الصفحة الرئيسية
tot1.jpg

لأجلك يا أمي.. أعشق عمري

        نُشرت في فينكس, للمرة الأولى, في 30 آذار 2016

أُبيّ حسن

تنويه: في مطلع عام 2000 طلب مني رجل الأعمال الراحل محمد دعدوش (ومؤسس دار الفن العالمي الحديث) القدوم إلى دمشق بذريعة أنّه سيصدر مجلة, ويريدني أن أعمل بها, لكن مع الآسف كان العمل الذي ينتظرني شيئاً آخر..
في 20 شباط عام 2000 سألني إن كنتُ أقدّر على كتابة قصة أتحدّث فيها عن كيفية توديعي لأهلي, وقدومي إلى دمشق.. فأجبته: أحاول.
وكان إن كتبتُ المحاولة القصصية أدناه في 25/2/2000, وها أنا أهديها مجدداً إلى روح محمد دعدوش, بمعزل عما شاب علاقتي به في ختامها من شوائب.


لأجلك يا أمي.. أعشق عمري

ألمّ به شعور غريب, لم يكن راوده من قبل, أحسّ به وهو يضع في حقيبته آخر كتاب, تناوله من مكتبته.
كان شقيقه الأصغر منه, يقف معه في الغرفة, يراقبه كيف يعلّب أحلامه وأفراحه.. ومن يدري, ربما همومه ومتاعبه.. لم يساعده, لأنّه لم يكن بحاجة لمساعدة أحد.
تسود البيت حالة من الوجوم والعبوس, إذ لا أحد تأتيه شهية الكلام.. كأنّ هذا المنزل يعيش مأتماً.. ولماذا؟ فقط لأنّ ابنهم سيسافر إلى دمشق؟!آخر صفحة من قصتي

***
وفيما هو يودّع والده, بعد أن ودّع معظم الحاضرين, تنفرج شفتا الأب عن ابتسامة رضا ودعاء صامت. وعاد يذكّره:
-أعود وأوصيك بثلاث يابني: الأمانة, الصدق, غض البصر عن كلّ ماهو محرّم.. هل فهمت؟
فيجيب الشاب, الذي أصبح الزمن يسرقه نحو الرجولة: فهمت.. فهمت.. ومن ثمّ يدمدم بكلمات, بالكاد يفهم السامع منها: ... مذ وعيتُ الدنيا وأنت تقول لي ذلك.. قل شيئاً غير هذا في هذه الساعة.
يلفتُ نحو والدته كي يعانقها, طالباً دعاءها, وبينما هما متعانقان, يشعر بخفقان قلبها, ذلك القلب الذي ترك الزمن بصماته عليه.
تمطره الأمّ الرءوم بسيل من قبلاتها, دون أن تنبس شفتاها بكلمة, إذ تحول الغصّات المتتالية في حلقها دون ذلك. وبهذا حُرم ذاك الشاب من آخر نعمة كان ينتظرها في تلك اللحظة, ألّا وهي أن يسمع والدته تدعو له:
ألله ييسر دربك يا ولدي, أو ألله معك يا ضنا...
قبل أن تُقلع به السيارة, ألقى بنظره لآخر مرة على بقايا روحه.. حينذاك لم ير سوى الدموع المنهمرة لوالدته, ولم يسمع من ضجيج دعائهم إلّا بكاء ابن أخيه, ذلك الطفل الوديع, الذي لم يتجاوز عمره السنتين.

***
في دمشق..
لم يجد صعوبة, في إيجاد عمل وتأمين مسكن, إذ استقبله أصدقاؤه الدماشقة بالحفاوة والترحاب.. فأحدهم قدّم له منزلاً, وعرض عليه عملاً يعينه في إقامته.
ما إن وصل إلى المنزل المقدّم إليه, حتّى باشر بتنظيفه واستكمال نواقصه, على نفقة صديقه.
يا ألله, هل أنا في حلم أم في حقيقة؟
هكذا حدّث نفسه, وهو يجلس باسترخاء على إحدى الكنبات, وعوض أن يسهو قليلاً من شدّة التعب, أخذت الخواطر تجول بخياله, فأنس بها, مبدداً من خلالها وحشة الوحدة, وغربة السكن الذي لم يألفه بعد. لحظات قليلة تمضي ليجد يده تمتدّ لا شعورياً إلى الهاتف القريب منه, ممسكاً بالسمّاعة, طالباً طرطوس.. قريته.. بيته.. وبعد ثوان يأتيه الصوت من الطرف الآخر, مبدداً صقيع الصمت.. صمت المكان:
آلو.. من؟
وتستبدّ به لواعج الشوق, لحظة سماعه الصوت, ولم يمض على فراقه لصاحبه سوى ساعات معدودات في قانون دورة الزمن, وفي عُرف وحُكم دوران الأرض حول الشمس, وحول نفسها... لكنها في دورة الشعور والمشاعر والإحساس الذيّ هطل عليه, هي دهر كامل. فأجاب:
-أنا.. أنا. دون أن يذكر اسمه, بل اكتفى بضمير الرفع المنفصل (أنا), موقناً بأنّهم سيعرفونه..
أتكلم من دمشق.. ورجف صوته, وصمت ليأخذ دور المستمع أمام سيل الأسئلة التي انهالت عليه من الطرف الآخر:
-كيف حالك؟
-مبسوط؟
-متى وصلت؟
-ماذا تفعل الآن؟
-لماذا تأخّر اتصالك؟
-والله العظيم لك وحشة لم نكن نتوقعها.. أقفر المنزل برحيلك!
عشرات الأسئلة, انهالت عليه دفعة واحدة, مصحوبة بدفقة حنان تارة, وبلوعة شوق بعد فراق ساعات لا يعلم إلّا الله كم سيعقبها من الأيام والشهور.
وصمتَ.. صمتَ, ربما لأنّه لا يدري بماذا سيجيب, وبأي سؤال يبدأ.. ولعل سبب صمته كان لاكتشافه هول المفاجأة من خلال هذه الأسئلة.. إذ هل يعقل أنّهم متعلقون به إلى هذه الدرجة, وهو لا يدري؟!
كانت المتكلمة على الطرف الآخر –خابية الحنان- أخته, فالكلّ نيام عدّاها.. طالما كان يسهر وإيّاها حتى ساعة متأخرة من الليل, يتسامران تارة, ويتجادلان أخرى, ويطالعان بعض الكتب أغلب الأحيان.
ويعود الصوت عبر الأسلاك من جديد:
-مالك صامت, لا تتكلّم؟.. هل ألمّ بك شيء؟!
فيجيب:
-لا.. لا, أنا بخير..
-الحمد لله
-كيف حال أبي وأمي وإخوتي والصغير ابن أخي؟
-كما تركتهم.. الجميع بخير.. انهمرت دموع والدتي, إذ أخذت تبكي بغزارة بعد رحيلك...
-سلمي لي عليها, واطلبي منها أن تدعو لي, وأن تعتني بصحتها.
-تكرم عينك, أنت أيضاً, اعتن بصحتك..
-لاتقلقي عليّ.. هل تريدين شيئاً من هنا؟
-لا.. فقط انتبه لنفسك.
طالما كانوا يوصونه الانتباه لنفسه, صغيرهم وكبيرهم, وكأنّه مازال طفلاً عمره بضع سنوات! هكذا كان يبدو له, على الأقل من نصائحهم المستمرة له.
أغلق السماعة, بعد أن طلبت منه أخته الاتصال بوالدته صباح اليوم التالي.
إنّها والدته التي يحبّها ويقدّسها.. والدته التي تختصر بفيض حنانها وعطائها, وتضاريس التعب والشقاء المرتسمة في محياها, خارطة أمهات العالم أجمع.. قديماً وحاضراً ومستقبلاً.. الأمهات اللواتي أنجبن كونفوشيوس وبوذا ولاوتس وماني وعيسى ومحمد... غاندي.. الخ.
وفيما هو يفكّر بذلك, وبكلام أخته عن الدموع الطاهرة التي سكبتها بتوله في آنية الفراق, ودّ لو يطلع الصبح بلحظة, برفة هدب وومضة عين.. كي يتصل من جديد, فيسمع ذلك الصوت السماوي الذي حُرم سماعه لحظة الرحيل.

***
صباح اليوم الثاني
على غير عادته, استيقظ مبكّراً, نهض من فراشه, وقبل أن يزيل رجس الشيطان عن وجهه, توجّه إلى الهاتف, أدار القرص على عجل طالباً طرطوس.. ملبياً خفقان القلب ووجيبه, متلهفاً لسماع صوت معشوقة روحه, ومثله الأعلى في الأرواح الباقية المتجسّدة في ثوب الإنسانية الفانية.. وجاءه الصدى, لا بل حقيقة الصوت وعذوبته من الطرف الآخر, ومن دون مقدمات:
-كيف حالك يا ولدي؟
-بخير.. بخير.. يقولها وهو مفعم بالسعادة, وروحه تكاد تطير من كيانه.. ويتابع سائلاً روحه على الطرف الآخر: أنت.. أنت كيف حالك؟.. كيف صحتك؟
وتغصّ الكلمات في حلق ظلّ السماء وتعاني صعوبة في النطق, إذ تختنق الألفاظ بالألفاظ, ولم تعد تدري ماذا تسأله وعن ماذا.
ويسمع نشيج بكائها الخافت, فيشدّ من عزيمتها, حتى يعود الكلام مموسقاً, فيه طراوة الورد, وعذوبة اللحن, وجودة النغمة.
-انتبه لنفسك يا ضنا.
يكاد يفرط حبّاً وشوقاً عند سماعه كلمة ضنا من شفتي مُبتكرته, فينزل وقعها على مسمعه وقع قطرات الندى على الزهر بزوغ الفجر.. يا ألله ما ألذّ سماع هذه الكلمة من شفاه الأمهات, يا ألله ما أرحب معناها.. وما أحكم مبناها.. وما أعظم رحمتك عندما رزقتنا بأمهات.
وما فتئت توصيه بكل شيء يخطر ببالها, من دقائق الأمور حتى جلائلها, وعادت تنبهه:
-لاتنسى عندما تطبخ الرز.. كل كأس رز قبالته كأسا ماء.
فيضحك سعيداً, ويقول لها:
-حتى هذه لم تنسها؟1
-وكيف أنساها؟! هل نسيت يوم كنت في خدمة العلم وأردت أن تطبخ الرز, فكان طبيخك بعد نضجه ما يُشيه الرز؟
ويضحك مجدداً.. فحقاً حصل معه ذلك, وكثيراً ما حصل.
وقبل أن تغلق السماعة توصيه آخر وصية:
-وانتبه جيداً عندما تغسل ملابسك.. افصل الثياب الملونة عن البيضاء, كي لا تحلّ الألوان, فتتنزع الثياب.. ألله يوفقك يابني.. لا تطل غيابك عنا, واتصل بنا دائماً.
ويودعها طالباً دعاءها ورضاها, يغلق سماعة الهاتف, وقد اغتسل وجهه بدموع انسكبت من مقلتيه, أزالت رجس الشيطان, وفيما هو ينهض ليضع شريط كاسيت في المسجّل, يتمتم: يا الهي حتى الثياب لم تنسها؟!.. ما هي إلّا لحظات, فيصدح صوت مارسيل خليفة, عبر المسجّل, مترنماً بكلمات محمود درويش:
أعشق عمري, لأني إذا مت.. أخجل من دمع أمي

25 شباط 2000

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2068798