nge.gif
    image.png

    يحيى زيدو: (سيدات القمر).. الكتابة من أجل الترجمة

    أعلنت لجنة جائزة (مان بوكر-MAN BOOKER ) العالمية فوز الكاتبة العمانية (جوخة الحارثي) بجائزة أفضل رواية مترجمة إلى الانكليزية هذا العام عن روايتها(سيدات القمر)، التي مضت تسع سنوات على صدورها عن (دار الآداب) اللبنانية، و قد سبق أن حصلت كاتبتها على جائزة السلطان قابوس للثقافة و الآداب عن الرواية نفسها.
    لم تكن (جوخة الحارثي) أول روائية عربية تصل إلى القوائم القصيرة لجائزة(مان بوكر) العالمية، فقد سبقتهاإلى ذلك رواية (فرنكشتاين في بغداد) للكاتب العراقي(أحمد السعداوي) ، والمجموعة القصصية (نكات للمسلحين) للقاص الفلسطيني (مازن معروف).
    تدور أحداث رواية (سيدات القمر) في قرية (العوافي) العُمانية، لترصد الكاتبة التحولات التي طرأت على شخصية الفرد العماني خلال مئة عام و نيِّف، بتأثير التطورات السياسية و الاقتصادية-الاجتماعية التي حصلت في عُمان منذ نهايات القرن التاسع عشر حتى نهاية القرن العشرين، من خلال عدد من الشخصيات النسائية (ميا، خولة، أسماء، لندن، نجية القمر، ظريفة العبدة) و غيرهن، و شخصيات ذكورية ( عبدالله، التاجر سليمان، ناصر، خالد، سنجر العبد الساعي إلى الحرية) و شخصيات أخرى تتفاوت مساحة حضورها في الرواية.
    تبدو الرواية و كأنها مجموعة من القصص القصيرة متفاوتة الطول؛ بعضها يتألف من عشر صفحات و بعضها لا يزيد عن صفحة واحدة، تم تشبيكها ببعضها بخيوط غير متجانسة لا يجمع بينها سوى المكان (العوافي)، و لعل مشهد الخياطة ( ميا) الذي افتُتِحَت به الرواية هو الأكثر كثافة في التعبير عما أرادت الكاتبة أن تقوم به من سرد لتلك القصص المشبوكة المتصلة بضمير الغائب في معظم الأحيان، و بضمير المتكلم وهو يتحدث عن ذاته أو عن غائبين في أحيان أخرى، فيتوتر الزمن السردي حتى يرهق القارئ وهو يتتبع تشابك اللحظات الزمانية الثلاثة ( الماضي و الحاضر و المستقبل) في المشهد الواحد، و في المشاهد المتعددة بين القرية(العوافي) و المدينة(مسقط) و الدولة (عُمان) في بيئة صحراوية لا تسيجها حدود، مما أتاح للكاتبة الوصول إلى أماكن و مدن غربية (انكلترا، ألمانيا، كندا، لندن، فرانكفورت)، حيث تتنوع وسيلة النقل من الحيوانات إلى السيارات و الطائرات في رمزيةٍ يراد منها إظهار درجة التطور الحضاري مع اتساع الزمن الذي تجري فيه أحداث الرواية.
    لقد أجادت الكاتبة في وصف الجانب السكوني لشخصياتها و العوالم المتصلة بها، فبدت و كأنها تصف لوحة فنية معلقة على جدار تحتشد فيها طقوس الولادة، و الزواج، و الولائم، و أنواع الطعام، و أشكال اللباس للنساء و للرجال، وتجارة التمور, و صيد اللؤلؤ، و تجارة الأسلحة و الممنوعات، وتجارة العبيد، و عملت على تشبيك ذلك كله بمصائر الشخصيات الذكورية و الأنثوية بحيث تبدو قرية (العوافي) و كأنها (عُمان) كلها.
    لكن الكاتبة أخفقت في وصف الجانب الحركي أو التفاعلي في هذه اللوحة، و في إظهار العلاقات البينية بين هذه الشخصيات و العوالم، و بين الحراك المرتبط بالتحولات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية السائدة في تلك البيئة الصحراوية التي ستنتقل من سلطة الاحتلال العثماني إلى سلطة الإمامة القبلية، و من دون أية إشارة إلى وضع السلطة السلطانية الحالية في عمان. و قد استعاضت الكاتبة عن ذلك بالحديث عن الرفاهية التي طرأت على حياة التجار و رجال الدين و شيوخ القبائل، و استدعت الموروث الشعبي من الأقوال و الأمثال الشعبية لتقول ما تريد أن تقوله في هذا الإطار.
    و على الرغم من كثرة الشخصيات النسائية في الرواية فإن الكاتبة لم تقترب من العوالم الحميمة للنساء،و بقيت في إطار الوصف النسوي الخارجي السكوني من دون التجرؤ على الاقتراب من المحرم الجنسي أو الديني أو السياسي. وهكذا بقيت شخصية (نجية القمر)،التي من المفترض أن تكون العلامة الفارقة في الرواية، مجرد أداة لاستعراض سطوة الجسد الذكوري، المهيمن معرفياً و عملياً، على الجسد المؤنث و الغواية المرتبطة به. و الأمر نفسه ينطبق على النساء الأربعة (ميا، خولة، أسماء، لندن) اللواتي تم تنميطهن ليكنَّ رموزاً لتحولات الشخصية العمانية، لتكون (ظريفة) الجارية ابنة (عنكبوتة) العبدة ،هي الأكثر قدرة على التعبير عن ذاتها في الشروط الاجتماعية و الاقتصادية التي انوجدت فيها، و يكون ابنها(سنجر) هو الشخص الذي يمثل النزوع الساذج للحرية في مقابل استسلام الآخرين لقوانين السلطة الذكورية القائمة.
    لقد حفلت الرواية بالكثير من العوالم الغرائبية(Exoticism) و العجائبية Fantasise)) من خلال أناس لديهم الأفكار الواحدة، و المقدسات المشتركة، و الإيمان بالغيبيات و بالجان، مع رفض شامل للتعامل مع الحاضر أو الاندماج به، و مقاومة كل جديد من منطلق الخوف من العيب و الحرام، و خاصة عندما يتعلق الأمر بالنساء. فمن المعيب التوجه إلى المستشفى للولادة كما حصل مع( أم ميا): "يا عيب الشوم، بنت الشيخ مسعود ستلد راقدة، و ما قدرت توقف. فوقفتُ متشبثة بالوتد حتى انزلقتِ مني يا ميا في السروال. و كدت تموتين مختنقة؛ لولا أن حلت الداية مرية يديّ، و سحبتكِ".
    إن اللجوء إلى العوالم الغرائبية، عموماً، أمر يتعلق أساساً بالمحرم (السياسي و الديني و الجنسي) الذي تفرضه السلطات الذكورية، و بعدم القدرة على الاقتراب من حدود ذلك المحرم أو انتهاكه، نظراً لارتباط ذلك بالإثم و ما يترتب عليه من قضايا عقابية قد تصل إلى القتل. من هنا نستطيع أن نقرأ اتكاء الكاتبة على الموروث الشعبي و الأمثال الشعبية التي يراد منها إبراز الدلالات التي تكتنهها الرموز التي تحفل بها العوالم الغرائبية في الرواية.
    تنتمي رواية (سيدات القمر) إلى ما يمكن تسميته بأدب(الواقعية الغرائبية) أو (الإغرابية الذاتية). و هي ظاهرة نوعية جديدة في أدب السرد العربي، تستثمر، فيما تستثمر، أساليب السرد الشعبي العامي، و تقنياته,و عوالمه، استناداً إلى ادعاءات بناء شكل للرواية العربية له خصوصيته المحلية. لكن الدلالة العميقة لتلك الادعاءات تجد تفسيرها في فهم إنتاجها لعملية (شرقنة الذات) أو (استبطان تنميطات الآخر) التي تحقق عدة وظائف في مقدمتها وظيفة ( الكتابة من أجل الترجمة)، أي الكتابة من أجل الغرب في إطار آليات صناعة الأدب العالمي في الغرب وفق سياسات الترجمة و الاقتصاديات المرتبطة بها التي تركز، بحكم آليات تسويق السلعة المترجمة، و مجالاتها التداولية، على ترجمة الأعمال الروائية العربية التي تتميز بعوالمها الشرقية " الأصيلة" التي تحتل مساحة أساسية في المتخيل الغربي عن الشرق، أي في صورته الاستشراقية عنه.
    من هنا نستطيع أن نفهم الدعم الذي تقدمه لجنة جائزة(مان بوكر) العالمية إلى لجنة جائزة(البوكر) العربية، التي تضم بين أعضائها الأكاديمي التركي المتخصص في اللغة العربية (محمد حقي صوتشين)، باعتبار أن تركيا هي جزء لا يتجزأ من منظومة المتخيل الغربي عن الشرق.
    إن نجاح هذه السياسة التسويقية في الغرب بعد ترجمة أدب(الواقعية السحرية) أو (الواقعية الغرائبية) في أمريكا اللاتينية، و تزايد الوعي الغربي بنسبية أوروبا في العالم، قد فتح عيون عشرات الروائيين على ضرورة تكييف عوالمهم الروائية وفق مقتضيات هذه السياسة على أمل أن تتاح امكانية ترجمة أعمال هؤلاء في سوق صناعة الأدب العالمي في الغرب الذي تشكل الرواية السلعة الأولى فيها.
    لقد عرف الأدب العربي أدباء تناولوا العوالم الغرائبية مثل السوري سليم بركات (حوافز مهشمة في هايدراهوداهوس- كهوف هايدراهوداهوس- لوعة الأليف اللاموصوف المميز في صوت ساماك) على سبيل المثال لا الحصر، و الروائي السوري فيصل خرتش (حمام النسوان)، والمصري طارق إمام (ضريح أبي) و (شريعة القطة)، و المصري أحمد أبو خنيجر(حكايات السلعوة)، و المغربي (الطاهر بن جلّون)، و اليمني حبيب عبد الرب سروري(تقرير الهدهد)، و لا يمكن هنا أن نغفل عوالم الروائي اللييبي (ابراهيم الكوني) التي تغوص عميقاً في البنية الذهنية للبيئة الصحراوية، و كذلك كتابات الأردنية (سميحة خريس) و غيرها من الأدباء الذين نجح بعضهم في رسم عوالم روائية أصيلة تنتمي إلى هوية ثقافية واضحة من خلال الانخراط في التعبير عن مشكلات البيئة المحلية التي ينتمي إليها الكاتب، فيما كانت كتابات كثيرين منهم نوعاً من تسول الترجمة إلى لغة أجنبية طلباً للشهرة و المال الذي يكون بقدر ما تتمثل هذه الكتابات الصورة الاستشراقية للغرب عن الشرق.
    المفكر العربي (إدوارد سعيد) يعرف الاستشراق بأنه (شرقنة الشرق)، أي محاولة رسم صورة متخيلة عن الشرق في المتخيل الغربي يمنع عليه تجاوزها، و هي صورة رسمها الغرب من خلال قراءته لبعض نصوص الأدب الغرائبي مثل (ألف ليلة و ليلة) و (كليلة و دمنة)، و (حي بن يقظان)، و لا يريد الغرب من الشرق أن يتجاوز هذه الصورة التي كرستها كتابات الرحالة و تقارير المستشرقين الذين رافقوا الحملات العسكرية الأوربية على الشرق، و ربما لا يسمح بذلك كي لا يخيب ظنه بما اكتنزته المخيلة الغربية عن الشرق. و في هذا الإطار فإنه من الموضوعية الإقرار بأن الاستشراق لا يمكن النظر إليه بكيفية واحدة، فكثير من الأفكار الجديدة و المذاهب الأدبية و الفكرية المتنوعة كان للمستشرقين دور هام في التعريف بها، و كذلك الاهتمام بكثير من مخطوطات التراث العربي، و إن كان الهدف منها خدمة الغرب الاستعماري، مع ملاحظة أن معظم ما كتبه الغرب و صوَّره عن الشرق لم يكن للشرق دور فيه.
    إن الحفاوة التي قوبل بها إعلان فوز الكاتبة العمانية(جوخة الحارثي) بجائزة أفضل رواية مترجمة يثير الريبة، لأن هذه الرواية لا تخرج عن ذهنية (استبطان تنميطات الآخر) و الإغراق في (شرقنة الذات) كمقدمة نحو اغترابها و تحولها إلى أداة في خدمة الاستشراق الذي يبدو أنه استنفد أدواته التغريبية في الشرق، و يريد الآن أن يقرأ الأثر الذي خلفه في الأجيال الحالية بعد ما يزيد عن مئة و خمسين عاماً من تقارير الرحالة و المستشرقين عن الشرق، و ربما كانت رواية (سيدات القمر) واحدة من تلك المحاولات التي تعكس صورة الغرب عن الشرق كما يجب أن يكون.
    و بالإضافة إلى الغرضية الحالية للاستشراق فإن كثيراً من الأدباء وجدوا في (اللوغاريتمات) السوسيوثقاقية التي تعمل نزعة المركزية الغربية على تصديرها و تكريسها في الثقافات الوطنية للشعوب مادة مهمة للكتابة من أجل الترجمة، إذ صار يكفي أن يكتب شخص غير موهوب عن فساد السلطة، أو النظام السياسي في بلده، أو مشكلة الأقليات،أو التعذيب في السجون، أو انتهاك المحرم الديني أو الجنسي أو السياسي،سواء كان ذلك واقعياً أم لا، ليكون في مقدمة المرشحين للترجمة و نيل الجوائز التي يراد منها تصنيع أيقونات ثقافية تشوه الثقافات الوطنية، و تسهم في تخريب اللاوعي الجمعي للشعوب وهويتها الثقافية بهدف السيطرة عليها بأدوات و أساليب جديدة ليست سوى استمرار للذهنية الكولونيالية للمركزية الغربية. و قد شهدنا خلال سنوات الأزمة السورية ظهور العديد من هذه الأسماء التي تتكسب من تشويه الثقافة و قيم المجتمع و الدولة الوطنية .
    منذ ثلاث سنوات اختارت اللجنة المنظمة لجوائز نوبل (مطرباً) شعبياً من مطربي الملاهي الليلية الرخيصة ليكون جزء من احتفالية منح جوائز نوبل السويدية العالمية، في محاولة لتكريس هذه النماذج رموزاً ثقافية بديلة عن الرموز الثقافية المبدعة التي تنتمي إلى ثقافتها الوطنية بوعي و مسؤولية تاريخية.
    فهل ما يقوم به الغرب الآن ،في إطار سياسات الترجمة القائمة لديه حالياً، يختلف عن حال تكريس مطربي الملاهي الليلية رموزاً للثقافة و الفن؟.
    الأدب العربي في خطر، و ربما يكون ما يحصل الآن دافعاً للأدباء و الفنانين و المبدعين في شتى حقول الثقافة و الإبداع لكي يتحملوا مسؤولياتهم تجاه مجتمعاتهم و تجاه الثقافة الوطنية بشكل خاص، و محرضاً للمؤسسات الثقافية المعنية لتقديم الدعم اللازم وفق خطط طموحة هادفة من أجل الحفاظ على الهوية و الثقافة الوطنية التي لا وجود لوطن بدونها.

    مجلة المعرفة

    November 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    27 28 29 30 31 1 2
    3 4 5 6 7 8 9
    10 11 12 13 14 15 16
    17 18 19 20 21 22 23
    24 25 26 27 28 29 30

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    9164020

    Please publish modules in offcanvas position.