nge.gif
    image.png

    مروان حبش: البعث ومؤتمرات القمة العربية

    أ مروان حبشس - على إثر بدء «إسرائيل» لمشروعها بتحويل مياه نهر الأردن لري صحراء النقب، دعا الرئيس ناصر قادة العرب لعقد مؤتمر قمة. ما هو موقف حكم البعث من هذا المؤتمر الذي عرف بمؤتمر القمة العربي الأول؟.

    لمّا حان قرب موعد بدء إسرائيل بتحويل نهر الأردن في نيسان 1964، دعا الرئيس عبد الناصر في خطابه لمناسبة الاحتفال بعيد النصر بتاريخ 23/12/ 1963، إلى عقد مؤتمر قمة بتاريخ 13/1/1964.
    إن الشعب العربي، بعد سبعة عشر عاماً من تأسيس الكيان الصهيوني دولة له في فلسطين العربية، لا يجد نفسه عاجزاً عن إزالة هذا الكيان فحسب، بل، أيضاً، يجد نفسه عاجزاً عن منع هذا الكيان من التوسع.

    إن الموقف العربي، كان ما يزال موقفاً تراجعياً أمام الكيان الصهيوني، وإن هذا الموقف التراجعي ما يزال رهناً بإنهاء التناحر والاقتتال بين الأنظمة والقوى التقدمية العربية وباتحادها لتستطيع القيام بدور إيجابي في تحرير العرب وتحررهم، والانتصار في المعركة القومية في فلسطين. إن هذا الاقتتال والتناحر بين القوى والأنظمة التقدمية العربية هو الذي فرض منطق مؤتمرات القمة، وإن فشل هذه المؤتمرات جاء نتيجة لاستمرار هذا التناحر أيضاً.

    إن ما يزيد من مرارة هزيمة 1948، إحساس الشعب العربي بأن قضية فلسطين لم تحقق أي تقدم. حتى بعد قيام أنظمة حكم عربية تقدمية - وكانت كارثة فلسطين، أحد أسباب وجود بعض هذه الأنظمة - لم تستطع أن تواجه التحديات المطروحة، ولا أن تحقق الحد الأدنى المطلوب في هذه القضية، ولا أن تمنع الصهاينة من التوسع وسرقة المياه العربية.

    إن حزب البعث يرى أن وحدة الصف العربي، التي هي هدف مؤتمر القمة، يجب أن تأتي عبر وحدة الهدف، أي أن القوى والأنظمة العربية التقدمية، هي التي يجب أن تفرض منطقها في مؤتمر القمة، ولو كان الأمر كذلك، لما كان على سياسة مؤتمرات القمة من غبار، لكن الذي يحدث هو العكس، أي أن وحدة الصف، تجيء على حساب وحدة الهدف.

    كان الحزب يرى أن الدعوة إلى مؤتمر القمة جاءت نتيجة لعدد من العوامل أهمها:

    أ _ سقوط ميثاق 17 نيسان 1963، الذي أُعلن فيه قيام وحدة ثلاثية بين مصر وسورية والعراق.
    ب _ الاقتتال والتناحر بين القاهرة ـ دمشق ـ بغداد، والقوى المؤيدة لهم في بقية أقطار الوطن العربي، مما شل قدرة هذه العواصم على التحرك.

    ج ـ لم تأتِ الدعوة انطلاقاً من إستراتيجية محددة مسبقاً، بل على العكس جاءت نتيجة انعدام مثل هذه الإستراتيجية.

    د _ اقتراب بدء الكيان الصهيوني بتحويل مجرى نهر الأردن.

    رغم كل هذه الملاحظات، قررت قيادة الحزب والحكم في سورية حضور هذا المؤتمر، الذي تم عقده في القاهرة في الفترة ما بين 13-17 كانون الثاني 1964، ولقد تقرر في هذا المؤتمر:

    أ_ تشكيل قيادة عسكرية عربية موحدة.

    ب ـ إنشاء منظمة تحرير فلسطينية.

    ج ـ تحويل روافد نهر الأردن (نهري: بانياس في سورية والحاصباني في لبنان).

    أدرك الكيان الصهيوني أن قراري تشكيل قيادة عربية موحدة وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، هما في الحقيقة مجرد بدائل لضمان عدم تنفيذ التهديد بالحرب من قبل الدول العربية، هذه الدول التي كانت قبل بضع سنوات قد حذّرت بأنها «ستعتبر تشغيل مشروع المياه الإسرائيلي حجة لشن الحرب على إسرائيل»، حسبما ورد في كتاب المحادثات السرية بين الملك حسين وإسرائيل من عام 1963 حتى 1993، لـ(موشيه زاك).

    كان الحزب قد توصل بعد تحليل الوقائع، إلى أن مؤتمر القمة سينتهي بشكل مخيب ومحبط لآمال الجماهير العربية، لأن المنطق الذي سيّر هذا المؤتمر كان في القطب المعاكس لآمالها. وكما هو معروف أن بعض الحكومات العربية، لم تقبل الاشتراك في المؤتمر إلا على أساس الاعتراف بكياناتها القطرية وأوضاعها الخاصة، واعتبار أن قضية فلسطين لا تُلزم جميع الأقطار العربية بدرجة واحدة.

    كما أن الحزب كان يرى أن مشكلات التحرير والتحرر في الوطن العربي لا يمكن حلها إلا في إطار قضية الثورة العربية ككل.

    س - هل حدث خلاف بين البعث وعبد الناصر حول مقررات مؤتمر القمة الأول؟

    إن البعث يشارك في كل عمل عربي مشترك إذا كان جاداً وينصبُّ في خدمة القضايا العربية، ولذلك، ورغم إيمانه بعدم جدوى مؤتمر القمة، فقد وافق حكم الحزب في سورية على مقرراته، وساهم في القيادة العسكرية العربية الموحدة التي ترأسها الفريق علي علي عامر، ولم يختلف البعث، حكمًا وحزبًا، مع الرئيس عبد الناصر بشأن تشكيل مثل هذه القيادة، طالما أن من مهامها العمل على وضع خطط عسكرية هدفها البدء بتحقيق ما تصبو إليه الجماهير العربية وهو تحرير فلسطين، كغاية نهائية.

    وكمثال عن عدم جدوى ما يصدر عن مؤتمر القمة من قرارات، نأخذ موقف الملك حسين الذي كان مشحوناً بالشكوك إزاء جدوى تشكيل مثل هذه القيادة، لكنه مع ذلك سار مع موجة التضامن التي شملت جميع الحكام العرب، مع الفارق الواضح بين موقف البعث الذي يريد من هذه القيادة اتخاذ خطوات جدية للتحرير ومنع تحويل المياه، وبين موقف الملك حسين الذي لا يريد وجود جيش عربي فوق أرض الأردن إرضاء للولايات المتحدة وإسرائيل، وكما أنه لم يكن راضياً، ولا راغباً في الالتزام بقرار القيادة العربية الموحدة بمضاعفة حجم جيشه.

    س - ما أسباب مقاطعة سورية لمؤتمر القمة الذي انعقد في الخرطوم في شهر آب 1967؟

    كان الحزب يرى أن صيغة مؤتمرات القمة ما هي إلا تمييع للقضية الفلسطينية ووسيلة لإجهاض الأسلوب النضالي في معالجة القضية الفلسطينية وسياج يحمي الرجعية العربية التي تقف في صف معاد لمصالح الشعب العربي، كما أنها تضليل له وامتصاص لنقمته، كما أن ميثاق التضامن العربي الذي أقره مؤتمر قمة الدار البيضاء عام 1965 كرس هذا الواقع وتحول إلى أسلوب هجومي ضد القوى والأنظمة التقدمية.

    من هذه الحقائق التي كوَّنها الحزب عن مؤتمرات القمة، كان يرفض المشاركة فيها، من حيث المبدأ، ولم يكن مؤتمر قمة الخرطوم، رغم أن الدعوة إليه جاءت بعد حرب حزيران 1967، إلا استمراراً للمؤتمرات التي سبقته.

    كانت قيادة الحزب، ترى ضرورة أن تبرهن جميع الدول العربية على جديتها في اتخاذ مواقف لصالح شعوبها، وذلك يكون باتخاذ المواقف الواجبة تجاه الدول التي ساندت العدوان ودفعت إليه، ويجب أن يتم ذلك قبل عقد أي مؤتمر قمة.

    ورغم ذلك شاركت سورية في اجتماع وزراء الخارجية، وتقدم وزير الخارجية السوري بمذكرة إلى مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي انعقد في الخرطوم في شهر آب (أغسطس) 1967 ليمهد لاجتماع القمة، وتضمنت المذكرة الاقتراحات التالية:

    على الدول العربية:

    - أن تنشئ صندوقا مشتركاً لتمويل المجهود العسكري اللازم لإزالة آثار العدوان.

    - أن تزيل جميع القواعد العسكرية الأجنبية الموجودة على أراضيها.

    - أن تتخذ موقفاً موحداً من القضية الفلسطينية المقدسة.

    - أن تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الدول التي أسهمت في العدوان وناصرته بأي شكل من الأشكال.

    - أن تتوقف الدول المنتجة للبترول عن تصدير هذه المادة إليها، وتقطع علاقاتها الاقتصادية معها، وتسحب ودائعها المالية منها.

    وأكدت المذكرة السورية، أيضاً، على بذل الجهود لحل القضية اليمنية بما يكفل للشعب اليمني بناء دولته الحديثة وممارسة حياته الطبيعية في إطار النظام الجمهوري.

    كما أكد وفد سورية، أن عقد مؤتمر عربي على مستوى القمة لوضع المخططات العربية الشاملة من أجل المستقبل مرهون بمدى ما سيتضح في اجتماع وزراء الخارجية، هذا، من استعداد الدول العربية لصب طاقاتها في المعركة دون قيد أو شرط.

    كان الحزب يرى أن التضامن العربي ليس السكوت الإعلامي لتغطية الحقائق عن الجماهير العربية وإضعاف مناعتها الثورية، ولكن التضامن يكون بالالتزام الفعلي بمتطلبات النضال العربي واسترجاع الحق العربي في فلسطين، وألا يستغل شعار التضامن العربي لضرب القوى العربية التقدمية.
    وكان الحزب يرى، أيضاً، ضرورة خروج العرب من العمل التقليدي إزاء تحرير فلسطين، وألا تكون سياسة مؤتمرات القمة عامل تضليل يستعاض به عن الأسلوب الثوري الصحيح الذي اتبعته الشعوب لتحرير أوطانها، وألا يكون هدف مؤتمرات القمة تقديم حفنة من المال لإسكات الأنظمة المسؤولة عن خوض معركة التحرير.

    من كتاب (مروان حبش في قضايا وآراء)

    عدد الزيارات
    9596819

    Please publish modules in offcanvas position.