image.png

يحيى زيدو: أساطير نحيا بها

"أساطير نحيا بها" كتاب من تأليف الباحث "جوزيف كامبل"، ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏ترجمة الشاعر و الكاتب "أحمد م. أحمد Ahmad M. Ahmad "، ربما كان واحد من أمتع الكتب التي قرأتها مؤخراً، و هو عبارة عن مجموعة من المحاضرات التي ألقاها "كامبل" في القاعة الكبرى لمنتدى "جمعية كوبر للنهوض بالعلوم و الفنون" في مدينة نيويوك.
يُعد جوزيف كامبل (1904-1987) من أهم الباحثين في الميثولوجيا المقارنة و علم الأديان، و هو يقول في كتابه (البطل ذو الألف وجه): "الطريق إلى ما هو انساني يوجد في التعرف من جديد على الشرارة الإلهية في جميع تحولات الوجه الانساني الذي لا يُستنفد".
و لعل كتابه (أساطير نحيا بها) هو استمرار لمقولته هذه بصيغة أخرى.
يرى "كامبل" أن هناك  مصفوفتان ثقافيتان عالميتان خلاقتان هما بالنسبة إلى خط غرينثش: الأولى تشمل الهند و الصين و اليابان، و الثانية في (المشرق) و تشمل بلاد الشام أو الشرق الأدنى و أوروبا.
- عبر من ثلاثمائة صفحة يأخذنا "كامبل" في رحلة شيقة و ممتعة إلى عالم الأساطير بكل ما تنطوي عليه من طاقة متواصلة على التأثير في حياتنا اليومية، و في طرق تواصلنا مع بعضنا البعض كأفراد و كجماعات.
فالحدود الفاصلة للأرض قد امّحت، و ربما كان العام/1492/ هو "علامة النهاية لسلسلة المنظومات الأسطورية القديمة التي قدمت الدعم و الإلهام لحيوات الناس"، ثم جاءت الاكتشافات العلمية (رحلة كولومبوس، رحلة ماجلان، اكتشافات كوبرنيكوس، و غاليليه، و غيرهما) لتتلاشى بعدها سائر المفاهيم الأسطورية التي اختصت بطبيعة الكون، و بأصول و تاريخ الجنس البشري.
فالاكتشافات الأثرية قد أكدت أن أول ظهور بشري يرجع إلى مليون سنة قبل تأريخ التوراة لخلق العالم، كما أكدت "وجود بلدات حقيقية قبل قابيل بن آدم" لأن "قابيل نفسه كان يعمل في الأرض". و كما انهارت أسطورة الخلق فقد انهارت معها أساطير أخرى، و "ثبت أن النصوص العبرية التي استخدمتها تلك الحكايات اليهودية الشائعة عن الخلق، و سفر التكوين، و السنوات الأربعين في الصحراء، و غزو كنعان هي نصوص لم يكتبها (الرب)، أو حتى شخص اسمه موسى".
هناك دائماً حكايات أسطورية في كل رَبع من ربوع العالم، و هذا ربما ما أبقى مدناً مثل (مكة و روما و القدس) و بدرجة أقل مدينتي (بينارس و بكين) على مدى قرون "سرَّة العالم المتصلة بمملكة النور أو بالله.. فليس هناك من بشري اصطفاه الله في عالم متعدد الأعراق، و ليس هناك حقيقة واحدة يجب أن نركع لها، و ليس هناك كنيسة وحيدة صحيحة دون سواها".
- الأساطير، بحسب فرويد، هي "أحلام عمومية، و الأحلام أساطير خصوصية". و منذ ظهور الأسطورة كان واضحاً "تبعية الاقتصادات للميثولوجيا"، و إلا كيف يمكن تفسير جوع الهندي مع وجود هذا العدد الكبير من الأبقار القابلة لأن تكون غذاء، و فقر المسيحيين في القرون الوسطى مع البذخ الذي يوجد في الكاتدرائيات الضخمة، (و الأمر نفسه، باعتقادي، في الجوامع الفخمة التي تنزرع في أوساط البيئات الشعبية الفقيرة).
الهدف الأساسي لكل أسطورة هو العصبة الاجتماعية،و تطويع الفرد لنظام حياة اجتماعية و قيم تتبناها الجماعة، و هنا يجري تأويل الرموز بحسب مصلحة النظام الاجتماعي و الثقافي القائم، و تختلف دلالاتها من شعب إلى شعب، و من منطقة جغرافية إلى أخرى، مثلاً فإن الأفعى التي تعني الشر في الكتاب المقدس هي رمز للخير و التجدد في الهند، و لعل طقوس (عبادة الدب) عند قبائل Aenu)) اليابانية تشير إلى طبيعة الترميز الثقافي لكل شعب، بحسب مرحلة تطوره التاريخي.
إن انتقال البشر من مرحلة الصيد، و قتل الحيوانات من أجل الغذاء إلى مرحلة الزراعة و الاستقرار، قد غير مفاهيم الإنسان عن الطبيعة و الكون و الإله، و هنا لا يمكن إغفال علاقة الانسان بالنار، فقد كان اكتشافها للعبادة أولاً قبل أن تصبح أداة لاستعمالها في الطهو و الشي، و من غير المعروف متى بدأ الإنسان يستخدم النار لأغراضه اليومية.
ثمة عنصر مهم في الإكتشافات الأثرية يتعلق بالرجل و المرأة، فقد لوحظ أن الرموز المذكرة في الرسومات الجدارية تأتي دائماً مكسوة بنوع من اللباس، أما الرموز المؤنثة فهي عارية تماماً و واقفة دون زينة، مما يدل على أن المرأة تمتلك مسحة أسطورية عريقة و مباشرة، ليس كمنبع و مانح للحياة فحسب، بل لسحر لمستها و حضورها، و توافق دوراتها مع دورات القمر. أما الذكور فإنهم يكتسبون قدراتهم من الوظيفة الاجتماعية التي تمنح لهم في النظام الاجتماعي، و الذي يدل عليها اللباس الذي يلبسونه في مجتمعات تقوم على الأسطورة و الرموز و الشعائر و الطقوس.
و إذا كانت الأساطير هي الدعامات الذهنية للطقوس، فإن الطقوس هي التشريعات المادية للأساطير. و إن الفتى حين يتمثل أساطير بنيته الاجتماعية و طقوسها يكون بذلك قد (تهيكل) على الانسجام مع النظام الاجتماعي و مع بنية الطبيعة، و هو سيكتسب تميزه و تمايزه بقدر ما يكون كفؤاً في أداء دوره فيها.
إن انتقال الإنسان إلى مرحلة المجتمعات الزراعية المستقرة هو الذي حوّل الموت إلى حياة، و حوّل الاهتمام من قتل الحيوانات إلى رياضات الأنوار الكونية، فصار الجار ليس الحيوان الذي نخافه أو النبات الذي نأكله، و ليست السماء التي تجردت من محتواها الأسطوري بفضل معارفنا العلمية، بل أصبح الجار هو الإنسان، كما هو، في ذاته كيكينونة تحفل بالغموض و الدهشة في آن.
و لعل الافتراق الحقيقي بين الشرق و الغرب سيأتي لاحقاً من الموقف من الإنسان نفسه. ففي الوقت الذي تركز فيه الحضارات الشرقية على الكل او المجموع، و على خلق الصور النمطية المعيارية التي تجعل الفرد خاضعاً للجماعة، فإن الحضارة الغربية ركزت على مفهوم الفردانية (يستخدم المترجم مصطلح التفردية)، أي الفرد الفذ الذي هو مركز التفكير و الفعل. و هنا يأخذنا "كامبل" في رحلة ممتعة في رحاب الفن الشرقي ليغوص في تفاصيل لوحات الشرق من الهند و اليابان و الصين ،و يصل بنا إلى (ميثولوجيا الحب)، الذي ربما كان أمتع فصول الكتاب، حيث يبحر "كامبل" في أساطير الحب من فارس، و الهند، و اليابان، و الصين، و صولاً إلى أساطير الحب لدى اليونان، و آراء فلاسفة و شعراءالقرون الوسطى في الحب و الجمال، وحتى التصوف الإسلامي و الشرقي عموماً الذي يتضمن الكثيرمن الإيروتيك في النصوص المكتشفة.
بعد رحلته في أساطير الحب، يتوقف "كامبل" عند أساطير الحرب و السلم. فأساطير السلم نشأت اعتراضاً على قوانين القتل، لكن تأمل أساطير السلم سوف يحيلنا إلى القتل، أو الدعوة إلى الحرب المتضمنة في الدعوات السلمية.
يشدد "كامبل" على أن الانسان واحد في إنسانيته، متعدد في اهتماماته و انتماءاته. و هو يرى أن العلم قد أقصى الجانب الأسطوري للسماء، فالانسان مشى على سطح القمر بقوانين العقل التي اكتشفها على الأرض و ليس بقوانين السماء. فعندما سئل رائدا الفضاء في مركبة (أبوللو) التي حطت على سطح القمر: من الذي كان يقود المركبة؟ أجابا معاً: "نيوتن هو الذي كان يقود المركبة".
-هذا الإنسان الذي مشى على سطح القمر ليس من الضروري أن لا يؤمن بالله.. فلكل إنسان إيمانه الخاص. في الأسطورة الهندية، قالت امرأة للمعلم: أيها المعلم، أعتقد أني لا أحب الله، فقال لها المعلم: هل ثمة من تحبين؟ أجابت المرأة: نعم، أحب ابن أخي الصغير، فقال المعلم: هذا هو دليل حبك لله، و خدمتك له، من خلال حبك و خدمتك لهذا الطفل.
- و لعل قصيدة الشاعر (والت ويتمان) "العشب الأخضر" التي يذكرها "كامبل" تتشابه مع كثير من القصائد الصوفية الشرقية في فارس و الشام و الهند و اليابان. يقول (ويتمان):
".. أرى شيئاً من الله في كل ساعة من اليوم
و في كل لحظة
و في وجوه الرجال و النساء أرى الله
و في وجهي حين يعكسه الزجاج
أعثر على رسائل الله مرمية في الطريق
و كلٌّ منها ممهورة باسم الله
أتركها في مكانها. لأني أوقن
أن ثمة رسائل أخرى سوف ترد
دائماً و إلى الأبد".
- ملاحظة لا تنتقص من قيمة الكتاب: الغلاف رديء و لا يتناسب مع مضمونه المعرفي العميق و الجميل.

November 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
9152609

Please publish modules in offcanvas position.