الصفحة الرئيسية
n.png

بيانكا ماضيّة: صيّاح الدمشقي (قصة)

هنا في هذا الحي والذي يسمى حي الميدان بدمشق، استطاع صيّاح الشامي أن يضبط مئتي شخص خرجوا في مظاهرات طالبت بالإصلاح ومحاربة الفساد. لم تكن بداية خروجهم إلى الحي تحت شعار إسقاط الحكم أو النظام أو غيره، وإنما كان شعارهم (الشعب يريد الإصلاح والتطوير). أقول استطاع صيّاح أن ينظم هذه المظاهرات ويضبطها لأنه كان بمثابة العكيد الذي رأيناه في مسلسل (باب الحارة)، ولكن حارة عن حارة تختلف، وعكيد عن عكيد يختلف.
كان صيّاح يعمل في التجارة، كان ميسور الحال، يقضي بعض أيامه في اللهو والعبث ومعظمها في إثارة المشكلات. مايجنيه من مال يذهب نصفه لزيادة رصيده في البنوك، والنصف الآخر يوزع في الملاهي الليلية والمطاعم الصباحية.
قد يخطر على بالكم أن صيّاح رجل كبقية الرجال الذين نسمع عنهم في الحارات الشعبية: زوجته طيع أمره ويديه، وأبناؤه لايرفعون رأسهم أمامه، وكلمته لاتصبح كلمتين.
إلا أن الحقيقة على خلاف ماذكرت تماماً. هو رجل ولكنه عاطفي النزعة، ديمقراطي مع أبنائه، ذو روح فكاهيّة، يحمل أفكاراً تقدميّة على خلاف مانعرفه عن رجالات الحارات. لم يكن (سي السيّد) ولم تكن مفردة (سيدي) تقال في بيته المكوّن من ليوان، وباحة، وبركة، وغرف مفتوحة على بعضها من الداخل، بل كان هناك جو ليبرالي في البيت تظلله روائح الياسمين الدمشقي ببياضه النقي، وترطّبه نافورة الماء المتدفق في البركة التي تتوسط باحة الدار.

بعد كل مظاهرة من تلك المظاهرات التي تحدثت عنها في البداية، كان صيّاح يجتمع بأولئك الشباب المتظاهرين ليحثهم على تنظيم أنفسهم بشكل أكبر، وترتيب أولوياتهم وكتابة الشعارات بخط جميل، والتظاهر بشكل حضاري بعيداً عن الفوضى والتزاحم. وكان الشباب الذين يصغرونه قرابة جيلين ينفذون تعاليمه وملاحظاته بدقة متناهية مما جعل ذلك الحي قدوة في المظاهرات السلمية.
انفضت تلك المظاهرات بعد ظهور السلاح، إذ اجتمع صيّاح بأولئك الشباب وأخبرهم بأن الدم سيصل إلى الركب إن هم استمروا في التظاهر، ولكن أفراداً من هؤلاء الشباب يتسمون بالعنجهية والغرور أسرّوا له بأنهم سيحملون السلاح وسيحاربون به كل من يقف في طريقهم إلى الحرية من رجال الشرطة والأمن وغيرهم.
لم يستطع صيّاح إقناعهم بالعدول عن فكرتهم هذه وخاصة بعد أن وصلت إليهم شحنة الأسلحة وبدؤوا بإقامة المتاريس والحواجز.

وذات ليلة ليلاء دخلت (داعش) قرية معلولا التي لاتبعد كثيراً عن دمشق، كما تعرفون، فما كان من صيّاح بعد أن وصل إليه الخبر عن طريق أصدقاء له في معلولا إلا أن اتصل بثلاثة من أولئك الشبان الذين تمترسوا في الميدان وحملوا السلاح للمواجهة، وطلب منهم جمع كل حملة السلاح من شبان الحي، وماهي إلا دقائق حتى امتلأ الميدان بثلاثة آلاف مسلح، وقفوا ينتظرون أوامر الزعيم صيّاح.

خرج الزعيم من بيته ورأى هذه الحشود وقد ملأت الحي عن آخره. بحث بين الوجوه عن الشبان الثلاثة فوجد واحداً منهم، سأله:
-لماذا حملتم السلاح؟!
فأجاب الشاب الموجه إليه السؤال: لأننا رجال الميدان.
فعاجله صيّاح بسؤال آخر: والرجال ماذا تفعل عند دخول محتل لاغتصاب حارتهم ونساء حارتهم؟!
فأجابه شاب آخر بصوت جهوري وقد احمرّت أذناه: ماعاش من يحتل حارتنا، والموت مصيره لامحالة.
صاح صيّاح: إذن أروني رجولتكم يارجال الميدان وقد دخلت داعش معلولا.
فصاح الجميع: الموت لداعش وتحيا معلولا.
وهجم الجميع متجهين إلى معلولا، ثلاثة آلاف شاب مدجج بالسلاح والعتاد.
بعد تحرير معلولا من داعش، أرسل أحد الفروع الأمنية رسولاً لإحضار صيّاح إلى أحد الضباط، فذهب صيّاح ملبياً طلب الرسول. دخل الفرع واتجه نحو غرفة الضابط المسؤول الذي سأله بعد دقائق:

-ماذا تعمل ياصياح؟
-أعمل في التجارة.
-وفي الليل؟
-أنام باكراً لأني لا أحب العتَمة.
-وهل لك مشكلات مع أحد؟
-لا أبداً، طيلة عمري أمشي الحائط طلباً للستر.
هنا ضحك الضابط وقال:
-ولكن ملفك مليء بإثارة المشكلات وافتعالها، ولياليك حمراء مليئة بالخمر والنساء.
-لطالما تعرف كل شيء عن حياتي، فلم تسألني؟!
راح الضابط يتمعن في وجه صيّاح، وكان هذا الأخير بفطرته وعفويته ينظر بعيني الضابط ويبتسم، وعاد الضابط ليسأل صيّاح:
-طيب إن كان في ذهنك فكرة ما مخالفة لأفكار زوجتك، كيف تقنعها بفكرنك؟!
-لا أستطيع إقناعها أبداً، لأننا على طرفي نقيض.
-وكيف إذن يابن الحرام أقنعت ثلاثة آلاف مسلح كانوا يقفون ضد الدولة؛ لتحرير معلولا مع الجيش؟!
ضحك صيّاح ملء قلبه، وقال:
-هؤلاء ليسوا شباناً يحملون السلاح، بل شباب يحملون الولاء لزعيم حارتهم، وما أقوله لهم ينفّذ ليس رغماً عنهم وإنما عن طيب خاطرهم.
-طيب ومارأيك أن تقنع كل شباب الحارة أن ينضموا إلى صفوف الجيش العربي السوري؟!
-لاداعي ياسيادة الضابط فقد أقنعوني هم بضرورة انضمامهم إلى الجيش بعد أن لمسوا لمس اليد كيف يحرر جزء من وطنهم على أيديهم وأيدي الجيشٍ من رجس المحتل.
لاداعي ياسيادة الضابط، فقد أقنعوني هم بضرورة انضمامهم للجيش بعد أن وجدوا أن قتال الغريب أولى من قتال القريب لا بل هو واجب عليهم وتقع مسؤولية تحرير بلدهم على أعناقهم، وأن من يغتصب امرأة في أبعد نقطة من وطنهم لكأنه اغتصب امرأة من حارتهم، وأن من يقطع رأس مواطن من بلدهم لكأنه قطع رأس أحد أبناء حارتهم.
ولكن الضابط أوقفه عن متابعة حديثه بالقول:
-ولكن الوطن يختلف عن الحارة ياصيّاح.
فأجابه صيّاح على الفور:
-ولكن أهل الوطن لايختلفون عن أهل الحارة، أعرفت إذن كيف استطعت إقناع ثلاثة آلاف شاب من شبان حي الميدان، وبإمكاني إقناع ثلاثة آلاف شاب آخرين حتى تعود آخر ذرة تراب من بلدي.
هنا غمز الضابط بعينه صيّاحاً وهو ينظر إليه بوجه ملؤه الإعجاب والفخر، وماكان منه إلا أن قام عن كرسيه متجهاً نحو صيّاح، مصافحاً بيمينه يمينه ومربتاً على كتفه الأيسر في آن.
بعد أيام شوهد صيّاح متقدماً سبعة آلاف مقاتل بكامل عدتهم وعتادهم، ومتجهين نحو حلب.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4010780