image.png

د. عماد فوزي شعيبي: مغالطة الغائيّة المُضمرة

أ عماد فوزي شعيبيعندما تأتيك بعض من أحلامك متأخرةً جداً تبحث عن مبرّرات لتأخرها: فتقول ربما لأنني لم أكن بالنضج الكافي آنذاك، وربما لأن الخير كان في ألّا تكون آنذاك وربما (لحكمة) لا أعرفها.... وتبقى تستجدي التبريرات التي تنطبق على (إذا لم تأتك أبداً).
والواقع أنك تمارس مغالطة تُدعى مغالطة الغائية المُضمرة التي يُمارس العقل البشري فيها دور المُبرر لحدوث أو عدم حدوث (حدث ما) بافتراض وجود غايةٍ إيجابيّة مُضمرة من الطبيعة له حتى لاتحدث. وبهذا فهو يستجدي التبرير برسم غائية إيجابيّة مُضمرة تقف وراء الأمر فيرضي نفسه ويعزّيها.
والواقع أن العقل السببي لدى الإنسان لا يستطيع أن يفهم عبثيّة الوجود ولا سببيّته بآنٍ، فيخترع لها غايةً مُضمرة تحلّ بدلاً من الأسباب غير المُبرّرة.
والواقع أن لا غائيّة ولا سببيّة في المستوى الميكرو في الوجود (الدقيق) حيث تحلّ كما تؤكد الفيزياء الكوانتيّة باعتبار أن الوجود عماه Chaos (فوضى غير قابلة للتنظيم)، وأن التنظيم الذي نراه فيها بما فيه السببيات والغائيات... هي من صُنع العقل؛ حيث كان السجال بين آينشتين وبور مثالاً على ذلك: حينما رفض آينشتين أن يكون العالم عماهيّاً إلى هذا الحدّ متذرعاً (بالسببيّة) التي ردّها إلى أن الله لا يلعب النرد أي لايتعامل بلا سبييّة وتنظيم؛ فأجابه بور: "كفَّ عن تعليم الله ماينبغي عليه أن يفعل"؛ فلعلّ الله يريده عالماً بلا تنظيم ولكن عقلنا هو الذي يريده منظماً فيسقط على الوجود السببيات ويُلحقها بالغائيات. والحقيقة الصارخة في حياتنا بكلمة هي: إن كل ما نفكر فيه هو إنسانيّ وليس إلهيّاً، فكما يقول كانط: لوكان لي عقل نخلة لفكرتُ نخليّاً ولو كان لي عقل ضفدعة لفكرتُ ضفدعيّاً. وكما يقول هيغل: كل ما هو عقليّ واقعيّ.
نعم تفكيرنا بشريّ ونحن لا نكتشف قواعد وقوانين الوجود، بل قواعدنا وقوانيننا في الوجود. وليست الغائية المُضمرة إلّا من صنع عقلنا حتى يستقيم الوجود في حياتنا كوجود... معقول.

عدد الزيارات
9623976

Please publish modules in offcanvas position.