12.png

د. عبد الله حنا: حركة الشباب الحموية في مواجهة سيطرة الأعيان الإقطاعيين

نتيجة بحث الصور عن الدكتور المؤرخ عبد الله حناتعود جذور حركة الشباب الحموية إلى العقد الثاني من القرن العشرين. فقد عمل الاستاذ علي الأرمنازي ضد الإقطاع. وبعده جاء الدكتور صالح قنباز، الذي سقط شهيداً برصاص جنود الاستعمار الفرنسي أثناء قيامه بواجبه الإنساني والوطني في معالجة الجرحى أيام الثورة السورية 1926. وهو من مواليد حماه عام 1887 من والدين فقيرين, ولكنه تمكن من نيل الإجازة من المعهد الطبي بدمشق عام 1910. زار قنباز استنبول بقصد الاستمرار في دراسة الطب عام 1909 في مرحلة نهوض الحركة العربية بين الطلاب العرب في عاصمة الدولة العثمانية، وتوطدت صداقاته مع زعماء الحركة العربية وفي مقدمتهم عبد الكريم الخليل. ولهذا نجد إسم صالح قنباز في طليعة الشباب المثقف في حماه، الذين أيدوا المؤتمر العربي الأول المنعقد في باريس عام 1913 في رسالة من حماه مؤرخة في 16 أيار 1913.
جاء في الرسالة: "...إن الاختلاف بين البشر لا بدّ منه ليكون باعثاً على التسابق في مضمار الحياة.... ورأينا أن إحياء روح المعارضة الطاهرة الخالصة من شوائب الاستعمار والتدخل الأجنبي...". ومن الموقعين على الرسالة علي الأرمنازي الأب الروحي للحركة الوطنية في حماه. ويُظنّ أنه منشئ الرسالة.
ومن أولى نشاطات صالح قنبازالوطنية الفكرية تأسيس النادي العربي في حماه وهو فرع للنادي العربي في دمشق. وقد لعب هذا النادي دوراً في تأجيج المقاومة الفكرية ضد الاستعمار الفرنسي أيام حكومة فيصل (1918-1920). كما كان قنباز في عداد مؤسسي مدرسة دار العلم والتربية في حماه، التي كانت مركزاً للحركة التربوية في المدينة. وكان له اليد الطولى في بث الروح الوطنية وحب القومية العربية.
وبعد الدكتور صالح قنباز برز الدكتور توفيق الشيشكلي، الذي قاد الكتلة الوطنية في حماة. ولم يكن على وفاق تام مع العائلات الإقطاعية في حماة. وكانت له مواقف وطنية مشهودة كما دافع بجرأة في برلمان 1933 عن الطبقات الفقيرة.
لقد حمل المثقفون أبناء العوائل الإقطاعية المالكة لمساحات ليست واسعة جدا في مدينة حماة لواء النضال المناهض للإقطاعية و احتجاجاً على عائلات الوجاهة من آل العظم والبرازي والكيلاني. تجلّت هذه الظاهرة بوضوح في معارك الانتخابات النيابية في كانون الأول 1931 وفي أوائل عام 1932 واتخذت طابعين بارزين:
الطابع الأول طابع (محتوى) وطني معادٍ للإمبريالية، إذ أن المعركة دارت بوجه عام بين المناهضين للإمبريالية ولسياسة الانتداب من جهة، وبين أنصار الانتداب من جهة ثانية.
والطابع الثاني كان ذا محتوى اجتماعي طبقي، تمثل في الصراع بين الإقطاعية والقسم الأكبر من ملاك الأرض من جهة وبين البرجوازية الوطنية التجارية والصناعية والبورجوازية الصغيرة من جهة ثانية. وقد دعمت جماهير المدن بقوة وحزم الجبهة الوطنية (الكتلة الوطنية) وحملت ممثليها في كل من دمشق وحمص وحماه إلى البرلمان.
تجلت المعركة الطبقية بأجلى معانيها خلال الانتخابات في حماه، حيث استطاعت العائلات الصغيرة والفقيرة والبورجوازية في المدينة، التي تزعمها الطبيب توفيق الشيشكلي، من قادة الكتلة الوطنية، إن تجند جماهير المدينة حولها في الكفاح ضد العائلات الإقطاعية الأرستقراطية (آل العظم، الكيلاني، البرازي). وقد تردد أثناء "العراضات" ومهرجانات التأييد لقائمة الكتلة الوطنية شعار:
هات المجرفة والكريك لَنْقشْ الآغا والبيك
وقد أسفرت نتيجة الانتخابات في حماه عن فوز قائمة الكتلة الوطنية بزعامة توفيق الشيشكلي، الذي كانت له مواقف وطنية واجتماعية مشهودة في البرلمان في الدفاع عن حقوق العمال والطبقات الفقيرة. وهذا ما دفع صاحب كتاب "أعلام العرب في السياسة والأدب" المطبوع عام 1936 إلى نقل أقوال الناس في الشيشكلي بأنه "قضى على عهد الإقطاعية في حماه ومحا نفوذ الزعماء المستبدين بها".
ولد توفيق الشيشكلي عام 1884 في حماه ودرس فيها. وفي عام 1908 انتسب إلى المكتب الطبي في استنبول، ثم انتقل إلى معهد الطب العربي بدمشق وتخرج منه عام 1911، نشط في أوساط الحركة العربية وانضم إلى حزب اللامركزية. أيّد جمعية الاتحاد والترقي في أول عهدها ثم خرج عليها وخطب ضدها في مدينة حماه. أيام الحرب العالمية الأولى "حرسته" –حسب تعبير فائز سلامة- "العناية الإلهية من مشانق الأتراك". علماً أن صديقه علي الأرمنازي كان في عداد الشهداء العرب.
وبعد نجاحه في الانتخابات النيابية كانت له مواقف جريئة نسبياً ضد الاستعمار الفرنسي في المجلس النيابي في الثلاثينات. ومع اضطراب الوضع السياسي في عام 1939 وهجوم القوى الاستعمارية الفرنسية المغرقة في الرجعية على حكومة الكتلة الوطنية وكل شيء يمت إلى معاداة الاستعمار بصلة، دبّ الخلاف داخل الكتلة الوطنية في حماة وانفصلت مجموعة من الشباب المثقف بقيادة مدرس التاريخ عثمان الحوراني وألّفت في أواخر شباط 1939 حزباً باسم "الشباب الحموي" أو "الشباب الوطني", الذي اتخذ "النادي العربي" مركزاً له.. وإضافة إلى النادي العربي اتخذ "حزب الشباب" من مكتب المحاميين أكرم الحوراني وبدر الدين علوش مركزا لنشاطه.
ومع تراجع شعبية الكتلة كانت المجموعة الشبابية تحتل مواقع من الساحة السياسية الحموية. وهذا ما مكّنها في عام 1943 من عقد مؤتمراً في حماة برئاسة عثمان الحوراني ضم حوالي 50 عضواً معظمهم من المثقفين والطلاب وبينهم بعض العمال وصغار الكسبة، وأطلق المؤتمرون على أنفسهم اسم "حزب الشباب".
إلى جانب عثمان الحوراني أخذ في الصعود نجم تلميذه وقريبه أكرم الحوراني, الذي ترك بصمات واضحة المعالم في السياسة السورية في منتصف القرن العشرين.

November 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
9046894

Please publish modules in offcanvas position.