12.png

د. عبد الله حنا: الحزب العربي الاشتراكي المناهض للإقطاعية ومؤسسه أكرم الحوراني

أ أكرم الحورانيالحزب العربي الاشتراكي المؤسس عام 1951 هو وريث الحركة الوطنية الشعبية للفئات المتوسطة في مدينة حماة, التي تعود بجذورها إلى أعلام وطنيين معادين للإقطاعية أو على الأقل غير مناصرين لهيمنتها. وقد انطلقت حركة الشباب بزعامة أكرم الحوراني للعمل بين الفلاحين وكسبهم للنضال ضد الإقطاعية ومعقلِها مدينة حماة.
وقد رأينا أن حركة الشباب الحموية بدأت تتطلع إلى تزعم الموجة الفلاحية العفوية الصاعدة, بعد أن أحست بها, دون أن يكون هناك تحضير فكري مسبق, أو على الأقل تهيئة فكرية تواكب الحركة الفلاحية النامية. وجاء الحزب العربي الاشتراكي ليرث حركة الشباب ويشدد النكير في مقاومة الإقطاعية في عقر دارها حماة.
منيب اليوسفي نائب معرة النعمان لعام 1954 ومن مؤسسي الحزب العربي الاشتراكي, ذكر للمؤلف:
" إن الحزب العربي الاشتراكي لم يفتّش عن أعضاء بل وجد مئات الفلاحين المستعدين للدخول في الحزب". أي أن العفوية الفلاحية والشعور الطبقي الفلاحي المعادي للإقطاعية هو الذي حدد الطابع العام للمجموعة دون أن يكون ثمة توافق بين النظرية والتطبيق, إذ أن التطبيق سبق النظرية. ولهذا استغلّ الإقطاعيون في حماة هذه الظاهرة وهاجموا الحوراني في بيان صدر عام 1951 تحت عنوان: "الماركسي المزيّف أكرم الحوراني" مركز الوثائق التاريخية بدمشق، اضبارة رقم 239. وبالمقابل تصف بعض الدراسات الحديثة حركة الحوراني بالشعبوية كما ذكرنا
عندما اندلعت المعركة الانتخابية في خريف 1949 كان الصراع بين كبار الملاك من جهة والحركة المناهضة للإقطاعية من جهة أخرى واضحاً وعنيفاً ومتميّزاً في حماة عنه في بقية المحافظات. القائمة المناهضة للإقطاعية, التي اتخذت من "مكتب الشباب" مركزاً لها, تألفت من: أكرم الحوراني, محمد السراج, خليل الكلاس ودرويش العلواني. وخلال جولاتها الانتخابية كانت القائمة تُستقبل من معظم القرى استقبالاً حاراً تُلقى فيه الخطابات, التي تناولت المواضيع التالية:
- نقد استغلال كبار الملاّك لمشاريع الري وحرمان صغار الملاّك منها. وهذا يعني أن الحركة المناهضة للإقطاعية (بزعامة أكرم الحوراني) سعت لكسب أكبر عدد من صغار الملاّك إلى جانبها. ولهذا الأمر أهمية في معرفة طبيعة هذه الحركة، التي لم تستند على قاع المجتمع والطبقة الوسطى في المدينة والفلاحين بمختلف فئاتهم فحسب, بل سعت لشق جبهة الإقطاعيين بكسب جزء من صغارهم إلى جانبها.
- الإسهاب في شرح مشكلة الأرض وهموم الفلاح الصغير.
  -" ليست الإقطاعية من الدين بشيء, ومع هذا فهم يتبجحون باسمه وهو منهم بريء". "إن حركتنا الشعبية لا تستهدف القضاء على الإقطاعية والقبلية والعشائرية وإنما تستهدف أيضا القضاء على الطائفية". "إننا اليوم في معركة بين التقدمية والرجعية". "إننا مؤمنون, ولكننا لا نتعصب, لأن التعصب ليس من الدين في شيء.. فالدين الإسلامي وكل الأديان بنيت على التسامح ".
ولكن النجاح لم يحالف في انتخابات المجلس النيابي عام 1949 إلا أكرم الحوراني ونجح إلى جانبه كبار الإقطاعيين من أمثال حسني البرازي وعبد الرحمن العظم وفريد مرهج إضافةً إلى المستقل رئيف الملقي. ودلّ ذلك أن الفلاح لم يكن بإمكانه أن يمارس حقه الانتخابي بحرية من جهة, ولم يكن قد بلغ درجة عالية من الوعي, كما جرى في انتخابات 1954 حين فازت في حماة قائمة أكرم الحوراني بأكملها، بفضل التأييد المطلق للفلاحين لقائمة الحوراني.
نال الحزب العربي الاشتراكي الترخيص بالعمل كحزب سياسي في 4/1/1950 وعقد مؤتمره العام في آذار 1951 لوضع دستور الحزب ونظامه الداخلي. ونذكر بعض مواد ذلك الدستور وهي:
- الحزب العربي الاشتراكي حزب قومي, انقلابي اشتراكي, ديموقراطي.
- وسائل الإنتاج ملك الأمة.
- العامل والفلاح هما الركن الأساسي في كيان الأمة.
- تصنّع الدولة الزراعة وتحدد ملكية الأراضي كخطوة أولى في سبيل إنشاء اشتراكية صحيحة.
- توزّع أملاك الدولة على المواطنين القادرين على استغلال الأراضي بأنفسهم.
- تُعنى الدولة بإنشاء تعاونيات بين الفلاحين لاستثمار الأراضي استثماراً مشتركاً على طرق فنية, ويدير هذه التعاونيات الفلاحون أنفسهم.
هذه المبادئ المستمدّة في قسم منها من الماركسية وشعارات الأحزاب الشيوعية, صاغها مفوض الثقافة في الحزب العربي الاشتراكي انطون مقدسي أستاذ الفلسفة وخريج فرنسا والقريب في أواخر الأربعينيات من الحزب الشيوعي السوري. كما يلاحظ أن العربي الاشتراكي لم يضع في سياسته الآنية توزيع أراضي الإقطاعيين على الفلاحين.
دخل الحزب العربي الاشتراكي منافسا للحزب الشيوعي, الذي لم ينظر بعين الرضا إلى هذا المنافس الجديد. ولهذا كتبت "نضال الشعب", الجريدة السرية للحزب الشيوعي: "..يصرف الحزب العربي الاشتراكي أنظار الفلاحين عن النضال لأخذ أراضي الإقطاعيين بدعوتهم إلى المطالبة بتوزيع أراضي أملاك الدولة عليهم". فردت صحيفة "الاشتراكية", صحيفة العربي الاشتراكي في 22/3/1951: "يعتقد الشيوعيون في جريدتهم نضال الشعب أن الدعوة لتحديد الملكية وتوزيع أملاك الدولة وقانون حماية الفلاح وفرض الضرائب التصاعدية وغير ذلك تضليل وتمويه... لأنها تعرقل الثورة الشيوعية".
***
نظم الحزب العربي الاشتراكي بتاريخ 15/9/1951 مهرجانا جماهيريا فلاحيا حاشدا في مدينة حلب معقل الحزبين (الإقطاعيين - البرجوازيين) الشعب والوطني, حيث كانت قوة الحزب العربي الاشتراكي في المدينة ضعيفة جداً. ولهذا كان الحوراني - كما ذكر للمؤلف عبد الحليم قدور أحد مؤسسي الحزب ومنظمي المهرجان – متردداً في عقد المهرجان في حلب خوفاً من العواقب. ولكن إصرار وحماس مؤسس الحزب العربي الاشتراكي في حلب المحامي عبد الفتاح زلط رجّح الكفة لصالح عقد المهرجان في حلب, آخذين بعين الاعتبار مساندة الجيش للحزب العربي الاشتراكي. ويذكر قدور أن حلب أغلقت أسواقها وكانت شوارع المدينة خالية, وهكذا حاربت المدينة المؤيدة للحزبين الوطني والشعب المهرجان بطريقة سلبية.
ويمكن القول أن الفلاحين "احتلوا" مدينة حلب سلميا من بعد ظهر يوم التاسع من أيلول 1951 وحتى نهاية الهزيع الأول من ليل ذلك اليوم. وكان لهذا "الاحتلال" مغزاه العميق كمؤشر على صعود الحركة الفلاحية واحتلالها مكاناً مرموقاً في حياة البلاد السياسية. فالحزب العربي الاشتراكي أتى بوفود الفلاحين من مختلف أنحاء سورية وبخاصة من ريف حماة. أحد مواكب السيارات المؤلف من أكثر من مائة وخمسين سيارة ركوب كبيرة وصغيرة دخل المدينة بالأهازيج والهتافات وفي مقدمة كل سيارة كبيرة لوحة كتب عليها:
" العامل والفلاح هما الركن الأساسي في كيان الأمة".. "لا طبقية في نظامنا الاشتراكي العتيد".. "لا طائفية, لا مذهبية, لا عنصرية".. "الشعب مصدر كل قوة, وصاحب كل سلطة"... إلخ.
ولم تكن كلمات الخطباء والبيان الملقى يختلفان عمّا ذكرناه قبل قليل. وشعار "لا طبقية" يعني هنا إلغاء طبقة الإقطاعيين من المجتمع. وهذا ما عناه عبد الفتاح زلط عندما هاجم في كلمته كلاً من "الطبقية والطائفية" مناديا بإزالتهما. وسار على منواله معتمد الحزب في حماة المحامي محمد عطورة مهاجما "طبقة الإقطاعيين والرأسماليين" ومشيدا "بالاشتراكية". والهجوم على الإقطاعية والإلحاح في الدعوة إلى الاشتراكية كان المسار المميَّز للحزب العربي الإشتراكي. وعندما اندمج هذا الحزب مع حزب البعث العربي في نهاية عام 1952 تعددت وجهات النظر واختلفت في حزب البعث الموحّد. فجماعة الحوراني كانت أكثر ميلاً إلى الحديث عن الاشتراكية والاتجاه نحو اليسار, في حين أن جناح ميشيل عفلق كان مهتما بالقضايا القومية والإيديولوجية مع ميول يمينية".
ولادة الحزب العربي الاشتراكي في أحضان الحركة الشعبية في مدينة حماة, التي كانت في أربعينيات القرن العشرين على يد رجال دين متنورين من أمثال الشيخ أحمد الصابوني والشيخ عبد القادر عدي والشيخ سعيد الجابي. والأخير حارب كما ذكر أكرم الحوراني في مذكراته "الأفكار الدينية الخرافية". وهذه الحركة الشعبية الموجهة من رجال دين متنورين أعطت زخماً جماهيريا للحزب العربي الاشتراكي .
وقصارى القول أدى تحالف المدينة (حماة) بفئاتها الشعبية والبرجوازية مع الريف الفلاحي العلوي السني الخاضع للعلاقات الإقطاعية (نظام المحاصصة وما يتبعها) إلى إعطاء زخم هائل للحركة الفلاحية في أواسط سورية التي قادها الحزب العربي الاشتراكي وزعيمه أكرم الحوراني.

November 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
9047119

Please publish modules in offcanvas position.