nge.gif
    image.png

    يحيى زيدو: عبد العاطي الواطي مرة أخرى

    "عبد العاطي".. صديقي في أيام الجوع و الأحلام، في أيام الطيش و الحرمان.أ يحيى زيدو
    كنا نحلم و نجوع معاً...
    نذهب يومياً إلى الحديقة العامة بأسنانٍ صفراء، و شَعرٍ مُشْعَّثٍ، و لِحْيةٍ فوضوية مثل المثقفين البائسين من طراز تلك الأيَّام.

    كنَّا نحمل معنا أعمالنا الأدبية الكاملة (أنا أحمل مقالتي اليتيمة المنشورة في إحدى صحف المحافظات البعيدة، و هو يحمل قصيدة نثرٍ، اعتبرها ’’يتيمة دهره’’، نشرها في إحدى مجلات النقابات المهنية الصغيرة)، ثمَّ نتسكّع في الطرقات، و المقاهي، و بين بسطات الكتب على أرصفة المدينة، و نختمها في دمشق القديمة بصحن فول لزوم حاجة الجسد إلى البروتين الرخيص.

    كم كنتَ رائعاً يا "عبد العاطي" و أنت تقرأ قصيدة (أبي النوَّاس) لأمل دنقل، و أنا أردِّدُ قصيدته (كلمات سبارتكوس الأخيرة)، ثم نترحم على (الأمل) و نحن نبكي معاً.

    دارت الأيام دورتها..
    توسَّعت أعمالي الكاملة إلى مقالةٍ أخرى، و كتابٍ من بضع عشرات الصفحات شكّل كارثةً للناشر مما دفعه لإغلاق دار النشر، و حجزتُ مقعداً لي في حديقةٍ عامةٍ كنت أقضي معظم أوقاتي فيها، هذا المقعد هو أعظم إنجازاتي التاريخية على الإطلاق.

    أمّا "عبد العاطي" - ماشاء الله الواهب المانح العاطي - فقد توسَّعت أعماله الكاملة إلى عشرين مجموعةً و ديواناً شعرياً، و مُجلَّدَين من الأعمال النقدية، و عدَّة مسرحيات، و سيناريوهات لأفلام سينمائية و مسلسلات تلفزيونية. و علمتُ لاحقاً أنَّه صار واحداً من أهم الناشرين، و أن لديه خططاً لكتابة الرواية، و القصة القصيرة، و قصص الأطفال، و سيقيم معرضاً تشكيلياً، فهو يفهم أنّ الفن التشكيلي يعني (تشكيلة من الشكاوى التي يستطيع تجسيدها بريشته التي عفَّشها من مرسم فنانٍ تم خطفه، ثم انقطعت أخباره).

    كم أنت عبقريٌّ يا "عبد العاطي" مع كل أخطائك الإملائية و النحوية، و خطاياك الحياتيَّة و الأخلاقية..
    أيَّاميَ صارت بلون الليالي.. و معدتي تقلّصت حتى أصبحتُ بلا بطن.
    أما أنت يا "عبد العاطي" فقد صرتَ نجماً على التلفزيون. و في المجتمع غدوتَ حديث الصالونات و الشوارع و الحانات.

    ما هذا يا "عبد العاطي" ؟!.. رأسك صار بحجم بطيخةٍ حلبيّةٍ بين كتفيك..أين الرقبة؟!!
    يا لرشاقتك يا "عبد العاطي".. كرشُك الدالقُ، و صوتك الناعق، وعجيزتُك الضخمة جعلوكَ تشبه برميلاً ممتلئاً بالنفط يسير على قدمين..!!

    سبحان المعطي يا "عبد العاطي".. لم تصبح أيامك بيضاء فقط بل صارت أياماً (بيّاضة)!!
    صارت تبيض أعمالاً كاملةً في مختلف فنون الإبداع. و صارت تنتج كافة المواد الإستهلاكية من المنظفات، إلى الأدوات المنزلية إلى الملابس بأنواعها، و حتى حفاضات الأطفال، و المشروبات الغازية و الروحية.

    صارت أيامك تبيض محلاتٍ تجاريةٍ، و سياراتٍ فارهة و شعبية، و عقاراتٍ و مزارع، و بيوتاً و فيلّات.. و صرتَ تسير في موكبٍ من السيارات الضخمة الفخمة المحشوة بالحرّاس الشخصيين، ترافقك في تنقّلاتك..و ترهب من ينظر إليها أو إليك..

    يا سبحان الله و يا بركات المولى العاطي يا "عبد العاطي" كم أصبحت واطي..
    صار لديك أربع زوجات و عشرات الخليلات، و أنا لم أفلح في عشق امرأة واحدة..!!
    صار ابنك صاحب شركات إنتاجٍ فني مهمتها الأساسية (ترتيب السهرات الحمراء)، و مٍن وراء الستار يدير باسمك تجارة سوداء تشمل الإتجار بالرقيق الأبيض، و الأعضاء البشرية، و المخدرات و الآثار، ناهيك عن عمليات تبييض الأموال في العقارات و المصانع و الشركات، و الاتجار بالعملة الصعبة في السوق السوداء.
    فيما بقية ذُرِّيَتك تتقاسم النهب و التعفيش في كل المدن و البلدات حتى صار عندك جيشٌ من اللصوص يا "عبد العاطي" .
    و علمتُ أنَّك، بعد الأزمة، تخطِّطُ لفتح مكاتب للحج و العمرة، مع خطةٍ لتطويب الجوامع و الأوقاف بتفويض أرضي-إلهي يشمل الجنّة و النَّار معاً.

    يا لَسِرِّك الباتع يا "عبد العاطي" ناهب الجامع، و قاتل الشاهد و السامع!!

    يا سيدي (يا من كنت صديقي السابق) يا "عبد العاطي":
    جئتك اليوم مخذولاً، أحمل ما تبقّى لي من أيام عمري القليلة، و ما اقترفتُ معك من الذكريات و الخطايا في الزمن الجميل.. راجياً منك أن تصدر أوامرك لأتباعك بأن يعيدوا لي مقعدي الذي سرقوه من الحديقة (إنجازي التاريخي الوحيد)، و أن تترك لي القليل من ضوء الشمس، و قليلاً من ظل الحائط في الصيف.. و العلم الذي أتدثر به في الحَرِّ و القَرِّ.
    و تذكَّر أنك مدين لي منذ ربع قرن حين سامحتُك بثمن آخر وجبة فولٍ - هربتَ حينها و لم تسدِّد ثمنها.
    مع ذلك، و عندما حصلت الأزمة قضيتُ وقتاً طويلاً أبحث عنك لأطمئن عليك.
    لكنّي حين التقيتُكَ عرفتُ أنَّك أنت الأزمة، و أنك لا تتورَّع عن حرق البلد من أجل جزمة.

    لذا جئتُ، حاملاً قهري، أشتكي منك إليك.

    و ختاماً: اللعنة على الأزمة.. و عليك
    يا "عبد العاطي".. كم أصبحتَ كثيراً أيها الواطي.

    عدد الزيارات
    9603128

    Please publish modules in offcanvas position.