n.png

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟

    يحيى زيدو: الألم.. الصرخة و الصمت

    لا تصرخ... ليس من اللائق أن تصرخ و أنت مجبولٌ بكل هذا الألم و الوجع و القهر..
    لست طفلاً يعلن عن قدومه إلى الحياة بصرخة...
    و لست رسّاماً تصرخ بفرشاتك و ألوانك في لوحةٍ صاخبة، و لا نحّاتاً لتصرخ بإزميلك في حجرٍ أو جذع شجرة.
    و لست مغنيّاً لكي تصرخ (أو تصدح) بصوتك أمام الآخرين..
    لست سياسيّاً لتصرخ من أجل تحشيد الناس خلف دعاويك و برامجك.
    و لست دولةً تصرخ بوسائل إعلامها في وجه مواطنيها من جهة و في وجه الدول الأخرى من جهة أخرى.
    لست قاتلاً و لا قتيلاً.. و لا ضحيةً أو جلاداً.. أنت إنسان
    الصراخ مهنة أنصاف المواهب المولعين بالصخب و الضجيج.. أما الإنسان فميزته الأرقى هي الصمت..
    الصمت ملَكَةٌ و موهبةٌ صوتُها أكثر صخباً من الصرخة.. الصمتُ فضيلةٌ يمتلكها الإنسان الذي يعاني و يتألم بوعي و معرفةٍ لحدود الأسى.. كالشجرة التي تتألم بصمتٍ حين تتبرعم.. كالأرض حين تتشقق من سكّة محراث أو تفجّر ينبوعٍ جديدٍ.. (الصمت لغة الله و كل ما عدا ذلك ترجمة سيئة)*
    تألّمْ بصمتٍ و لا تصرخ.. فثمة مَن ينتظر صراخك ليزيد جرعة الألم..
    تألّمْ بحبّ.. لكن لا تتألّمْ على حبّ مضى.. و لا تفرحْ بحبّ قادمٍ.. بل اصمتْ.. و دعْ صخبك المخنوق داخل روحك يصرخ فيك و أنتَ ترسم لوحتك في ضوء الشمس.. دع ربيعك يزهر و أنتَ تنتظر صباحاتٍ نديَّة.. فجّرْ ينابيعك لتنبثقَ من عمق الألم..
    حينها اصرخ من نشوة الفرح و غبطةِ تَلَقّي ألَقِ فيضِ الجمال الوافد منك إليك.. الصادر منك إلى ما حولك.. حينها فقط اصرخ بكلّ قوتك و بأعلى صوتِك:
    بالألم و الصمت يحيا الإنسان و يكون.

    * ما بين قوسين من أقوال جلال الدين الرومي

    November 2018
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    28 29 30 31 1 2 3
    4 5 6 7 8 9 10
    11 12 13 14 15 16 17
    18 19 20 21 22 23 24
    25 26 27 28 29 30 1
    عدد الزيارات
    4581740