامية بكل مذاهبهم ليقوموا بهذا الواجب الديني.
يحسم الفريق الديني الشبابي أمره بالمواجهة مع «داعش» وكذلك الوهابية التي ينظرون اليها على أنها المنشأ للخطاب التكفيري ويعتبرون أنها مواجهة حتمية، وقد أصدروا كتيباً يفند الوهابية ويقولون إنه يتضمن محتوى فكريا مختصرا وغنيا لكي يصل للناس بسهولة، ولا يجدون أي صعوبة في قراءته ولا يأخذ من وقت القارئ أكثر من 30 دقيقة، ويلخّص لهم أبرز النقاط التي تبين حقيقة الوهابية ومجافاتها لتعاليم الإسلام، كما يبين حقيقة مهمة جدّاً، وهي أن علماء المسلمين جميعاً في وقت ظهور الحركة الوهابية وقفوا منها موقفاً حازماً، وحذّروا الناس من شرّها ولم ينخدعوا بها، بحسب السيد.
أعضاء هذا الفريق هم جميعاً من خطباء المساجد وأصحاب المنابر، وهم يعملون من خلالها مع غيرهم من العلماء الكبار في بلاد الشام على إنتاج خطاب يسحب البساط من تحت خطاب التكفير، ويعيد ما يسمونه الاعتدال للأمة. فهل ينجح هؤلاء الشباب في تحقيق ما فشل فيه كثر، ويتمكنون من إسماع صوتهم الوسطي في وقت تصغي فيه الكثير من الآذان لخطاب التطرف والتكفير؟

بلال سليطين

السفير

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

July 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
3436263