nge.gif
    image.png

    مروان حبش: البعث وسياسة الحياد الإيجابي

    أ مروان حبشس - كان من البديهي أن يلتزم حزب البعث، بسياسته الخارجية، بصفته حزباً اشتراكياً، جانب المعسكر الاشتراكي، ولكنه، إن كان في دستوره، أو في مقررات مؤتمراته القومية، كان يركز على سياسة الحياد الإيجابي، وعدم الانحياز، وبما يخدم قضايا العرب التحررية، ودعم قضايا تحرر الشعوب الأخرى.

    ما أسباب ذلك، وما هو مفهوم البعث لسياسة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز؟

    انتهت الحرب العالمية الثانية بنظام عالمي ثنائي القطبية، وهذا ما حذا ببعض الحركات والأحزاب إلى الدعوة لعقد مؤتمر لإنشاء معسكر ثالث يقف وسطاً بين المعسكرين الشرقي والغربي، ولقد أجاب الأستاذ صلاح الدين البيطار برسالة باسم قيادة حزب البعث، في شهر آذار 1951 على رسالة تلقتها من الحزب الاشتراكي الهندي يدعو فيها إلى المساهمة في حملة لإقامة المعسكر الثالث:

    «بالإقرار على أن السلام العالمي الدائم يمكن تحقيقه في مجتمع يضمن الحرية والمساواة التامة بين الشعوب».

    وأضافت الرسالة الجوابية: «إن الحزب يكرس جزءاً كبيراً من نشاطه في سبيل قضية السلام العالمي دون تحيز إلى وجهات النظر المتضاربة التي تسود كلا المعسكرين الأنكلو - أميركي والسوفييتي. ويقود الحزب في الوطن حملة واسعة لإقامة معسكر ثالث (معسكر السلم والاشتراكية) إلى جانب نضاله في سبيل وحدة الأمة العربية وتحقيق أمانيها القومية». وورد في الإجابة أيضاً، "إن الفقر والحرب يهددان السلم والرخاء العالميين، وإن أياً من المعسكرين لا يستطيع أن يقدم حلولاً مرضية للمشكلات الرئيسية الثلاث:

    1- توفير مستوى لائق في المعيشة لجميع البشر.

    2- توفير الحرية لجميع الشعوب وتمكينها من تحقيق وحدتها القومية.

    3 - منع الحروب.

    فالاستقلال عن المعسكرين والحال هذه، ضرورة لازمة لكل قوة تسعى إلى تحقيق "السلم العالمي والاشتراكية". وبينت الرسالة الجوابية «إن الأحزاب الاشتراكية المناهضة للاستعمار بشتى أشكاله والشعوب المتحررة حديثاً هي العناصر الوحيدة التي يمكن أن يتألف منها المعسكر الثالث، والحركات التحررية ومناهضة الاستعمار في جميع أنحاء العالم بحاجة إلى من يعينها على استعادة طاقتها والمضي في نضالها، ولن يتم هذا إلا بقيام معسكر عالمي يعترف بالمطالب المحقة لجميع الشعوب وأن تعيش في عالم تسوده الحرية والمساواة بين جميع الشعوب».

    اشتدت في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين الحرب الباردة بين المعسكرين وبلغ الصراع أشده، وجهدت السياسة الاستعمارية التي تقودها الولايات المتحدة أن ترغم العرب على الانضمام إلى صفها في حربها ضد الكتلة الاشتراكية، وطرحت مشروع الدفاع المشترك الذي تقدمت به إلى بعض الحكومات العربية بغية تقرير موقف من هذا الصراع، ينسجم مع مصلحة الدول الاستعمارية وأغراضها ويقود الشعب العربي إلى الاشتراك في صراع لا يعنيه وتهمل فيه قضيته، وتتجاهل مصلحته القومية.

    وفي هذه الفترة، كان حزب البعث يرى أن «سياسة الحياد والاستقلال ليست غاية في ذاتها، بل هي سبيل لبلوغ أهداف سامية، فالعرب لا يمكنهم إلا أن يكون هدفهم الدعوة إلى إقرار سلام عادل على أساس المساواة بين الشعوب، وأن الحياد هو الاستقلال، وهو موقف عملي قبل أن يكون تصريحاً أو خدعة، ولكي يكون للعرب الحق في أن يؤيدوا المعسكر الاشتراكي، مثلاً، أو يناهضوا المعسكر الاستعماري، عليهم أن يكونوا أحراراً مستقلين بثرواتهم ومقدرات بلادهم».

    حذا هذا الصراع بين المعسكرين، أيضاً، بعض قادة شعوب العالم الثالث للتفكير بتأسيس كتلة تقف على الحياد بين الكتلتين، وتسعى إلى ترسيخ السلام في العالم.

    وفي شهر نيسان 1955 دعا الرؤساء: اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو، والمصري جمال عبد الناصر، والإندونيسي أحمد سوكارنو، ورئيسا الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، والصيني شو آن لاي، إلى عقد مؤتمر لدول عدم الانحياز في باندونغ في إندونيسيا بين 18 - 24/ 4 /1955 وقد حضرته 23 دولة من بينها سورية.

    أكد المؤتمر على ضرورة التعاون من أجل القضاء على التخلف، ووضَعَ أسساً لتنظيم العلاقات بين الدول من أبرزها:

    التعايش السلمي - عدم الاعتداء - المساواة بين الأعراق والأمم - عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير.

    بعد مؤتمر باندونغ عقدت 25 دولة غير منحازة عام 1961 مؤتمراً في بلغراد في يوغسلافيا، و في هذا المؤتمر تحددت أسس مفهوم عدم الانحياز بنقاط خمس:

         1 - إتباع سياسة مستقلة تؤكد على التعايش السلمي.

         2 - دعم حركات التحرر الوطني.

    3 - عدم الانتماء إلى أي حلف عسكري من الأحلاف التي يُنْشِئُها أو يقودها أحد القطبين.

           4 - رفض إقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضي الدولة.

           5- عدم الدخول في حلف ثنائي مع دولة كبرى.

    ويمكن القول: إن على قادة حركة عدم الانحياز خوض معركة سياسية للتمسك بالأسس المذكورة، ولكن القضاء على التخلف يحتاج إلى دعم اقتصادي لا تستطيع دول الحركة توفيره، وهنا كان الخلل في إمكانية التمسك بأسسها.

    أما رأي حزب البعث بالحياد الإيجابي، هو: (أن الحياد الإيجابي يمثل بالنسبة للعرب أملاً في صورة مثلى لمجتمع تقدمي يجسد اتجاه النصر، ليس بالنسبة إليهم فحسب، وإنما بالنسبة إلى الإنسانية كلها، هذه الصورة المثلى للمجتمع الجديد التي يتطلعون إليها والتي يقدم الحياد الإيجابي فرصة لتحقيقها، هي التي تعطي للرسالة العربية معناها في العصر الحاضر، هذه الرسالة التي آمنوا دوماً بأنها منوطة بأمتهم وأن أمتهم جديرة بهم).

    قاد حزب البعث في سورية، من خلال اشتراكه في الحكومة التي تشكلت وفق الميثاق القومي، سياسة الحياد الإيجابي.

    ولتوضيح ضرورة التغلب على التخلف والحصول على الدعم الاقتصادي، أكد الحزب في بيان له بتاريخ 9 آب 1957 أن المباحثات الاقتصادية بين سورية والاتحاد السوفييتي دعم لمبادئ باندونغ وسياسة عدم الانحياز، وأن الاستعمار الغربي لن يخنق اقتصاد سورية، وبالتعاون الحر سنطوره ونحميه ونحقق له الرخاء.

    لقد كانت الولايات المتحدة تلح على ضرورة ربط ما يعرف بمنطقة الشرق الأوسط والدول العربية خاصة بعجلة الأحلاف الغربية، وإنشاء قوة تستطيع أن تجابه خطر الشيوعية الدولية، كما ورد في رسالة الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، وهذا يعني بشكل واضح متابعة السعي للقضاء على السياسة العربية المتحررة التي كانت تمثلها مصر وسورية والقائمة على عدم الانحياز لأحد المعسكرين الدوليين، والتعاون المتبادل على قدم المساواة مع جميع الدول على أساس احترام السيادة.

    حاربت الدول الاستعمارية الدول التي تسعى للتحرر، ومنها سورية اقتصادياً، وكان رد الفعل الطبيعي تجاه هذه الحرب الاقتصادية أن تخطو سورية خطوات حاسمة لتطوير اقتصادها حيث يصبح بمنجاة من الحرب الاستعمارية، وذلك بإقامة مزيد من العلاقات الاقتصادية على أساس المنافع المتبادلة، وهذا التعاون الاقتصادي يجب أن يكون خالياً من أية شروط سياسية تمس سيادتها واستقلالها وتخرجها على سياسة عدم الانحياز. وعلى هذين الأساسين قامت المباحثات الاقتصادية بين سورية والاتحاد السوفييتي.

    وأكد الأستاذ صلاح الدين البيطار وزير الخارجية السوري في مؤتمر صحفي نشره الحزب في 23 آب 1957: أن الغاية الأساسية من مبدأ أيزنهاور هي الإطاحة باستقلال بلدان الشرق الأوسط وتسليم هذه البلدان لقمة سائغة إلى الصهيونية والاستعمار، وقد تحالفت هاتان القوتان لتحقيق أغراضهما المشتركة، ومن هذه الأغراض القضاء على القومية العربية، ومن الطبيعي أن يقاوم العرب بشتى الوسائل وفي كل قطر جميع مؤامرات الاستعمار والصهيونية.

    إننا سنستمر في سياسة عدم الانحياز والحياد الإيجابي وسندافع عن قوميتنا واستقلالنا ولن نألو جهدا في كشف مؤامرات الاستعمار وربيبته "إسرائيل".

    وأكد الحزب في مؤتمره القومي التاسع الذي انعقد في أيلول 1966على مفهومه للحياد الإيجابي وعدم الانحياز، وأوصى بالعمل ضمن مجموعة دول عدم الانحياز على دفعها في الطريق الواضح للنضال ضد الاستعمار، وإبعادها عن الوقوع في حبائل المستعمرين وإغراءاتهم المادية بالمساعدات والقروض وفضح الأساليب الانتهازية القائلة بمساومة الاستعمار ومهادنته، وهذا ما يحوّلها إلى قوة فاعلة تؤثر بشكل جدي في الأحداث الدولية لمصلحة الحرية والتقدم.

    ويمكن تلخيص سياسة حكم حزب البعث في مجال دول عدم الانحياز أنه انطلاقاً من الفهم الإيجابي الخلّاق لعدم الانحياز، المتمثل بالإصرار على امتلاك الإرادة الحرة النابعة من مصالح الشعب ومثله القومية والإنسانية العليا، بعيداً عن المؤتمرات الدولية الخارجية التي قد لا تراعي هذه المصالح ومصالح الشعوب الأخرى حيث نكون قادرين وحيث يكون الحكم قادراً باستمرار على أن ينحاز إلى جانب هذه الشعوب المكافحة من أجل الحرية، وأن يقف في صف الكفاح الإنساني ضد الاستعمار والتخلف وضد جميع القوى المعوِّقة لمسيرة التقدم والحرية في العالم.

    إن هذا المفهوم هو الذي يعطي لدول عدم الانحياز قيمتها التاريخية في اغناء النضال الإنساني من أجل الحرية.

    واليوم، بعد سيطرة القطب الواحد، وتلاشي حركات التحرر، واستيلاء أنظمة حكم تنهب ثروات شعوبها وأتعاب بنيها المُرْهَقين وتحارب الفكر والحرية وتضطهد الأحرار في بلدانها، فإن السؤال الذي يطرح نفسه، ما هو المبرر لبقاء هذه الحركة؟ وإذا كان البعض يرى ضرورةً من بقائها، فمن الطبيعي أنْ تغير اسمها وتضع لها أهدافاً وأسساً جديدة تتوافق وحاجات الشعوب ومتطلبات العصر، وفي مقدمتها مساهمة شعوب أكثرية هذه الأنظمة في اختيار حكامها وتداول السلطة في بلدانها والتمتع بثرواتها، وتكييف بناها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مما يؤهلها ليكون لها دور في مرحلة العولمة وفي النظام العالمي الجديد.

    وحينذاك تعود إلى الشعب ثقته بنزاهة حكامه وكفاءتهم، وهذا سيمكنه من الوقوف في وجه عتو القطب الواحد أو الحد من غطرسته.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    من كتاب (مروان حبش في قضايا وآراء)

    عدد الزيارات
    9618492

    Please publish modules in offcanvas position.