nge.gif
    image.png

    د. عبد الله حنا: خالد بكداش ومسيرته الطويلة في الحزب الشيوعي

    شهد خالد بكداش حقبتيّْ: الزهوّ الوطني والتنوير.. و أعقبها حقبة الخنوع نتيجة بحث الصور عن خالد بكداشوالاستسلام.
    ***
    خالد بكداش
    ومسيرته الطويلة في الحزب الشيوعي
    1930 – 1995

    أولاً
    مرحلة التكوين
    ولد خالد بكداش قي دمشق عام 1912. كان والده البمباشي بكداش بك ضابطا في الجيش العثماني. وبعد انهيار الدولة العثمانية خدم في الجيش العربي زمن الملك فيصل, ثم أُحيل إلى التقاعد في أيام الانتداب.
    تلقى خالد بكداش تعليمه الابتدائي في مدرسة التطبيقات النموذجية الابتدائية وتخرج منها حاملا شهادة السرتفيكا بتفوق في حزيران 1925. وبسبب تفوقه قُبل طالبا داخليا مجانيا في مكتب عنبر, مدرسة التجهيز الوحيدة في دمشق آنذاك. فخفف بذلك عبء النفقات المدرسية, التي كانت باهظة, عن والده, الذي لم يكن ميسور الحال.
    برز خالد بكداش في مكتب عنبر طالباً مُجِداً نبيهاً متفوقاً, وتميّز بشخصية قوية وقدرة فائقة على الخطابة. صوت جهوري ونطق واضح, قامة مديدة فرعاء ووجه تشعّ منه الرجولة والذكاء, عليه نفحة من جاذبية محببة. وكان زعماء الطلاب ثلاثة: خالد بكداش, الذي أصبح شيوعيا وأكرم الحوراني, الذي أصبح بعثيا وعلي الطنطاوي الذي مثّل الاتجاه الإسلامي. وهذه هي التيارات الفكرية السياسية الثلاثة التي احتلت الساحة في منتصف القرن العشرين. فكيف تمّت هذه المصادفة؟..

    ثانياً
    الانتساب إلى الحزب الشيوعي
    بعد أن نال خالد بكداش البكالوريا انتسب إلى كلية الحقوق, ولكنه لم يستمر طويلاً و انصرف إلى السياسة. فأثناء عمل خالد بكداش مراقباً لتعبيد الطريق في منطقة عسال الورد من جبال القلمون تعرّف على ناصر الدين حدة الذي فتح الطريق أمامه للانضمام إلى الحزب الشيوعي عام 1930. ويلاحظ أن خالد بكداش وجميع النشرات الصادرة بمعرفته تُغفل دور ناصر حدة من بلدة يبرود والناشط في دمشق، وهو الذي أعطاه البيان الشيوعي مكتوبا بالفرنسية وناقشه في نصوصه. وبناء على ذلك قام بكداش بترجمة البيان الشيوعي ونشره عام 1933.
    كان انضمام خالد بكداش إلى الحزب الشيوعي نقطة تحول هامة في حياته المديدة, التي قضاها عضوا أو قائدا للحزب الشيوعي. كما أن انضمام بكداش إلى الحزب الشيوعي الوليد ونجاحه في كسب عدد من أبناء حيّه إلى صفوف الحزب, أدى إلى نوع من الحماية للحزب الوليد. تلك الحماية, التي لم يكن بإمكان ناصر حدة ابن يبرود ان يؤمنها في دمشق. و لحي الأكراد كما هو معروف, عصبية خاصة مرهوبة الجانب, تحمي من تسوّل له نفسه الاعتداء على أحد أبناء الحي.
    و قد عكست الصحف الدمشقية في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين أصداء نشاط الحزب الشيوعي و دور خالد بكداش المتميّز وبروزه شاباً شيوعياً جريئاً ودخوله السجن في عامي 1931 و1932 مرتين, ووقوفه بجرأة أمام المحاكم مفتخراً بانتمائه إلى الحزب الشيوعي, مما لفت الأنظار إليه وجعل الشيوعيين القلائل والمستضعفين, في ذلك الحين, يعقدون الآمال على هذا الشاب المثقف الجرئ والمتحدر من حيّ مرهوب الجانب. في تلك الأثناء كان أمين عام الحزب فؤاد الشمالي وهو لبناني غريب عن دمشق - إضافة إلى أنه مسيحي - لا يمكنه أن يخلق تيارا شيوعيا ذا جذور محلية "بلدية" كلمة البلدية هنا تعني الأصالة والرجولة وقوة الشكيمة والأمر نفسه يصحّ على ناصر حدة, الذي كان عربياً مسلماً ولكنه كان عازفاً عن القيادة وتنازل من تلقاء نفسه لخالد بكداش, إضافة إلى أنه غريب عن دمشق قادم من الريف من يبرود. وشاءت المصادفة أن يكون لعصبية حي الأكراد دورا إيجابيا في شدّ أزر الحزب الشيوعي المستضعف ورفده بأعداد من شباب الحي الأشداء. و قد تمّ ذلك بسب انضمام خالد بكداش للحزب الشيوعي وترؤسه فيما بعد لهذا الحزب.

    ثالثاً
    السفر إلى موسكو للدراسة
    بعد أن برز خالد بكداش شاباً شيوعياً نشيطاً ومثقفاً جريئاً قدمّ نفسه للسفر إلى موسكو للدراسة الحزبية. و في اجتماع لقيادة الحزب في بيروت برئاسة مندوب الكومنترن الجزائري محمود الأطرش طرح خالد بكداش قضية سفره إلى موسكو للدراسة الحزبية. فعارض الاقتراح الشيوعي الأرمني هيكازون بوياجيان, لأن الحزب بحاجة إلى وجود خالد بكداش في دمشق بما يملكه من مؤهلات ورصيد حصل عليه خلال سنتين. وعندما لمس الأطرش رغبة بكداش بالذهاب إلى موسكو للدراسة وافق على رغبته. وكان ذلك خسارة للحزب على المدى القصير وربح له في المستقبل كما برهنت الأيام. أحاديث خالد بكداش والوثائق الصادرة بمعرفته تتجاهل دور الشيوعيين الذين كانوا قبل انضمام بكداش إلى الحزب أو في فترة غيابه في موسكو من أوائل 1933 إلى أوائل 1937. و لا نجد مبررا لهذا التجاهل... كما أن سرد التاريخ من قبل بكداش وأنصاره يجري على نسق التعتيم على أدوار عشرات الشيوعيين, الذين ُبنِيَ الحزب على أكتافهم.
    حصل بكداش في موسكو على دبلوم في الاقتصاد السياسي من معهد بليخانوف, كما تخرّج من معهد "الأساتذة الحمر" للعلوم الاجتماعية. وهناك في موسكو حضر خالد بكداش عام 1935 المؤتمر السابع للأممية الشيوعية وانتُخِبَ في رئاسة المؤتمر, وكان اسمه الحركي رمزي. وأثناء المفاوضات بين وفد الكتلة الوطنية والحكومة الفرنسية عام 1936 قَدِمَ خالد بكداش من موسكو إلى باريس للإسهام في إيصال المفاوضات إلى النجاح, وذلك بدفع النواب الشيوعيين لتأييد استقلال سورية. ولا شك أن هذه المهمة أوجدت نوعا من الصلة بين بكداش وقادة الكتلة الوطنية..

    رابعاً
    كوادر الحزب تختار خالد بكداش أميناً عاماً سنة 1937
    عاد خالد بكداش إلى دمشق في شباط 1937. و جرى له استقبال من أعضاء الحزب الشيوعي ومؤيديه في محطة الحجاز. وسرعان ما اعتلى بكداش, عن جدارة, سدة قيادة الحزب الشيوعي. فقد عُقد اجتماع لكادر الحزب من سائر مناطق سورية ولبنان جرى فيه انتخاب اللجنة المركزية واختيار خالد بكداش أمينا عاما للحزب. فشرع بهمّة لا تلين في بناء منظمات الحزب مستفيدا من الأجواء الإيجابية وحرية عمل الشيوعيين في العهد الوطني بعد وصول الكتلة الوطنية إلى الحكم 1936 – 1939.
    ومع قصف رعود الحرب العالمية الثانية عام 1939 وسقوط باريز بيد الألمان قام حكم فيشي (الفرنسي) الموالي للهتلرية بتضيّق الخناق على الحريات وملاحقة أعضاء الحزب الشيوعي وزجّهم في السجون. وقد حكم االمجلس الحربي الفرنسي على خالد بكداش بالسجن غيابيا خمس سنوات.
    ترأس خالد بكداش أواخر 1942 أوائل 1943 في بيروت المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي في سورية ولبنان. وألقى في المؤتمر تقرير اللجنة المركزية و أهم ما فيه توضيح طبيعة الحرب العالمية الثانية و أهمية مشاركة الاتحاد السوفييتي فيها وتحويلها إلى حرب تخوضها الشعوب للخلاص من الطغيان الفاشي والاستعماري. كما دعا إلى جلاء الجيوش الاستعمارية عن أراضي سورية ولبنان في نهاية الحرب. وهذا ما تحقق مباشرة في نهاية الحرب. انتخب المؤتمر الوطني لجنة مركزية اجتمعت و انتخبت خالد بكداش أمينا عاما للحزب في سورية و فرج الله الحلو أمينا للحزب في لبنان.
    قاد خالد بكداش الحزب الشيوعي في سورية ولبنان بهمة لا تلين وطغت شخصيته القوية الكارازمية على سائر أعضاء اللجنة المركزية, وتمكّن من قيادة الحزب موحدا خلفه. ولكن الملاحقات والضربات الموجعة، التي حلّت بالحزب أيام الجمهورية العربية المتحدة ادّت إلى خُفُوت وهج الهالة المحيطة بالأمين العام. فإيجابيات هذه الشخصية الفذّة كانت تحمل في طياتها عناصر سلبية قادت إلى نوع من تركيز القيادة تركيزا شديدا في يد واحدة لا رادّ لأمرها. وزاد في تفاقم الأمور انتعاش عبادة الفرد في الحركة الشيوعية العالمية, التي كرّست هذا المنحى في الفترة الستالينية.
    وفي هذه الفترة كان بكداش هو الآمر الناهي في كل أمر من أمور الحزب وتحديد سياسته. و أصبح يُبْعِدْ أو يُقرّب كوادر الحزب من القيادة حسب قناعاته بأهلية هذا الرفيق أو ذاك. كما كان "يقظاً" لمنع ظهور منافس له في القيادة. و مذكرات الشيوعيين من جهة, و ما سمعناه من بعض من التقينا بهم من جهة ثانية, تُبيّن ذلك بوضوح. وتفسر لماذا أبعد بكداش كل مثقف يمكن أن يكون أهلا للقيادة. ومن يتعمق في تاريخ الحزب الشيوعي السوري يلاحظ أن بكداش أبعد كثيرا من المؤهلين للقيادة عن مراكز القرار أو سعى لتهميشهم, وبالتالي إنهاء دورهم. وهذا الأمر أدى إلى بقاء الحزب موحدا ملتفا حول قيادة بكداش, الذي اتخذ من لبنان وبيروت قاعدة خلفية احتياطية لنشاطات الحزب الشيوعي ولضمان سلامة كوادره. واستمرت قيادة الحزب الشيوعي موحدة تحت لواء خالد بكداش إلى أوائل ستينيات القرن العشريننتيجة بحث الصور عن الدكتور المؤرخ عبد الله حنا.
    فقد تعرّضت قيادة بكداش, في تلك الفترة, لهزة عنيفة بانفصال الحزب الشيوعي اللبناني وإعلان استقلاله الفعلي عن قيادة خالد بكداش. وفي الوقت نفسه بدأت أصوات الانتقاد لسياسة "الرفيق خالد" تتعاظم داخل الحزب الشيوعي السوري حتى بلغت أوجها في المؤتمر الثالث عام 1969. ولأسباب متنوعة داخلية وخارجية جرت في المؤتمر الثالث عملية تسوية, وأُعيد انتخاب خالد بكداش أمينا عاما وإلى جانبه في المكتب السياسي أكثرية غير راضية عن أساليب قيادة بكداش السابقة في القيادة وراغبة في التغيير.. وما لبثت بذور الخلاف بين بكداش ومنتقديه أن طفت على السطح وقادت في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته إلى الانقسامات المتتالية داخل الحزب الشيوعي.
    في الوقت الذي قاد فيه خالد بكداش الحزب بحنكة و اتبع سياسة جلبت الأنظار إليه و زادت من شعبيته سواء داخل الحزب أو في صفوف الناس العاديين, الذين كانوا ينظرون إلى هذه الشخصية, التي تقود حزبا نصف ممنوع, نظرة إعجاب و احترام. و كانت هذه الظاهرة أحد العوامل, التي أسهمت في نجاح خالد بكداش المدوّي في الانتخابات النيابية لعام 1954. وزاد من شعبية بكداش والتفاف "الرفاق" حوله وإعجاب الجماهير بشخصيته: مواقفه الرصينة وخطبه الرنانة في المجلس النيابي, ومقدرته في عقد التحالفات وتجنب الاصطدام في المنعطفات, إضافة إلى سرعة بديهته وسيره في سياسة وطنية لفتت الأنظار إليه. كما أنّ التعاطف الجماهيري مع سياسة الاتحاد السوفيتي المؤيدة للعرب أسهمت في ارتفاع شعبية بكداش المنادي منذ زمن طويل بالصداقة مع الاتحاد السوفيتي وطن الاشتراكية الأول والمناصر للشعوب. و لكن الوحدة بين مصر وسورية وسعيْ القوى المعادية والمباحث السلطانية بالتعاون مع المخابرات الأميركية قطعت الطريق على تطور سورية الديموقراطي وأجهضت اندفاعة المجتمع المدني وسير سورية في طريق التقدم والازدهار. وهذا هو السبب, الذي دفع خالد بكداش إلى عدم المشاركة في التصويت في جلسة المجلس النيابي على قيام الجمهورية العربية المتحدة محذّرا من سوء العاقبة. وهذا ما جرى فيما بعد . فالحزب الشيوعي السوري لم يكن معاديا للوحدة العربية الديموقراطية ولكنه كان مناوئا للوحدة القائمة على الهيمنة والاستبداد.
    أدت الحملة الشعواء ضد الحزب الشيوعي أيام الجمهورية العربية المتحدة بحجة أنه " حزب شعوبي " معاد للقومية العربية , وغياب خالد بكداش بعيدا عن مسرح الأحداث ومنعه من دخول سورية بصورة شرعية أيام الانفصال , إلى إضعاف مواقعه القيادية , في وقت أخذت تظهر فيه قيادات جديدة شابة ناضلت بشجاعة أيام الإرهاب المباحثي السلطاني أو صمدت في السجون . ولم يعد من الممكن قيادة الحزب بالأساليب السابقة , لا سيما وأن رياح التغيير في الاتحاد السوفيتي بدءا من المؤتمر العشرين وانتقاد السياسة الستالينية " الحديدية " التي كان خالد يكداش يسير على هداها أضعفت من مواقعه . وكانت ثالثة الأسافي إعلان الحزب الشيوعي اللبناني في مؤتمره استقلاليته الفعلية عن قيادة خالد بكداش وتوجيه سلسلة من الانتقادات للماضي , المسؤول عنه خالد بكداش حسب قولهم .

    خامساً
    محطتان حرجتان
    من المحطات الحرجة, التي واجهت قيادة "الأمين العام" خالد بكداش للحزب الشيوعي هي:
    - قرار هيئة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود, وموافقة الاتحاد السوفييتي على القرار وإعلان بكداش باسم الحزب تأييده للقرار السوفيتي من تقسيم فلسطين. هذا الموقف أدى إلى تصدّع في صفوف الحزب استطاع بكداش بما يملك من مؤهلات القيادة من رأبه. وكان الأخطر في هذا الموقف, الذي اتخذه بكداش ومن ذيوله, أن القوى المعادية للحزب الشيوعي استطاعت دون عناء تأليب الجماهير ودفعها لمهاجمة مكتب الحزب الشيوعي ونشوب معركة غير متكافئة مع ثلة من الشباب الشيوعيين, الذين دافعوا عن "شرف حزبهم" ببسالة وجرأة لا توصف, في وقت كان خالد بكداش قد غادر دمشق إلى بيروت محاولا قيادة معركة الهجوم على المكتب عن طريق الهاتف...
    ليس هدفنا هنا الدخول في تفاصيل اتخاذ ذلك القرار, وإنما نريد الإشارة إلى أن ذلك القرار وجّه ضربة أليمة للحزب الشيوعي وأفقده لسنوات عديدة القدرة على كسب أعداد غفيرة إلى صفوفه. فقد أصبح في نظر جمهور واسع مُدانا, وكأنه هو الذي قسّم فلسطين. وعملت القوى المعادية بنشاط وذكاء في إلقاء الشبهات حول وطنية الحزب الشيوعي.
    - قضية الموقف من الجمهورية العربية المتحدة: إن كنا نرى بأن قيادة خالد بكداش قد أخطأت في الموقف الذي اتخذته من قرار التقسيم, إلا أننا لا نراها مسؤولة عن الحملة الظالمة, التي شنّتها قوى المباحث السلطانية وبدعم من "الأميركان" للقضاء على الحزب الشيوعي بحجة أنه معاد للجمهورية العربية المتحدة. و نرى بأن قيادة الحزب الشيوعي سارت وفق سياسة قومية عربية ذات محتوى ديموقراطي لا يُشقّ لها غبار. وتبقى إشكالية غياب خالد بكداش عن حضور جلسة المجلس النيابي وقول كلمته في موقف الحزب الشيوعي وتأييده للوحدة الاتحادية الديموقراطية ومعارضته للوحدة الاندماجية ذات الطابع الاستبدادي. ويتبيّن من ذكريات شاهد العيان مصطفى أمين أن خالد بكداش خاف سوء العاقبة والاعتقال إذا ما القى كلمته أو حتى منعه من إتمامها فآثر السلامة ومغادرة البلاد على جناح السرعة... والواقع أن إشكالية الانسحاب أم المواجهة بحاجة إلى دراسة متأنية وانتظار ما يُكشف من وثائق أو يُكتب من مذكرات. وربما تظهر مذكرات لبكداش تلقي الأضواء على هذا الأمر.
    غياب خالد بكداش عن أرض الوطن والضربات الأليمة, التي تلقاها الحزب الشيوعي على يد المباحث السلطانية والشعور الشعبي المعادي للحزب الشيوعي بسب عدم حضور نائبه بكداش جلسة المجلس النيابي, خلق بذور الانتقاد لسياسة "الرفيق خالد"... ذلك النقد, الذي بدأ همساً ثمّ سرعان ما ظهر على السطح.

    سادساً
    تصدع الزعامة والانقسامات
    ليس هدفنا هنا تناول سياسة خالد بكداش بدقائقها, بل عرض لمحة عامة عن هذه الشخصية الهامة في إطار البحث عن صعود الحركة الشيوعية السورية وهبوطها. أما دوره في عمليتي الصعود والهبوط فهو بحاجة إلى كتاب مستقل. وسنكتفي هنا بعرض موجز لدوره في الصعود والهبوط دون أن ننسى العوامل الداخلية والخارجية في هذه العملية.
    انتسب خالد بكداش للحزب الشيوعي عام 1930 وانتُخب بالإجماع أمينا عاما للحزب في اجتماع كوادره عام 1937. كما جُدد انتخابه بالإجماع في المؤتمر الوطني (وهو ما اصطلح على تسميته بالمؤتمر الثاني (أوائل كانون الثاني 1943). وفي المؤتمر الثالث عام 1969 جرى انتخابه بالإجماع أمينا عاما. ولكن الإجماع هذه المرة كان إجماعا أعرجاً, إذ أن قوى وازنة داخل المؤتمر وفي صفوف الحزب كانت ترغب في التجديد والحد من سلطات الأمين العام وإجراء نقلة نوعية في سياسة الحزب تجاه عدد من القضايا. ولا ندري هل لمس خالد بكداش هذا التيار الجارف آنذاك, أم أنه قدّر أن باستطاعته التغلب على المنادين بالتغيير. ولم تكن الانقسامات التي جرت بصورة متتالية إلا تعبير عن الأمور التالية:
    - فوات زمن الأساليب القديمة في السياسة وظهور قوى داخل الحزب أصبحت على مستوى من النضج مما يؤهلها للوقوف في وجه السياسة القديمة التي ولّى زمانها.
    - الاستياء المتنامي من أسلوب الأمين العام في قيادة الحزب وطريقته في معاملة الكادر المحيط به من "تقريب أو إبعاد" حسب رأي الأمين العام. وهذا الاستياء خلق حقدا دفينا لدى الكوادر, التي رأت بأنها أُهينت في فترة من الفترات, وسكتت على الضيم... و بعد أن ضعُفت القيادة بدأت تلك الكوادر ترفع صوتها محتجة بأساليب مختلفة.
    - التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الجارية في سورية بعجرها وبجرها كان لها دور في هذا المجال.
    - التغيرات الجارية في الاتحاد السوفيتي وسيره في طريق الانهيار في ثمانينيات القرن العشرين ومن ثمّ انهياره السريع كان لها دور أساسي في كثرة الانقسامات وضعف مواقف خالد بكداش وفوات زمن الطروحات السابقة.
    وهكذا انفضّت الأكثرية الساحقة من قيادات الحزب الفاعلة والوازنة من حول قائدها السابق, و بعضها شرع في توجيه الهجمات للقائد المحبوب في الأيام الخوالي.
    وبسبب تلك الأجواء, وانفضاض معظم الكوادر الفاعلة والمؤثرة وذات مستوى من النضج الثقافي مما أدى إلى حدوث فراغ في القيادة وضعف الكوادر المتحلِّقة حول الأمين العام, هذا بغض النظر عن إخلاصها. كما أن الفراغ الحاصل في القيادة الضعيفة المحيطة ببكداش, وتقدم السن لدى "الأمين العام" و زحف الشيخوخة وما يرافقها من ضعف أمام "أهل البيت", مع أسباب أخرى نجهلها, انفتح باب التوريث على مصراعيه لزوجته وصال فرحة, و بالتالي لابنه عمّار...
    وهكذا أخذ ذلك النجم الساطع في منتصف القرن العشرين, مرحلة صعود الحركة الشيوعية, يفقد تدريجيا بريقه نتيجة عوامل داخلية وخارجية خارجة عن إرادته. ولكننا لا يمكن أن نغضّ الطرف عن العوامل الذاتية ومنها زحف الشيخوخة, التي أفقدت "الأمين العام" القدرة على معالجة الأمور ووصول الأوضاع إلى ما هو معروف...

    عدد الزيارات
    9570634

    Please publish modules in offcanvas position.